الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ
عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أَمرنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن أؤذن فِي صَلَاة الْفجْر ، فَأَذنت ، فَأَرَادَ بِلَال أَن يُقيم ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن أَخا صداءٍ قد أذن ، وَمن أذن فَهُوَ يُقيم .
[3/407] هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم الأفريقي ، عَن زِيَاد بن نعيم الْحَضْرَمِيّ ، عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لِلتِّرْمِذِي وَابْن مَاجَه ، وَلَفظ أَحْمد قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " أذن يَا أَخا صداء . قَالَ : فَأَذنت ، وَذَلِكَ حِين أَضَاء الْفجْر ، فَلَمَّا تَوَضَّأ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَامَ إِلَى الصَّلَاة ، فَأَرَادَ بِلَال أَن يُقيم ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يُقيم أَخُو صداء ؛ فَإِن من أذن فَهُوَ يُقيم " .
وَلَفظ أبي دَاوُد : عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي قَالَ : " لما كَانَ أول أَذَان الصُّبْح أَمرنِي - يَعْنِي : النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأَذنت ، فَجعلت أَقُول : أقيم يَا رَسُول الله ؟ فَجعل ينظر إِلَى نَاحيَة الْمشرق - إِلَى الْفجْر - فَيَقُول : لَا ، حَتَّى إِذا طلع الْفجْر نزل فبرز ، ثمَّ انْصَرف إِلَيّ وَقد تلاحق أَصْحَابه - يَعْنِي : فَتَوَضَّأ - ، فَأَرَادَ بِلَال أَن يُقيم ، فَقَالَ لَهُ نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن أَخا صداء هُوَ أذن ؛ وَمن أذن فَهُوَ يُقيم . قَالَ : فأقمت " .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا يعرف من حَدِيث الأفريقي ، وَهُوَ ضَعِيف عِنْد أهل الحَدِيث ، ضعفه يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان وَغَيره . وَقَالَ أَحْمد : لَا أكتب حَدِيثه . قَالَ : وَرَأَيْت مُحَمَّد [3/408] ابن إِسْمَاعِيل يُقَوي أمره ، وَيَقُول : هُوَ مقارب الحَدِيث . قَالَ : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَكثر أهل الْعلم أَن من أذن فَهُوَ يُقيم . وَنقل النَّوَوِيّ عَن الْبَغَوِيّ تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث أَيْضا وَسَببه الطعْن فِي عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد الأفريقي الْمَذْكُور - كَمَا قدمْنَاهُ عَن التِّرْمِذِيّ - ، وَقد ضعفه مَعَ من تقدم النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" فِي بَاب فرض التَّشَهُّد : ضعفه الْقطَّان ، وَابْن مهْدي ، وَابْن معِين ، وَابْن حَنْبَل وَغَيرهم . وَقَالَ فِي بَاب عتق أُمَّهَات الْأَوْلَاد : ضَعِيف .
وَقَالَ ابْن حبَان : إِنَّه يروي الموضوعات عَن الثِّقَات ، وَيُدَلس عَن مُحَمَّد بن سعيد المصلوب . وَقَالَ ابْن حزم فِي " محلاه " فِي حَدِيث : لَا صَلَاة بعد الْفجْر إِلَّا رَكْعَتي الْفجْر : هَالك ، وَقد أسلفت ذَلِك هُنَاكَ . وَقَالَ : هَذَا الْأَثر الْمَرْوِيّ : " إِنَّمَا يُقيم من أذن " ، إِنَّمَا جَاءَ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم ، وَهُوَ هَالك
.
قلت : قد أخرجه أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب الْأَذَان من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَلَيْسَ فِيهِ الأفريقي ، والأفريقي قد وَثَّقَهُ جمَاعَة ، كَمَا أسلفت ذَلِك عَنْهُم فِي الحَدِيث السَّابِع بعد [3/409] الْأَرْبَعين من من كتاب الصَّلَاة ، وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه : سَمِعت يَحْيَى الْقطَّان يَقُول : عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد ثِقَة . وَهَذَا خلاف مَا نَقله التِّرْمِذِيّ عَنهُ من تَضْعِيفه لَهُ ، وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي دَاوُد : إِنَّمَا تكلم النَّاس فِي عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم ، وضعفوه ؛ لِأَنَّهُ رَوَى عَن مُسلم بن يسَار فَقيل لَهُ : أَيْن رَأَيْت مُسلم بن يسَار ؟ ! فَقَالَ : بإفريقية . فكذبه النَّاس وضعفوه ، وَقَالُوا : مَا دخل مُسلم بن يسَار إفريقية قطّ ! - يعنون : الْبَصْرِيّ - وَلم يعلمُوا أَن مُسلم بن يسَار آخر يُقَال لَهُ : أَبُو عُثْمَان الطنبذي ، وطنبذ بطن من الْيمن ، وَعنهُ رَوَى ، وَكَانَ الأفريقي رجلا صَالحا ، قَالَ ابْن يُونُس : هُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بإفريقية . وَاعْترض الْمُنْذِرِيّ عَلَى قَوْله فِي طنبذ أَنَّهَا بطن من الْيمن ؛ فَقَالَ : فِيهِ نظر ، وَإِنَّمَا هِيَ قَرْيَة من قرَى مصر من أَعمال البهنسا ، وَهِي بِضَم الطَّاء ، ثمَّ نون سَاكِنة ، ثمَّ بَاء مَضْمُومَة ثمَّ ذال مُعْجمَة مَكْسُورَة ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي " الْوَهم وَالْإِيهَام " : هُوَ من أهل الْعلم والزهد بِلَا خلاف ، وَكَانَ من النَّاس من يوثقه ، وَلَكِن الْحق أَنه ضَعِيف بِكَثْرَة رِوَايَة الْمُنْكَرَات ، وَهُوَ أَمر يعتري الصَّالِحين كثيرا ؛ لقلَّة نقدهم للرواة وَلذَلِك قيل : لم نر الصَّالِحين فِي شَيْء أكذب مِنْهُم فِي الحَدِيث .
[3/410] وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي " أَمَالِيهِ " : الأفريقي هَذَا غمزه بَعضهم فِي الحَدِيث ، وَوَثَّقَهُ أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ وَآخَرُونَ . قَالَ : وَهُوَ قَاضِي إفريقية ، وَكَانَ عابدًا قوالًا بِالْحَقِّ ، ورد بَغْدَاد عَلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وشكا عماله وخشن لَهُ فِي القَوْل . وعلق الْبَيْهَقِيّ فِي " السّنَن " و" الْمعرفَة " القَوْل فِي هَذَا الحَدِيث ؛ فَقَالَ : إِن ثَبت كَانَ أولَى مِمَّا رُوِيَ فِي حَدِيث عبد الله بن زيد - يَعْنِي : الْآتِي - أَن بِلَالًا أذن ، فَقَالَ عبد الله : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أرَى الرُّؤْيَا وَيُؤذن بِلَال ! فَقَالَ : أقِم أَنْت ، لما فِي إِسْنَاده وَمَتنه من الِاخْتِلَاف ، وَأَنه كَانَ فِي أول شرع الْأَذَان ، وَحَدِيث الصدائي كَانَ بعد
.
قلت : وَقواهُ جمَاعَة ، وَصرح جمَاعَة بِهِ ، قَالَ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ فِي " تَارِيخ الضُّعَفَاء : إِسْنَاده صَالح . وَقَالَ الْحَازِمِي فِي " ناسخه ومنسوخه " : هَذَا حَدِيث حسن . وقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب " الْأَعْلَام " : إِنَّه حَدِيث ثَابت عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَهَذِه الْعبارَة لَا أسلمها لَهُ ، وَقَالَ فِي " تَحْقِيقه " : إِن قيل فِي الْإِسْنَاد الأفريقي ، وَهُوَ ضَعِيف .
قُلْنَا : قد قوى أمرَه البخاريُ ، وَقَالَ : هُوَ مقارب الحَدِيث
.
[3/411] وَلَا نسلم لَهُ ذَلِك أَيْضا ؛ فقد ذكره هُوَ فِي "ضُعَفَائِهِ" كَمَا أسلفنا ذَلِك عَنهُ فِي الْموضع السالف ، وَالْأَقْرَب ضعفه ، وَفِي حسنه وَقْفَة ، وَالله أعلم .
تَنْبِيهَات :
أَحدهَا : هَذَا الحَدِيث اسْتدلَّ بِهِ الرَّافِعِيّ عَلَى أَنه إِذا أذن جمَاعَة عَلَى التَّرْتِيب ؛ فَالْأول أولَى بِالْإِقَامَةِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : فَإِذا انْتَهَى الْأَمر إِلَى الْإِقَامَة فَإِذا أذنوا عَلَى التَّرْتِيب ؛ فَالْأول أولَى بِالْإِقَامَةِ ، ثمَّ ذكر الحَدِيث ، وَلَيْسَ مطابقًا لما ادَّعَاهُ ؛ إِذْ هُوَ دَلِيل عَلَى أَن من أذن وَحده يُقيم ، وَلَا يلْزم من إِقَامَة من انْفَرد بِالْأَذَانِ انْفِرَاد من أذن أَولا بِالْإِقَامَةِ ، وَفِي حَدِيث عبد الله بن زيد الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ بعد هَذَا النّظر ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تعدد الْأَذَان ، وإِنَّمَا فِيهِ انْفِرَاد وَاحِد بِهِ وَالْآخر بِالْإِقَامَةِ ، فتفطن لَهُ .
ثَانِيهَا : قَالَ الرَّافِعِيّ : وإِذا سبق غير الْمُؤَذّن الرَّاتِب وَأذن فَهَل يسْتَحق ولَايَة الْإِقَامَة ؟ فِيهِ وَجْهَان :
أَحدهمَا : نعم ؛ لإِطْلَاق الْخَبَر ، وأظهرهما لَا ؛ لِأَنَّهُ مسيء بالتقدم ، وَفِي الْقِصَّة المروية كَانَ بِلَال غَائِبا ، وَزِيَاد أذن بِإِذن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، انْتَهَى .
وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" ، فَقَالَ : لم يكن [3/412] بِلَال حَاضرا حِينَئِذٍ ، وزَاد أَن أَذَان زِيَاد كَانَ فِي صَلَاة الصُّبْح فِي السّفر . وَهُوَ كَمَا قَالَا ؛ فقد رَوَى ابْن شاهين فِي "ناسخه ومنسوخه" من حَدِيث خَلاد بن يَحْيَى ، نَا سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد ، عَن زِيَاد بن نعيم الْحَضْرَمِيّ ، عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي قَالَ : كنت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأمرنِي فَأَذنت للفجر ، فجَاء بِلَال ليقيم ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : يَا بِلَال ، إِن أَخا صداء أذن ، وَمن أذن فَهُوَ يُقيم .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ : كنت مَعَه فِي سفر فَحَضَرت صَلَاة الصُّبْح ، فَقَالَ لي : أذن يَا أَخا صداء ، وَأَنا عَلَى رَاحِلَتي ، وَفِي لفظ لَهُ : فَلَمَّا تحين الصُّبْح أَمرنِي فَأَذنت ، ثمَّ قَالَ : يَا أَخا صداء ، مَعَك مَاء ؟ قلت : نعم ، وَجَاء بِلَال ليقيم ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : إِن أَخا صداء أذن ، وَمن أذن فَهُوَ يُقيم .
وَرَوَى ابْن شاهين فِي "ناسخه ومنسوخه" ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" ، والعقيلي فِي "ضُعَفَائِهِ" من حَدِيث سعيد بن رَاشد الْمَازِني ، نَا عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ فِي [3/413] مسير لَهُ ، فَحَضَرت الصَّلَاة ، فَنزل الْقَوْم فطلبوا بِلَالًا ، فَلم يجدوه ، فَقَامَ رجل فَأذن ثمَّ جَاءَ بِلَال ، فَقَالَ الْقَوْم : إِن رجلا قد أذن ، فَسكت الْقَوْم هونا ثمَّ إِن بِلَالًا أَرَادَ أَن يُقيم ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام : مهلا يَا بِلَال ؛ فَإِنَّمَا يُقيم من أذن ، وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْمُبْهم هُوَ الصدائي السالف . وابْن رَاشد هَذَا قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي كتاب " الْجرْح وَالتَّعْدِيل " : سَأَلت أبي عَنهُ ، فَقَالَ : ضَعِيف الحَدِيث ، مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ فِي " علله " : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الْأنْصَارِيّ ، عَن سعيد بن رَاشد ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عمر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " من أذن فَهُوَ يُقيم " قَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر ، وَسَعِيد ضَعِيف الحَدِيث . وَقَالَ مرّة : مَتْرُوك . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : سعيد هَذَا يروي : "من أذن فَهُوَ يُقيم" ، ولَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء . وَقَالَ البُخَارِيّ والرازي : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن عدي : لَا يُتَابِعه عَلَى رواياته أحد . وَقَالَ ابْن حبَان : ينْفَرد عَن الثِّقَات بالمعضلات . قَالَ الْعقيلِيّ فِي " تَارِيخ الضُّعَفَاء " : وَقد رُوِيَ هَذَا الْمَتْن بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد - أَعنِي : رِوَايَة ابْن عمر - من وجهٍ صَالح ، وَقد أسلفنا ذَلِك عَنهُ ، وَذكر إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَن بِلَالًا كَانَ فِي حَاجَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَظَاهر مَا ذَكرْنَاهُ بل صَرِيحه أَنه لم يصدر من بِلَال [3/414] حِين حضر أَذَان ، لَكِن فِي تَعْلِيق للْقَاضِي حُسَيْن أَنه حضر بعد طُلُوع الْفجْر وَأذن .
ثَالِثهَا : الصدائي - بِضَم الصَّاد وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالمد - مَنْسُوب إِلَى صداء بِالْمدِّ، يصرف وَلَا يصرف ، وهُوَ أَبُو هَذِه الْقَبِيلَة ، واسْمه : يزِيد بن حَرْب . قَالَ البُخَارِيّ فِي "تَارِيخه" : صداء حَيّ من الْيمن
.