أما آثاره (فعشر) :
أَولهَا : " أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كَانَ يضْرب عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْمغرب " .
وَهَذَا عَلَى هَذَا الْوَجْه لَا أعرفهُ ، وَإِنَّمَا ( فِي) الصَّحِيح عَنهُ أَنه [4/363] كَانَ يضْرب عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر . (كَمَا أخرجه مُسلم عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه سَأَلَ الْمُخْتَار بن فلفل عَن التَّطَوُّع بعد الْعَصْر) قَالَ : (كَانَ) عمر يضْرب الْأَيْدِي عَلَى صَلَاة بعد الْعَصْر ، وَكُنَّا نصلي عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَكْعَتَيْنِ بعد غرُوب الشَّمْس قبل صَلَاة الْمغرب ، فَقلت لَهُ : أَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صلاهما ؟ قَالَ : قد كَانَ يَرَانَا نصليهما (فَلم يَأْمُرنَا وَلم ينهنا ) " .
وَفِي "مُسْند أَحْمد" (ثَنَا) عبد الرَّزَّاق ، نَا (معمر ، عَن) ابْن جريج قَالَ : سَمِعت أَبَا (سعد) الْأَعْمَى يخبر عَن رجل يُقَال لَهُ : السَّائِب - مولَى الفارسيين - وَعَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ " أَنه رَآهُ عمر بن الْخطاب - وَهُوَ خَليفَة - ركع رَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر فَمَشى إِلَيْهِ فَضَربهُ بِالدرةِ وَهُوَ يُصَلِّي كَمَا هُوَ ، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ زيد : وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ (فوَاللَّه) لَا أدعهما أبدا بعد إِذْ رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُصَلِّيهمَا (قَالَ) : فَجَلَسَ إِلَيْهِ عمر وَقَالَ : يَا زيد بن خَالِد ، لَوْلَا أَن [4/364] (نخشى) أَن يتخذها النَّاس سلما إِلَى الصَّلَاة حَتَّى اللَّيْل لم أضْرب فيهمَا " .
نعم فِي الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن طَاوس ، عَن أَبِيه " أَن أَبَا أَيُّوب (الْأنْصَارِيّ ) صَلَّى مَعَ أبي بكر بعد غرُوب الشَّمْس قبل الصَّلَاة ، ثمَّ لم يكن يُصَلِّي مَعَ عمر ، ثمَّ صَلَّى مَعَ عُثْمَان . فَذكر (ذَلِك لَهُ) فَقَالَ : إِنِّي صليت مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، ثمَّ صليت مَعَ أبي بكر (ثمَّ فرقت) من عمر فَلم أصل مَعَه ، وَصليت مَعَ عُثْمَان ؛ إِنَّه لين " .
قلت : (وَظَاهر) هَذَا أَن عمر كَانَ لَا يراهما .
الْأَثر الثَّانِي : " أَن (ابْن) عمر كَانَ يسلم وَيَأْمُر بَينهمَا - يَعْنِي : بَين الشفع وَالْوتر - بحاجته " .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ من رِوَايَة نَافِع " أَن عبد الله بن عمر كَانَ يسلم بَين الرَّكْعَة والركعتين فِي الْوتر ، حَتَّى يَأْمر بِبَعْض حَاجته " .
الْأَثر الثَّالِث : عَن أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَنه كَانَ يُوتر قبل أَن ينَام ، فَإِذا قَامَ تهجد وَلم يعد الْوتر " .
وَهَذَا الْأَثر سلف فِي أثْنَاء طرق الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين عَن [4/365] رِوَايَة بَقِي بن مخلد فِي "مُسْنده" وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر أَيْضا .
وَوَافَقَ الصّديق عَلَى هَذَا - أَعنِي : عدم نقض الْوتر - الْفَارُوق وَسعد وعمار وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَجُمْهُور الْعلمَاء ، وَفِي "صَحِيح البُخَارِيّ " عَن نصر بن عمرَان الضبعِي قَالَ : " سَأَلت عَائِذ بن عَمْرو الصَّحَابِيّ : هَل ينْقض الْوتر ؟ (قَالَ) : إِذا أوترت من أَوله فَلَا (توتر) من آخِره " .
الْأَثر الرَّابِع : " أَن ابْن عمر كَانَ ينْقض الْوتر ، فيوتر أول اللَّيْل (فَإِذا) قَامَ ليتهجد صَلَّى رَكْعَة شفع بهَا (تِلْكَ) ثمَّ يُوتر آخر اللَّيْل " .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن مَالك . قَالَ ابْن الصّلاح : وَهُوَ ثَابت عَنهُ .
وَرَوَاهُ أَحْمد وَلَفظه : عَن ابْن عمر " أَنه كَانَ إِذا سُئِلَ عَن الْوتر قَالَ : أما أَنا (لَو) أوترت قبل أَن أَنَام ثمَّ أردْت (أَن) أُصَلِّي بِاللَّيْلِ شفعت (وَاحِدَة) مَا مَضَى من وتري ، ثمَّ صليت مثنى مثنى ، فَإِذا قضيت صَلَاتي أوترت بِوَاحِدَة ؛ إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أمرنَا أَن نجْعَل آخر صَلَاة اللَّيْل الْوتر " .
[4/366] وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَمْرو بن مرّة " أَنه سَأَلَ سعيد بن الْمسيب عَن الْوتر ، فَقَالَ : كَانَ عبد الله بن عمر يُوتر أول اللَّيْل ؛ فَإِذا قَامَ نقض وتره ، ثمَّ صَلَّى ثمَّ أوتر آخر صلَاته - أَو آخر اللَّيْل . وَكَانَ عمر يُوتر آخر اللَّيْل ، وَكَانَ (خير) مني ( وَمِنْهَا أَن) أَبَا بكر يُوتر من أول اللَّيْل ويشفع (فِي) آخِره ، يُوتر بذلك [ يُصَلِّي ] مثنى مثنى وَلَا ينْقض وتره " .
قلت : وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِك عُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَعَمْرو بن مَيْمُون (وَابْن) سِيرِين وَإِسْحَاق (و) حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَنهُ .
الْأَثر الْخَامِس : " أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه جمع النَّاس عَلَى أبيّ بن كَعْب فِي صَلَاة التَّرَاوِيح (و) لم يقنت إِلَّا فِي النّصْف الثَّانِي " .
وَهَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" من طَرِيقين :
أولاهما : عَن الْحسن الْبَصْرِيّ " أَن عمر بن الْخطاب جمع النَّاس عَلَى أبيّ بن كَعْب (وَكَانَ) يُصَلِّي لَهُم عشْرين لَيْلَة (و) لَا يقنت (بهم) إِلَّا فِي النّصْف (الثَّانِي) فَإذْ (كَانَ) الْعشْر الْأَوَاخِر [4/367] تخلف (فَيصَلي) فِي بَيته ، وَكَانُوا يَقُولُونَ : أبق أبيٌّ !" .
ثَانِيهمَا : عَن ابْن سِيرِين ، عَن بعض أَصْحَابه " أَن أبي بن كَعْب أمّهم - يَعْنِي : فِي رَمَضَان - وَكَانَ يقنت فِي النّصْف (الْأَخير) مِنْهُ " .
وَهَذَا فِيهِ جَهَالَة كَمَا ترَى ، وَالْأول مُنْقَطع ؛ لِأَن الْحسن لم يدْرك عمر ، بل ولد لِسنتَيْنِ من خِلَافَته .
قَالَ الرَّافِعِيّ : وَوَافَقَهُ الصَّحَابَة .
يَعْنِي (عمر) عَلَى جمعه النَّاس عَلَى أبيّ . وَهُوَ كَمَا قَالَ .