الحَدِيث الثَّامِن
أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا (تأتوها) وَأَنْتُم تسعون ، وائتوها وَأَنْتُم تمشون وَعَلَيْكُم (السكينَة) وَالْوَقار " .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ من طَرِيقين :
أولاهما : من (حَدِيث) أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ (قَالَ) : "(بَيْنَمَا) نَحن نصلي مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذْ سمع جلبة رجال فَقَالَ : مَا شَأْنكُمْ ؟ قَالُوا : استعجلنا إِلَى الصَّلَاة . قَالَ : فَلَا تَفعلُوا ، إِذا أتيتم الصَّلَاة فَعَلَيْكُم السكينَة ، فَمَا أدركتم فصلوا ، وَمَا (فاتكم) فَأتمُّوا " وَقَالَ البُخَارِيّ : "فَلَمَّا صَلَّى قَالَ : مَا شَأْنكُمْ ؟" .
[4/404] الطَّرِيق الثَّانِي : (من حَدِيث) أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَكَانَت جديرة بالتقديم لقربها من رِوَايَة المُصَنّف - عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " إِذا ثوب بِالصَّلَاةِ فَلَا تأتوها وَأَنْتُم تسعون ، وائتوها وَعَلَيْكُم السكينَة ، فَمَا أدركتم فصلوا ، وَمَا فاتكم فَأتمُّوا " .
زَاد مُسلم : " فَإِن أحدكُم إِذا كَانَ يعمد إِلَى الصَّلَاة فَهُوَ فِي صَلَاة " .
وَفِي لفظ آخر : " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تأتوها تسعون وائتوها تمشون" .
وَفِي آخر : " إِذا نُودي" وَفِي آخر : "إِذا ثوب إِلَى الصَّلَاة فَلَا يسْعَى إِلَيْهَا أحدكُم ، و(لَكِن) ليمش وَعَلِيهِ السكينَة وَالْوَقار ، ثمَّ [ صل ] مَا (أدْركْت) واقض مَا سَبَقَك " .
وَلم يذكر البُخَارِيّ هَذَا اللَّفْظ - أَعنِي "واقض مَا سَبَقَك" - وَهِي من أَفْرَاد مُسلم ، وَسَائِر (رواياته) مَعَ رِوَايَات البُخَارِيّ "وَمَا فاتكم فَأتمُّوا" .
[4/405] وَفِي كتاب "الْقِرَاءَة خلف الإِمَام" للْبُخَارِيّ : عَن مُحَمَّد بن كثير (عَن) سُلَيْمَان ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أبي سَلمَة رَفعه : " صلوا مَا أدركتم واقضوا مَا سبقكم " قَالَ : ونا (آدم) ، نَا ابْن أبي ذِئْب ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أبي سَلمَة وَسَعِيد بن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " فَمَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فاقضوا " وَذكر الْبَيْهَقِيّ اخْتِلَاف الرِّوَايَة فِي "فَأتمُّوا" و"فاقضوا" ثمَّ قَالَ : وَالَّذين قَالُوا : "فَأتمُّوا" : أَكثر وأحفظ وألزم لأبي هُرَيْرَة ، فَهُوَ أولَى . وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى (مُسلم) بن الْحجَّاج قَالَ : لَا أعلم رَوَى هَذِه اللَّفْظَة عَن الزُّهْرِيّ غير ابْن عُيَيْنَة : "(واقضوا مَا فاتكم ." قَالَ مُسلم : وَأَخْطَأ ابْن عُيَيْنَة) فِيهَا .
قَالَ أَبُو دَاوُد : قَالَ يُونُس والزبيدي وَابْن أبي ذِئْب وَإِبْرَاهِيم (بن) سعد وَمعمر وَشُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ : "وَمَا فاتكم [ فَأتمُّوا ] " . وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ وَحده : "فاقضوا" وَقَالَ مُحَمَّد بن عَمْرو ، عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة . وجعفر بن ربيعَة ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة : "فَأتمُّوا" . وَابْن مَسْعُود وَأَبُو قَتَادَة وَأنس عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : "فَأتمُّوا" .
[4/406] قلت : لم ينْفَرد ابْن عُيَيْنَة بِلَفْظ الْقَضَاء فقد تَابعه ابْن أبي ذِئْب - كَمَا أسلفناه (فِي) كتاب "الْقِرَاءَة خلف الإِمَام للْبُخَارِيّ" ؛ لَكِن فِي "صَحِيح ابْن حبَان" من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب ، عَن الزُّهْرِيّ : "وَمَا سُبقتم فَأتمُّوا" .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث شُعْبَة ، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه : ( ائْتُوا الصَّلَاة وَعَلَيْكُم السكينَة ، فصلوا مَا أدركتم واقضوا مَا (سبقتم )) (قد) توبع الزُّهْرِيّ وَغَيره عَلَيْهَا (لَا جرم) .
(قَالَ) الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الْإِلْمَام " : (اخْتلف فِي) هَذِه اللَّفْظَة ، فَقيل : "فَأتمُّوا" وَقيل : "فاقضوا" . وَكِلَاهُمَا صَحِيح .
قلت : (وَالْقَضَاء) فِي عرف الشَّرْع هُوَ الْإِتْمَام فَلَا فرق إِذا بَينهمَا قَالَ الله - تَعَالَى - : ( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ ) (و) ( فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ ) .
[4/407] ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك (أَن) ابْن الْجَوْزِيّ سَاق الحَدِيث فِي "تَحْقِيقه" بِإِسْنَادِهِ إِلَى مَحْمُود بن إِسْحَاق الْخُزَاعِيّ ، نَا البُخَارِيّ ، نَا أَبُو نعيم ، نَا ابْن عُيَيْنَة ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : " مَا أدركتم فصلوا (وَمَا فاتكم فاقضوا ) " . ثمَّ قَالَ : أَخْرجَاهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) . وَمرَاده أَصله ، وَأما لفظ الْقَضَاء فقد (علمت) أَنه من أَفْرَاد مُسلم بِلَفْظ : "واقض مَا سَبَقَك" لَا كَمَا سَاقه ابْن الْجَوْزِيّ . فَتنبه لذَلِك
.