الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين
عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادي ابْن أم مَكْتُوم .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ بِزِيَادَة : " وَكَانَ ابْن أم مَكْتُوم رجلا أَعْمَى لَا يُنَادي حَتَّى يُقَال لَهُ : أَصبَحت أَصبَحت " ، خرجه فِي كتاب الصَّلَاة وَفِي الشَّهَادَات فِي بَاب شَهَادَة الْأَعْمَى .
وخرجه مُسلم فِي الصَّوْم بِلَفْظ : إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل ؛ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تسمعوا تأذين ابْن أم مَكْتُوم ، وَفِي لفظ : "حَتَّى [3/201] يُؤذن" بدل "حَتَّى تسمعوا تأذين" قَالَ : وَلم يكن بَينهمَا إِلَّا أَن ينزل هَذَا ويرقى هَذَا .
قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كِتَابه " الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل " . قَوْله : وَكَانَ ... إِلَى آخِره مدرجة ، جعلهَا بَعضهم من قَول ابْن شهَاب ، وَآخره من قَول سَالم .
فَائِدَة : لهَذَا الحَدِيث طَرِيق ثانٍ مُتَّفق عَلَيْهِ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أَن بِلَالًا كَانَ يُؤذن بلَيْل ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : كلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤذن ابْن أم مَكْتُوم ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤذن حَتَّى يطلع الْفجْر ، قَالَ الْقَاسِم : "وَلم يكن بَين أذانيهما إِلَّا أَن ينزل ذَا ويرقى ذَا ، وَهَذَا السِّيَاق للْبُخَارِيّ ، وَفِي رِوَايَة لَهُ من طَرِيق الْحَمَوِيّ : "أَن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل" ، وَسِيَاق مُسلم كسياق الرِّوَايَة الثَّانِيَة الَّتِي أخرجناها عَنهُ من طَرِيق ابْن عمر .
فَائِدَة ثَانِيَة : لما أخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عمر قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن ابْن مَسْعُود ، وَعَائِشَة ، وأنيسة ، وَأنس ، وَأبي ذَر ، وَسمرَة .
قلت : وَعقبَة بن أنيس كَمَا ذكره ابْن مَنْدَه فِي "مستخرجه" ، وَحَدِيث [3/202] أنيسَة بنت خبيب قد رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد ، وَابْن حبَان عَلَى عكس حَدِيث عَائِشَة السالف ، وَهُوَ أنه عليه السلام قَالَ : إِن ابْن أم مَكْتُوم يُؤذن بلَيْل ؛ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤذن بِلَال .
وَرَوَى ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" من حَدِيث عَائِشَة مثلهَا قَالَت : وَكَانَ بِلَال لَا يُؤذن حَتَّى يطلع الْفجْر .
وعنهما جوابان : أَحدهمَا : مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ ، عَن الْحَاكِم ، عَن ابْن خُزَيْمَة أَنه قَالَ : إِن صحت هَذِه الرِّوَايَة - يَعْنِي : رِوَايَة عَائِشَة - فَيجوز أَن يكون بَين ابْن أم مَكْتُوم وَبَين بِلَال نوب ، وَكَانَ بِلَال إِذا كَانَت نوبَته أذن بلَيْل ، وَكَانَ ابْن أم مَكْتُوم إِذا كَانَت نوبَته يُؤذن بلَيْل ، وَهَذَا جَائِز صَحِيح ، وَإِن لم يَصح ؛ فقد صَحَّ خبر ابْن عمر ، وَابْن مَسْعُود ، وَسمرَة ، وَعَائِشَة ، أَن بِلَالًا كَانَ يُؤذن بلَيْل ، وَلما رَوَى ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" حَدِيث أنيسَة جمع بَينهمَا بِهَذَا الْجمع .
الْجَواب الثَّانِي : قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ فِي " جَامع المسانيد " عقب حَدِيث أنيسَة : هَكَذَا رَوَوْهُ كَأَنَّهُ مقلوب ؛ إِنَّمَا هُوَ : " إِن بِلَالًا يُنَادي بلَيْل " .
[3/203] وَقَالَ ابْن عبد الْبر : اخْتلف فِي حَدِيث أنيسَة عَلَى شُعْبَة ، وَالْمَحْفُوظ وَالصَّوَاب - إِن شَاءَ الله - رِوَايَة : إِن بِلَالًا يُنَادي بلَيْل . وَتَبعهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي .