الحَدِيث التَّاسِع عشر
أنه عليه السلام قَالَ لَهَا : "إِن دم الْحيض أسود يعرف ، وَإِن لَهُ رَائِحَة ، فَإِذا كَانَ ذَلِك فدعي الصَّلَاة ، وَإِذا كَانَ الآخر فاغتسلي وَصلي " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ فِي "سُنَنهمَا" من [3/115] حَدِيث عُرْوَة بن الزبير ، عَن فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش " أَنَّهَا كَانَت تستحاض ، فَقَالَ لَهَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذا كَانَ دم الْحيض فَإِنَّهُ دم أسود يعرف ، فَإِذا كَانَ ذَلِك فأمسكي عَن الصَّلَاة ، فَإِذا كَانَ الآخر فتوضئي وَصلي " .
هَذَا لفظ أبي دَاوُد ، وَلَفظ النَّسَائِيّ مثله إِلَّا أَنه قَالَ بعد "فتوضئي" : "فَإِنَّمَا هُوَ عرق" ، وَلم يذكر : "وَصلي" .
وَفِي رِوَايَة لَهُ : " إِن دم الْحيض أسود يعرف ، فَإِذا كَانَ ذَلِك فأمسكي عَن الصَّلَاة ، فَإِذا كَانَ الآخر فتوضئي وَصلي " .
قَالَ أَبُو دَاوُد : وَرُوِيَ عَن الْعَلَاء بن الْمسيب ، وَشعْبَة ، عَن الحكم ، عَن أبي جَعْفَر ، قَالَ الْعَلَاء : عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَوْقفهُ شُعْبَة "تَوَضَّأ لكل صَلَاة" .
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" بِلَفْظ أبي دَاوُد سَوَاء ، وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ " بِزِيَادَة بعد "وَصلي" : "فَإِنَّمَا ذَلِك عرق" ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ .
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي " محلاه " فِي كتاب النِّكَاح : إِنَّه حَدِيث صَحِيح .
وَقَالَ ابْن الصّلاح : حَدِيث مُحْتَج بِهِ .
[3/116] وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "إلمامه" بعد أَن عزاهُ إِلَى رِوَايَة النَّسَائِيّ : رِجَاله رجال مُسلم .
وَخَالف ابْن الْقطَّان ، فَقَالَ فِي " الْوَهم وَالْإِيهَام " لَهُ : هُوَ فِيمَا أرَى مُنْقَطع ، لِأَنَّهُ يرْوَى عَن عُرْوَة ، عَن فَاطِمَة . وَعَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة ، عَن فَاطِمَة . قَالَ : وَلَو صَحَّ أَن عُرْوَة سمع من فَاطِمَة لم يَقع ذَلِك فِي الأول لإدخال عُرْوَة بَينهَا وَبَينه فِيهِ عَائِشَة .
قَالَ : وَزعم ابْن حزم أَن عُرْوَة أدْرك فَاطِمَة وَلم يستبعد أَن يسمعهُ من خَالَته وَمن ابْنة عَمه . قَالَ : وَهَذَا عِنْدِي غير صَحِيح . قَالَ : وَقد يظنّ السماع مِنْهَا لحَدِيث الْمُنْذر بن الْمُغيرَة عَن عُرْوَة أَن فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش حدثته " أَنَّهَا سَأَلت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فشكت إِلَيْهِ الدَّم ، فَقَالَ لَهَا : إِنَّمَا ذَلِك عرق ، فانظري ..." الحَدِيث .
وَهَذَا لَا يَصح مِنْهُ سَمَاعه مِنْهَا للْجَهْل بِحَال الْمُنْذر بن الْمُغيرَة ، قَالَ أَبُو حَاتِم : مَجْهُول لَيْسَ بالمشهور . وَفِي حَدِيث آخر سَمَاعه مِنْهَا عَلَى الشَّك . انْتَهَى .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سَأَلت أبي عَن حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة ، عَن فَاطِمَة أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ لَهَا : "إِذا رَأَيْت الدَّم الْأسود فأمسكي عَن الصَّلَاة ، وَإِذا كَانَ الْأَحْمَر [3/117] فتوضئي" ، فَقَالَ : لم يُتَابع مُحَمَّد بن عَمْرو عَلَى هَذِه الرِّوَايَة وَهُوَ مُنكر . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : أغرب مُحَمَّد بن عَمْرو عَن الزُّهْرِيّ بِهَذِهِ اللَّفْظَة . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ : فَاسد الْإِسْنَاد لم يروه إِلَّا ابْن عَمْرو ، وَقد أَنْكَرُوا عَلَيْهِ .
وَأما رِوَايَة الإِمَام الرَّافِعِيّ بعد قَوْله "يعرف" : "وَأَن لَهُ رَائِحَة" فَلم أرها فِي شَيْء من كتب الحَدِيث ، وَذكرهَا فِي أثْنَاء الْبَاب بِلَفْظ : "لَهُ رَائِحَة تعرف " ، وَهَذَا هَكَذَا لَا يعرف .
قَالَ : وَورد فِي صفته أَنه أسود محتدم بحراني ذُو دفعات .
قلت : وَتبع فِي إِيرَاد هَذَا الْغَزالِيّ ، فَإِنَّهُ ذكره فِي "وسيطه" ، وَتبع فِي ذَلِك الإِمَام فِي "نهايته" ، وَفِي "تَارِيخ الْعقيلِيّ" نَحوه من حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت : " دم الْحيض أَحْمَر بحراني ، وَدم الِاسْتِحَاضَة كغسالة اللَّحْم " .
قَالَ البُخَارِيّ : لَا يَصح وَلَا يُتَابع عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْن الصّلاح عَن رِوَايَة الْغَزالِيّ وإمامه : إِنَّهَا ضَعِيفَة لَا تعرف . وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط أَيْضا قَالَ - وَيَعْنِي حَدِيث فَاطِمَة ، ثمَّ سَاق الحَدِيث السالف عَن رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ، وَعَزاهُ إِلَى ابْن مَاجَه أَيْضا ، وَإِنَّهُم رَوَوْهُ بأسانيد صَحِيحَة - : وَذكر الْغَزالِيّ فِي " وسيطه " تبعا للْإِمَام زِيَادَة فِي حَدِيث فَاطِمَة وَهِي : "عرق انْقَطع" ، وَأنكر وجود هَذِه الزِّيَادَة وَهِي "انْقَطع" [3/118] ابنُ الصّلاح ، ثمَّ النَّوَوِيّ ، وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة فِي " مطلبه " وَهُوَ غَرِيب مِنْهُم ، فَهَذِهِ اللَّفْظَة صَحِيحَة مَوْجُودَة فِي "سنَن الدَّارَقُطْنِيّ" ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وصحيح الْحَاكِم ، وَقَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد . و" خلافيات " الْبَيْهَقِيّ أَيْضا لكنه لينه ، وَقد أوضحت ذَلِك كُله فِي تخريجي لأحاديث "الْوَسِيط" فارحل إِلَيْهِ فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَورد فِي دم الِاسْتِحَاضَة أَنه أَحْمَر رَقِيق مشرق . قلت : الَّذِي أعلمهُ فِي صفة دم الِاسْتِحَاضَة مَا أسلفته عَن عَائِشَة ، وَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنهمَا" من حَدِيث عبد الْملك ، عَن الْعَلَاء قَالَ : سَمِعت مَكْحُولًا يَقُول : عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " دم الْحيض أسود خاثر تعلوه حمرَة ، وَدم الِاسْتِحَاضَة أصفر رَقِيق " .
وَفِي رِوَايَة للدارقطني : " دم الْحيض لَا يكون إِلَّا دَمًا أسود عبيطًا يعلوه حمرَة ، وَدم الِاسْتِحَاضَة رَقِيق يعلوه صفرَة " .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : عبد الْملك هَذَا مَجْهُول ، والْعَلَاء هُوَ ابْن كثير ضَعِيف فِي الحَدِيث ، وَمَكْحُول لم يسمع من أبي أُمَامَة شَيْئا ، أَنا بذلك [3/119] أَبُو بكر الْفَقِيه عَن الدَّارَقُطْنِيّ قلت : الْعَلَاء لم ينْسب فِي هَذِه الرِّوَايَة ، وَقَول الدَّارَقُطْنِيّ "هُوَ ابْن كثير" وَإِقْرَار الْبَيْهَقِيّ لَهُ عَلَى ذَلِك يُعَارضهُ أَن الطَّبَرَانِيّ رَوَى هَذَا الحَدِيث وَفِيه الْعَلَاء بن الْحَارِث .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن الْعَلَاء بن الْحَارِث ، فَقَالَ : ثِقَة لَا أعلم أحدا من أَصْحَاب مَكْحُول أوثق مِنْهُ . قَالَ : وحَدَّثَني أبي سَمِعت دحيمًا وَذكر الْعَلَاء بن الْحَارِث ، فقدمه وَعظم شَأْنه . وَقَالَ : رَوَى الْأَوْزَاعِيّ عَنهُ ثَلَاثَة أَحَادِيث ، وَأخرج لَهُ مُسلم فِي "صَحِيحه" نعم كَانَ يرَى الْقدر .
وَأما ابْن طَاهِر الْحَافِظ فَإِنَّهُ قَالَ فِي " تَذكرته " عقب هَذَا الحَدِيث : الْعَلَاء هَذَا يروي الموضوعات . قَالَ : وَمن أَصْحَابنَا من زعم أَنه الْعَلَاء بن الْحَارِث ، وَلَيْسَ كَذَلِك ؛ لِأَن الْعَلَاء بن الْحَارِث حضرمي من الْيمن ، وَهَذَا مولَى بني أُميَّة ، وَذَاكَ صَدُوق ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء فِي الحَدِيث .
قلت : يُقَوي هَذَا مَا ذكره الحافظان ، وَالله أعلم
.
تَنْبِيه : وهم صَاحب "التنقيب عَلَى الْمُهَذّب" فَادَّعَى أَن حَدِيث فَاطِمَة الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ أَولا وَهُوَ "أَن دم الْحيض أسود يعرف" أخرجه مُسلم من حَدِيث فَاطِمَة ، فِيهِ وَفِي البُخَارِيّ بِغَيْر هَذَا [3/120] اللَّفْظ كَمَا أسلفناه قبل ذَلِك .
فَائِدَة : الْأسود ، قد فسره الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب بِأَنَّهُ الَّذِي يعلوه حمرَة متراكبة فَيضْرب من ذَلِك إِلَى السوَاد .
والمحتدم - بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ - كَمَا قَيده النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" قَالَ وَهُوَ مَأْخُوذ من احتدام النَّهَار ، وَهُوَ اشتداد حره . وَقَالَ الرَّافِعِيّ : هُوَ الَّذِي يلْدغ الْبشرَة ، ويحرقها لحدته ، وَيخْتَص برائحة كريهة . قَالَ : وَقيل : هُوَ الضَّارِب إِلَى السوَاد . قَالَ : وَدم الِاسْتِحَاضَة رَقِيق لَا احتدام فِيهِ يضْرب إِلَى الشقرة أَو الصُّفْرَة ، وَلذَلِك سمي مشرقًا ، وَالْمَشْهُور فِي كتب اللُّغَة أَن المحدوم هُوَ الَّذِي اشتدت حمرته حتَّى اسود ، الْفِعْل مِنْهُ احتدم .
وَقَوله : "ذُو دفعات" هُوَ بِضَم الدَّال وَفتحهَا ، وَالضَّم أَجود ، وَهُوَ اسْم للمدفوع ، وبالفتح اسْم للمرة الْوَاحِدَة .
والبحراني : هُوَ الشَّديد الْحمرَة ، قَالَه الرَّافِعِيّ ثمَّ حَكَى عَن صَاحب "الغريبين" أَنه يُقَال : بحراني وباحراني ، أَي : شَدِيد الْحمرَة ، أَي : نِسْبَة إِلَى الْبَحْر لصفاء لَونه ، بِخِلَاف دم الْفساد .
[3/121] وَقَالَ الإِمَام فِي "نهايته" : إِنَّه الصَّحِيح . وَلم يبين مَا يُقَابله ، وَقَالَ الْخطابِيّ : إِنَّه الدَّم الْكثير الغليظ الَّذِي يخرج من قَعْر الرَّحِم ، ينْسب إِلَى الْبَحْر لكثرته وسعته .
قَالَ أهل اللُّغَة : والبحراني مَنْسُوب إِلَى الْبَحْر ، وَهُوَ قَعْر الرَّحِم ، كَمَا يخرج المَاء من قَعْر الْبَحْر ، وزادوه الْألف وَالنُّون فِي النّسَب مُبَالغَة ، وَقيل : لِأَنَّهُ يخرج بسعة تدفق كَمَاء الْبَحْر .