|
وَأما آثاره فَأَرْبَعَة : الأول : عَن عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَنه قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَر سُورَة السَّجْدَة ، فَنزل (فَسجدَ) وَسجد النَّاس مَعَه ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَة [4/279] الْأُخْرَى قَرَأَهَا فتهيأ النَّاس للسُّجُود ، فَقَالَ : عَلَى رسلكُمْ ؛ إِن الله لم يَكْتُبهَا علينا إِلَّا أَن نشَاء " . وَهُوَ أثر صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه " أَن عمر قَرَأَ السَّجْدَة وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة فَنزل وَسجد وسجدنا مَعَه ، ثمَّ قَرَأَ يَوْم الْجُمُعَة الْأُخْرَى فتهيأ النَّاس للسُّجُود ، فَقَالَ : عَلَى رسلكُمْ ؛ إِن الله لم يَكْتُبهَا علينا إِلَّا أَن نشَاء . فَلم يسْجد ومنعهم أَن يسجدوا " . وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" وَلَفظه : " إِن عمر قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَر سُورَة النَّحْل ، حَتَّى إِذا جَاءَ السَّجْدَة نزل فَسجدَ وَسجد النَّاس مَعَه ، حَتَّى إِذا كَانَت الْجُمُعَة الْقَابِلَة قَرَأَ بهَا حَتَّى إِذا جَاءَ للسجدة قَالَ : أَيهَا النَّاس ، إِنَّا لم نؤمر بِالسُّجُود ؛ فَمن سجد فقد أصَاب ، وَمن لم يسْجد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ ، وَلم يسْجد عمر " . قَالَ البُخَارِيّ : وَزَاد نَافِع عَن ابْن عمر : "إِن الله لم يفْرض السُّجُود إِلَّا أَن نشَاء" . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ : "يَا أَيهَا النَّاس ، إِنَّا لم نؤمر بِالسُّجُود ؛ فَمن سجد فقد أصَاب وَأحسن" ثمَّ قَالَ : وَشَاهده الْمُرْسل : حَدِيث هِشَام [4/280] ابن عُرْوَة ، عَن أَبِيه . . . فَذكره . تَنْبِيهَانِ : التَّنْبِيه الأول : قَوْله : "إِلَّا أَن نشَاء" الظَّاهِر أَنه بالنُّون لَا بِالْمُثَنَّاةِ تَحت . الثَّانِي : قَالَ القَاضِي فِي "مشارقه" : عَلَى رسلك ، وَعَلَى رِسْلكُمَا ، وَعَلَى رسلكُمْ - بِكَسْر الرَّاء (فِي) هَذَا وَفتحهَا مَعًا ، فبكسرها : عَلَى تؤدتكم ، وَبِفَتْحِهَا من اللين والرفق ، وَأَصله السّير اللين ، وَمَعْنَاهُ مُتَقَارب ، وَقيل : هما مَعْنَى من التؤدة وَترك العجلة . الْأَثر الثَّانِي : عَن ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَنه كَانَ لَا يسْجد فِي (ص ) ." . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ عَنهُ فِي كِتَابيه "الْمعرفَة" و"السّنَن" وَزَاد : "وَيَقُول : إِنَّهَا تَوْبَة نَبِي" قَالَ فِي "السّنَن" : وروينا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة "أَنهم كَانُوا يَسْجُدُونَ فِي (ص ) ثمَّ ذكر ذَلِك عَنْهُم بأسانيده ، وَكَذَا قَالَ فِي "الْمعرفَة" : روينَا ذَلِك عَن (عمر ، وَعُثْمَان) وروينا عَن (ابْن) عمر "أَنه يسْجد فِيهَا فِي الصَّلَاة" . الْأَثر الثَّالِث : عَن عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَنه مر بقاصٍّ فَقَرَأَ آيَة السَّجْدَة ليسجد [4/281] عُثْمَان مَعَه ، فَلم يسْجد وَقَالَ : مَا [ استمعنا لَهَا ] " . وَهَذَا الْأَثر غَرِيب ، كَذَلِك لم أَقف عَلَى من خرجه بِهَذِهِ السِّيَاقَة وَفِي "البُخَارِيّ" قَالَ عُثْمَان : " إِنَّمَا السَّجْدَة عَلَى من استمعها " وَفِي ابْن أبي شيبَة ، عَن وَكِيع ، عَن ابْن أبي عرُوبَة (عَن قَتَادَة ، عَن ابْن الْمسيب ، عَن عُثْمَان قَالَ : " إِنَّمَا السَّجْدَة عَلَى من جلس لَهَا ") . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : رُوِيَ عَن ابْن الْمسيب ، عَن عُثْمَان قَالَ : " إِنَّمَا السَّجْدَة عَلَى من جلس لَهَا وأنصت " . الْأَثر الرَّابِع : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : " السَّجْدَة لمن جلس لَهَا " . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ : " إِنَّمَا السَّجْدَة عَلَى من جلس لَهَا " وَرَوَى مثله عَن سلمَان وَابْن الْمسيب . قَالَ : وَيذكر عَن ابْن عمر نَحوه . خَاتِمَة : لما ذكر الرَّافِعِيّ عَن الْجُوَيْنِيّ أَنه لَا يجوز التَّقَرُّب بِسَجْدَة فَرده من غير سَبَب ، كَمَا لَا يجوز التَّقَرُّب بركوع مُفْرد أَو نَحوه ، والعبادات يتبع فِيهَا الْوُرُود ، وَظَاهر هَذَا عدم وُرُود ذَلِك هُنَا ، لَكِن فِي [4/282] "صَحِيح مُسلم" من حَدِيث ثَوْبَان وَأبي الدَّرْدَاء : "عَلَيْك بِكَثْرَة السُّجُود" وَحمله النَّوَوِيّ عَلَى أَن المُرَاد بِهِ السُّجُود فِي الصَّلَاة ، وَالْقَائِل بِجَوَاز مثل ذَلِك يمنعهُ .
|