الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين
" أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - انْصَرف من صَلَاة جهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ، فَقَالَ : هَل قَرَأَ معي أحد مِنْكُم ، فَقَالَ رجل : نعم يَا رَسُول الله ، فَقَالَ : مَا لي أنازع الْقُرْآن ؟ ! فَانْتَهَى النَّاس عَن الْقِرَاءَة فِيمَا يجْهر فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة : الشَّافِعِي وَمَالك فِي "الْمُوَطَّأ" وَأحمد فِي "الْمسند" وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ [3/543] وَابْن مَاجَه فِي "سُنَنهمْ" وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث الزُّهْرِيّ ، عَن ابْن أكيمَة - بِضَم الْألف وَفتح الْكَاف - عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن . وَقَالَ الحميديُّ - شيخ البُخَارِيّ - : هَذَا الحَدِيث فِيهِ رجل مَجْهُول لم يرو عَنهُ غَيره قطّ .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" : تفرد بِهِ ابْن أكيمَة ، وَهُوَ مَجْهُول ، لم يحدث إِلَّا بِهَذَا الحَدِيث وَحده وَلم يحدث عَنهُ غير الزُّهْرِيّ وَلم يكن عِنْد الزُّهْرِيّ من مَعْرفَته أَكثر من أَن رَآهُ يحدث سعيد بن الْمسيب . ثمَّ نقل كَلَام الْحميدِي السالف .
وَكَذَا قَالَ فِي مَعْرفَته: إِن هَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ ابْن أكيمَة ، وَهُوَ مَجْهُول .
قَالَ : وَاخْتلفُوا فِي اسْمه ؛ فَقيل : عمَارَة ، وَقيل : عمار ، وَكَذَا نصَّ فِي "خلافياته" عَلَى أَنه مَجْهُول .
وَاعْترض الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين عَلَيْهِ فِي ذَلِك ، فَقَالَ فِي "أَحْكَامه" : قَول الْبَيْهَقِيّ : إِن ابْن أكيمَة رجل مَجْهُول ، وَلم يحدث إِلَّا بِهَذَا [3/544] الحَدِيث وَحده ، وَأَنه لم يحدث عَنهُ غير الزُّهْرِيّ . لَيْسَ كَذَلِك ؛ فقد قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : صَحِيح الحَدِيث وَحَدِيثه مَقْبُول .
قَالَ : وَحكي عَن أبي حَاتِم البستي أَنه قَالَ : رَوَى عَنهُ الزُّهْرِيّ ، وَسَعِيد بن أبي هِلَال وَابْن ابْنه عَمْرو بن مُسلم بن عمار بن أكيمَة بن عَمْرو .
قلت : وهُوَ كَمَا قَالَ من عدم جهالته ، وَعدم تفرد الزُّهْرِيّ عَنهُ .
قَالَ ابْن معِين : رَوَى عَنهُ مُحَمَّد بن عَمْرو وَغَيره . وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" وَقَالَ : هُوَ خولاني يروي عَن أبي هُرَيْرَة واسْمه : عَمْرو بن مُسلم بن عمار بن أكيمَة رَوَى عَنهُ الزُّهْرِيّ ، وَأَخُوهُ عمر بن مُسلم بن عمار يروي عَن سعيد بن الْمسيب ، وَسَعِيد بن أبي هِلَال ، وَمُحَمّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة رَوَى عَنهُ مَالك ، وَقَالَ : عَمْرو بن مُسلم إِنَّمَا هُوَ عمر بن مُسلم لَا عَمْرو . لِأَن مَالِكًا لم يدْرك عَمرًا ، وَقَالَ فِي "صَحِيحه" بعد إِخْرَاجه هَذَا الحَدِيث : اسْم ابْن أكيمَة هَذَا : عَمْرو بن مُسلم بن عمار بن أكيمَة ، وهما أَخَوان عَمْرو بن مُسلم وَعمر بن مُسلم ، فَأَما عَمْرو فَهُوَ تَابِعِيّ سمع أَبَا هُرَيْرَة : وَسمع عَنهُ [3/545] الزُّهْرِيّ ، وَأما عمر فَهُوَ من أَتبَاع التَّابِعين سمع سعيد بن الْمسيب . وَرَوَى عَنهُ مَالك وَمُحَمّد بن عَمْرو وهما ثقتان .
وَفِي " التَّمْهِيد " كَانَ ابْن أكيمَة يحدث فِي مجْلِس سعيد بن الْمسيب وَهُوَ يصغى إِلَى حَدِيثه ، وبحديثه أَخذ ، وَذَلِكَ دَلِيل عَلَى جلالته عِنْدهم وثقته .
قلت : فقد زالتْ عَنهُ الْجَهَالَة العينية والحالية بِرِوَايَة جمَاعَة عَنهُ وتوثيق أبي حَاتِم بن حبَان إِيَّاه ، وَإِخْرَاج الحَدِيث فِي "صَحِيحه" من جِهَته ، وَتَصْحِيح أبي حَاتِم الرَّازِيّ حَدِيثه وَأَنه مَقْبُول ، وتحسين التِّرْمِذِيّ لَهُ ، وسكوت أبي دَاوُد عَنهُ فَهُوَ حسن كَمَا قَالَه التِّرْمِذِيّ ، بل هُوَ صَحِيح كَمَا قَالَه ابْن حبَان ، وَتفرد ابْن أكيمَة بِهِ لَا يُخرجهُ عَن كَونه صَحِيحا لما علم من أَنه لَا يضر تفرد الثِّقَة بِالْحَدِيثِ ، كَيفَ وَقد أخرجه إِمَام دَار الْهِجْرَة فِي موطئِهِ مَعَ مَا علم من تشديده وتحرِّيه فِي الرِّجَال ، وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد : مَالك إِذا رَوَى عَن رجل لَا يعرف فَهُوَ حجَّة . وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة : كَانَ مَالك لَا يبلغ من الحَدِيث إِلَّا صَحِيحا ولَا يحدث إِلَّا عَن ثِقَات .
[3/546] وروينا عَن بشر بن عمر الزهْرَانِي قَالَ : سَأَلت مَالِكًا عَن رجل قَالَ : هَل رَأَيْته فِي كتبي ؟ قلت : لَا ، قَالَ : لَو كَانَ ثِقَة لرأيته فِي كتبي . فَهَذَا تَصْرِيح من هَذَا الإِمَام بِأَن كل من رَوَى عَنهُ فِي موطئِهِ يكون ثِقَة .
تَنْبِيهَات :
أَحدهَا : تبع الْمُنْذِرِيّ فِي "كَلَامه عَلَى أَحَادِيث المهذَّب" الْبَيْهَقِيّ فِي مقَالَته السَّالفة ، وَقد علمت مَا فِيهَا ، وَبَالغ النَّوَوِيّ فِي "خلاصته" فَقَالَ : اتَّفقُوا عَلَى ضعف هَذَا الحَدِيث ؛ لِأَن ابْن أكيمَة مَجْهُول . قَالَ : وَأنكر الْأَئِمَّة عَلَى التِّرْمِذِيّ تحسينه . هَذَا كَلَامه ؛ وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ .
ثَانِيهَا : تحصلنا فِيمَا مَضَى فِي اسْم ابْن أكيمَة عَلَى أَقْوَال : أَحدهَا : عمَارَة . وَثَانِيها : عمار . وَثَالِثهَا : عمر . وَقد ذكر الأول التِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" مقدما الأول ، وَفِيه أَقْوَال أخر : أَحدهَا : عَامر . ثَانِيهَا : يزِيد . ثَالِثهَا : عباد . حكاهن الْمُنْذِرِيّ فِي "حَوَاشِيه" وَقَالَ : وكنيته : أَبُو الْوَلِيد . رَابِعهَا : عمر ، حَكَاهُ فِي "كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب" وَقد سلف أَيْضا .
ثَالِثهَا : قَوْله : "فَانْتَهَى النَّاس عَن الْقِرَاءَة ..." إِلَى آخِره ، لَيْسَ من كَلَام سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام الزُّهْرِيّ مدرج فِي الحَدِيث ؛ لذَلِك أطبق الْحفاظ عَلَيْهِ كَمَا بَينه الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كِتَابه "الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل" قَالَ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" :
[3/547] سَمِعت مُحَمَّد بن يَحْيَى بن فَارس يَقُول : قَوْله : "فَانْتَهَى النَّاس" من كَلَام الزُّهْرِيّ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَكَذَا قَالَه البُخَارِيّ فِي "التَّارِيخ" قَالَ : هَذَا الْكَلَام من قَول الزُّهْرِيّ وَكَذَا قَالَه مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي شيخ البُخَارِيّ وَإِمَام أهل نيسابور ، والخطابي ، وَابْن حبَان وَغَيرهم .
وَاتفقَ هَؤُلَاءِ كلهم عَلَى أَن هَذِه اللَّفْظَة مدرجة فِي الحَدِيث من كَلَام الزُّهْرِيّ وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ بَينهم .
رَابِعهَا : رَوَى أَحْمد فِي "مُسْنده" وَالْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابيه : "السّنَن" و"الْمعرفَة" من رِوَايَة عبد الله ابْن بُحَيْنَة بِنَحْوِ رِوَايَة ابْن أكيمَة عَن أبي هُرَيْرَة ثمَّ رَوَى عَن الْحَافِظ يَعْقُوب بن سُفْيَان أَنه قَالَ : هَذَا خطأ لَا شكّ فِيهِ وَلَا ارتياب وَالله الْمُوفق .