|
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " دعِي الصَّلَاة أَيَّام أَقْرَائِك " . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ بِهَذَا اللَّفْظ من طرق أَرْبَعَة أَولهَا : من حَدِيث أم حَبِيبَة رَضي اللهُ عَنها ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ ، عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة " أَن أم حَبِيبَة كَانَت تستحاض ، فَسَأَلت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأمرهَا أَن تتْرك الصَّلَاة قدر أقرائها وحيضها " . وَهَذَا من بَاب الْعَطف إِذا تغايرت الْأَلْفَاظ كَقَوْلِه : وَألقَى قَوْلهَا كذبا ومينًا . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ - أَيْضا بِسَنَد كل رِجَاله ثِقَات - عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة : " أَن أم حَبِيبَة استحيضت ، فَذكرت شَأْنهَا لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : لتنظر قدر قرئها الَّتِي كَانَت تحيض لَهَا ..." الحَدِيث . ثَانِيهَا : من حَدِيث فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش : " أَنَّهَا شكت إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّم فَقَالَ : إِذا أَتَاك قرؤك فَلَا تصلي ، فَإِذا مرّ قرؤك فتطهري ، ثمَّ [3/126] صلي مَا بَين الْقُرْء إِلَى الْقُرْء " ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِسَنَد كل رِجَاله ثِقَات . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم : ثَبت أنه عليه السلام قَالَ للمستحاضة : "إِذا أَتَاك قرؤك فَلَا تصلي" ، وَأَنه أمرهَا أَن تتْرك الصَّلَاة قدر أقرائها وحيضها ، وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الحَدِيث الَّذِي قبله . ثَالِثهَا : من حَدِيث أم سَلمَة ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي "مُسْنده" عَن يزِيد بن هَارُون ، أَنا حجاج ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان بن يسَار " أَن امْرَأَة أَتَت أم سَلمَة تسْأَل لَهَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن الْمُسْتَحَاضَة ؟ فَقَالَ : تدع الصَّلَاة أَيَّام أقرائها " ، وَهَذِه الْمَرْأَة هِيَ فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش كَمَا سبق وَصرح بِهِ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" ، فَإِنَّهُ رَوَى من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار عَنْهَا " أَنَّهَا استفتت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لفاطمة بنت أبي حُبَيْش ، فَقَالَ : تدع الصَّلَاة قدر أقرائها ، ثمَّ تَغْتَسِل وَتصلي " ، ثمَّ قَالَ : - أَعنِي الدَّارَقُطْنِيّ - ورَوَاهُ وهيب ، عَن أَيُّوب ، عَن سُلَيْمَان ، عَن أم سَلمَة بِهَذَا ، وَقَالَ : "تنْتَظر أَيَّام حَيْضهَا وَتَدَع الصَّلَاة" . ثمَّ رَوَى من حَدِيث سُلَيْمَان : " أَن فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش استحيضت حتَّى كَانَ المركن ينْقل من تحتهَا وَأَعلاهُ الدَّم ، قَالَ : فَأمرت أم سَلمَة تسْأَل لَهَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : تدع الصَّلَاة أَيَّام أقرائها ، [3/127] ثمَّ تَغْتَسِل وتستثفر بِثَوْب وَتصلي" . ثمَّ رَوَى من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار أَيْضا " أَن فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش استحيضت ، فَسَأَلت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَو سُئِلَ لَهَا النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم ، فَأمرهَا أَن تدع الصَّلَاة أَيَّام أقرائها ، وَأَن تَغْتَسِل فِيمَا سُوَى ذَلِك وتستذفر بِثَوْب وَتصلي ، فَقيل لِسُلَيْمَان : أيغشاها زَوجهَا ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا نقُول فِيمَا سمعنَا " . وَلما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" فِي الْعدَد من حَدِيث أَيُّوب ، عَن سُلَيْمَان بن يسَار " أَن فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش استحيضت ، فَسَأَلت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأمرهَا أَن تدع الصَّلَاة أَيَّام أقرائها ، وَأَن تَغْتَسِل فِيمَا سُوَى ذَلِك وتستذفر بِثَوْب وَتصلي ، فَقيل لِسُلَيْمَان ..." إِلَى آخِره ، قَالَ : كَذَا رَوَاهُ عبد الْوَارِث وَحَمَّاد بن زيد ، عَن أَيُّوب ، إِلَّا أَنَّهُمَا ذكرا أَن أم سَلمَة استفتت لَهَا ، وَاحْتج إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل ابْن علية بِهَذِهِ الرِّوَايَة ، وَزعم أَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة رَوَاهُ عَن أَيُّوب هَكَذَا ، قَالَ الشَّافِعِي : مَا حدث سُفْيَان بِهَذَا قطّ إِنَّمَا قَالَ : سُفْيَان ، عَن أَيُّوب ، عَن سُلَيْمَان ، عَن أم سَلمَة ، أنه عليه السلام قَالَ : "تدع الصَّلَاة عدد اللَّيَالِي وَالْأَيَّام الَّتِي كَانَت تحيض " ، أَو قَالَ : "أَيَّام أقرائها" ، الشَّك من أَيُّوب لَا يدْرِي قَالَ هَذَا أَو هَذَا ، فَجعله هُوَ [3/128] أَحدهمَا عَلَى نَاحيَة مِمَّا يُرِيد لَيْسَ هَذَا بِصدق . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَفِي رِوَايَة عَن سُفْيَان ، عَن أَيُّوب ، عَن سُلَيْمَان ، عَن أم سَلمَة " أَن فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش استحيضت ، فَسَأَلت لَهَا أم سَلمَة رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : لَيست بالحيضة إِنَّمَا هُوَ عرق ، فَأمرهَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم أَن تدع الصَّلَاة أَيَّام أقرائها وَأَيَّام حَيْضهَا ، ثمَّ تَغْتَسِل وَتصلي ، فَإِن غلبها الدَّم استذفرت " قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كَذَا وجدت وَالصَّوَاب: "أَيَّام أقرائها أَو أَيَّام حَيْضهَا" بِالشَّكِّ . قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ وهيب ، عَن أَيُّوب ، ورَوَاهُ أَبُو عبد الله المَخْزُومِي ، عَن سُفْيَان ، فَقَالَ : " لتنظر عدَّة اللَّيَالِي وَالْأَيَّام الَّتِي كَانَت تحيضهن وقدرهن من الشَّهْر ، فلتترك الصَّلَاة " كَذَلِك كَمَا رَوَاهُ نَافِع ، عَن سُلَيْمَان بن يسَار ، قَالَ الشَّافِعِي : نَافِع أحفظ عَن سُلَيْمَان من أَيُّوب . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد [3/129] رُوِيَ هَذَا اللَّفْظ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فِي أَحَادِيث ذَكرنَاهَا فِي كتاب الْحيض ، وَتلك الْأَحَادِيث فِي نَفسهَا مُخْتَلف فِيهَا ، فبعض الروَاة قَالَ فِيهَا : "أَيَّام أقرائها" ، وَبَعْضهمْ قَالَ فِيهَا : "أَيَّام حَيْضهَا" ، أَو فِي مَعْنَاهُ ، وكل ذَلِك من جِهَة الروَاة كل وَاحِد مِنْهُم يعبر عَنهُ بِمَا يَقع لَهُ . قَالَ : وَالْأَحَادِيث الصِّحَاح متفقة عَلَى الْعبارَة عَنهُ بأيام الْحيض دون لفظ الْأَقْرَاء . الطَّرِيق الرَّابِع : من حَدِيث عدي بن ثَابت ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَنه قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَة : "تدع الصَّلَاة أَيَّام أقرائها الَّتِي كَانَت تحيض فِيهَا ، ثمَّ تَغْتَسِل وتتوضأ عِنْد كل صَلَاة وتصوم وَتصلي " . رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي "مُسْنده" من حَدِيث شريك ، عَن أبي الْيَقظَان ، عَن عدي بِهِ ، إِلَّا أَن الدَّارمِيّ قَالَ : "أَيَّام حَيْضهَا" بدل "أقرائها" . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث قد تفرد بِهِ شريك ، عَن أبي الْيَقظَان . قَالَ : وسَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقلت : عدي بن ثَابت ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، جد عدي بن ثَابت مَا اسْمه ؟ فَلم يعرف مُحَمَّد اسْمه ، وَذكرت لمُحَمد قَول يَحْيَى بن معِين أَن اسْمه : دِينَار ، فَلم يعبأ بِهِ . قلت : وَقَالَ أَحْمد بن زُهَيْر : اسْمه : قيس . حَكَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى فِي "معرفَة الصَّحَابَة" قَالَ : وَقَالَ أَكْثَرهم : اسْمه عبد الله بن يزِيد الخطمي . [3/130] قَالَ : وَقيل : إِن عبد الله بن يزِيد اسْم جده من قبل الْأُم . انْتَهَى . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَا يَصح من هَذَا كُله شَيْء . وَقَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي "تهذيبه" : الصَّحِيح القَوْل الْأَخير . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : هُوَ عدي بن ثَابت بن عبيد بن عَازِب ، فجده هَذَا هُوَ أَخُو الْبَراء بن عَازِب الْأنْصَارِيّ . وَحَكَى الْمزي عَن بَعضهم أَنه عدي بن أبان بن ثَابت بن قيس بن الخطيم الظفري الْأنْصَارِيّ ، وَصوب هَذَا القَوْل الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي فِي كِتَابه "قبائل الْأَوْس والخزرج" . قلت : وَأَبُو الْيَقظَان الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث اسْمه عُثْمَان بن عُمَيْر الْكُوفِي ، وَيُقَال لَهُ : ابْن قيس ، وَابْن أبي حميد ، وَابْن أبي زرْعَة ، أَعْمَى وأعشى ثَقِيف ، وَقد ضعفه غير وَاحِد ، قَالَ أَحْمد : ضَعِيف الحَدِيث ، وَقَالَ يَحْيَى : حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ ابْن حبَان : اخْتَلَط حتَّى لَا يدْرِي مَا يَقُول ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : [3/131] ضَعِيف الحَدِيث مُنكر ، كَانَ شُعْبَة لَا يرضاه . وَذكر أَنه حَضَره فروَى عَن شيخ ، فَقَالَ لَهُ شُعْبَة : كم سنك ؟ قَالَ : كَذَا ، وَإِذا الشَّيْخ قد مَاتَ وَهُوَ ابْن سنتَيْن . وَقَالَ الدولابي فِي "كِتَابه" : حَدَّثَني عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ : سَمِعت أبي يَقُول : ترك عبد الرَّحْمَن بن مهْدي حَدِيث أبي الْيَقظَان هَذَا ، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي " كناه " : لَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْدهم . لَا جرم أَن أَبَا دَاوُد قَالَ فِي " سنَنه " : هَذَا حَدِيث ضَعِيف لَا يَصح . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي " علله " وَمِنْهَا نقلت : سَأَلت مُحَمَّدًا - يَعْنِي : البُخَارِيّ - عَن هَذَا الحَدِيث فَلم يعرفهُ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ .
|