|
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " إِذا ابتلت النِّعَال فَالصَّلَاة فِي الرّحال " . هَذَا الحَدِيث تبع فِي (إِيرَاده) عَلَى هَذَا النمط الْمَاوَرْدِيّ وَصَاحب الْبَيَان ، وَلم أَجِدهُ بعد الْبَحْث عَنهُ كَذَلِك فِي كتاب حَدِيث . (وَتَبعهُ) أَيْضا ابْن (الفركاح) فَقَالَ فِي "إقليده" : لم أَجِدهُ فِي الْأُصُول ، إِنَّمَا ذكره أهل الْعَرَبيَّة . [4/420] قلت : وَهُوَ مَوْجُود بِمَعْنَاهُ فِي "الْمُسْتَدْرك" للْحَاكِم أبي عبد الله من حَدِيث نَاصح بن الْعَلَاء ، حَدثنِي عمار بن (أبي) عمار قَالَ : " مَرَرْت بِعَبْد الرَّحْمَن بن سَمُرَة يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ عَلَى نهر يسيل المَاء مَعَ غلمانه ومواليه ، (فَقلت) لَهُ : يَا أَبَا سعيد ، الْجُمُعَة . (فَقَالَ) : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا كَانَ مطر وابل فصلوا فِي رحالكُمْ " قَالَ الْحَاكِم : (هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ) وناصح بن الْعَلَاء هَذَا (بَصرِي) ثِقَة ، إِنَّمَا المطعون فِيهِ نَاصح (أَبُو عبد الله) [ المحلمي ] الْكُوفِي فَإِنَّهُ رَوَى عَن سماك بن حَرْب الْمَنَاكِير . قلت : وَالْأول مطعون فِيهِ (أَيْضا) قَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ مرّة : ضَعِيف . وَكَذَلِكَ قَالَ النَّسَائِيّ . وَقَالَ خَ : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن حبَان : لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد . وَأما ابْن الْمَدِينِيّ وَأَبُو دَاوُد فوثقاه . [4/421] وَرَوَى عبد الله بن أَحْمد هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أَبِيه بِهَذَا السَّنَد دون الْقِصَّة وَهَذَا لَفظه : عَن (عبد الرَّحْمَن) بن سَمُرَة "أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَقُول : إِذا كَانَ يَوْم (مطر) وابل فَليصل أحدكُم فِي رَحْله " . وَفِي "الْمسند" أَيْضا : ثَنَا بهز ، حَدثنَا أبان ، نَا قَتَادَة ، عَن الْحسن ، عَن سَمُرَة " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ يَوْم حنين فِي يَوْم (مطير) : الصَّلَاة فِي الرّحال " . وَقد علمت مَا فِي هَذِه التَّرْجَمَة للحفاظ فِيمَا أسلفته لَك فِي أَوَاخِر صفة الصَّلَاة . وَفِي "(الْمسند" أَيْضا و) (سنَن أبي دَاوُد) و(النَّسَائِيّ) و(ابْن مَاجَه) و"صحيحي" ابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي الْمليح ، عَن أَبِيه رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَنه شهد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زمن الْحُدَيْبِيَة فِي يَوْم الْجُمُعَة وأصابهم مطر لم تبتل أَسْفَل نعَالهمْ فَأَمرهمْ أَن يصلوا فِي رحالهم " . هَذَا لفظ أبي دَاوُد وَالْحَاكِم . [4/422] وَلَفظ ابْن حبَان : " كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زمن الْحُدَيْبِيَة وأصابنا مطر لم يبل (أَسْفَل) نعالنا ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن صلوا فِي رحالكُمْ " . وَفِي رِوَايَة لَهُ : " أَصَابَنَا مطر بحنين فَنَادَى مُنَادِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (أَن صلوا فِي الرّحال ") . وَلَفظ أَحْمد " أَن يَوْم حنين كَانَ مطيرًا فَأمر عَلَيْهِ السَّلَام مناديه أَن الصَّلَاة فِي الرّحال " . وَفِي لفظ لَهُ : " كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْحُدَيْبِية فأصابنا مطر لم (يبل) أَسْفَل نعالنا فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : صلوا فِي رحالكُمْ " . وَلَفظ البَاقِينَ بِنَحْوِهِ . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد (و) احْتج الشَّيْخَانِ برواته . قلت : وَهَذَا الْمَعْنى ثَابت فِي الصَّحِيحَيْنِ من طَرِيقين : أَولهمَا : من حَدِيث نَافِع " أَن ابْن عمر أذن بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَة ذَات برد وريح ومطر فَقَالَ فِي آخر ندائه : أَلا صلوا (فِي رحالكُمْ أَلا [4/423] صلوا) فِي الرّحال ، ثمَّ قَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَأْمر الْمُؤَذّن إِذا كَانَت لَيْلَة بَارِدَة أَو ذَات مطر فِي السّفر أَن يَقُول : أَلا صلوا فِي رحالكُمْ " وَهَذَا السِّيَاق لمُسلم . وَفِي رِوَايَة لَهُ : "(نَادَى) بِالصَّلَاةِ بضجنان" . وَلَفظ البُخَارِيّ " أَن (ابْن) عمر أذن بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَة ذَات برد وريح (ثمَّ) قَالَ : أَلا صلوا فِي الرّحال . ثمَّ قَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَأْمر الْمُؤَذّن إِذا كَانَت لَيْلَة ذَات برد ومطر يَقُول : أَلا صلوا فِي الرّحال " . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الْإِلْمَام" : وَفِي (رِوَايَة) مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن (نَافِع) ، عَن ابْن عمر قَالَ : " نَادَى مُنَادِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بذلك [ فِي الْمَدِينَة ] فِي اللَّيْلَة الْمَطِيرَة ، والغداة القرة " . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث ابْن عَبَّاس " أَنه قَالَ لمؤذنه فِي يَوْم مطير : إِذا قلت : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول [4/424] الله فَلَا تقل : حَيّ عَلَى الصَّلَاة ، قل : صلوا فِي بُيُوتكُمْ . فَكَأَن النَّاس استنكروا ذَلِك (فَقَالَ) : أتعجبون من ذَا ؟ (قد) فعل ذَا من هُوَ خير مني ، إِن الْجُمُعَة عَزمَة ، وَإِنِّي كرهت أَن أخرجكم فِي الطين والدحض " . وَفِي رِوَايَة لَهما : "إِن ذَلِك (كَانَ ليَوْم جُمُعَة) . وَقَالَ : "فعله (من هُوَ) خير مني - يَعْنِي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " (وَفِي أُخْرَى خَطَبنَا ابْن) (عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِي يَوْم ذِي ردغ وَلم يذكر الْجُمُعَة) . وَله طَرِيق ثَالِث فِي مُسلم خَاصَّة من حَدِيث جَابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " خرجنَا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي سفر فمطرنا فَقَالَ : ليصل من شَاءَ مِنْكُم فِي رَحْله " . فَائِدَة : فِي (بَيَان) الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة فِي رِوَايَة الرَّافِعِيّ وَالْأَحَادِيث الَّتِي أوردناها : النِّعَال هَل هِيَ الَّتِي يمشى عَلَيْهَا أَو الأرجل (و) الْأَقْدَام أَو الْحِجَارَة الصغار الَّتِي تكون فِي الطَّرِيق ؛ فَإِنَّهَا [4/425] تسمى بذلك ، فِيهِ [ ثَلَاثَة ] أوجه حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَحَكَى القَاضِي حُسَيْن وَجها رَابِعا أَنَّهَا وَجه الأَرْض . (وَقَالَ) الْأَزْهَرِي : النَّعْل : مَا غلظ من الأَرْض فِي صلابة . قَالَ ثَعْلَب : (يَقُول) إِذا مُطرت (الأَرَضُون) الصلاب (فزلقت) بِمن يمشي فِيهَا - "فصلوا فِي مَنَازِلكُمْ" وَلم يذكر (ابْن) الْجَوْزِيّ فِي "غَرِيبه" غَيره . (وَقَالَ) ابْن الْأَثِير : النِّعَال جمع نعل : وَهُوَ مَا غلظ من الأَرْض فِي صلابة ، وَإِنَّمَا خصها (بِالذكر) ؛ لِأَن أدنَى بَلل ينديها بِخِلَاف الرخوة فَإِنَّهَا تنشف المَاء . وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه : ظَاهر حَدِيث أبي الْمليح أَن المُرَاد بالنعال : الَّتِي تلبس فِي الرجل . قَالَ : وَأما الحَدِيث الآخر : "إِذا ابتلت النِّعَال (فَالصَّلَاة فِي الرّحال) " فأكثرهم قَالُوا : النِّعَال هُنَا جمع نعل وَهُوَ مَا غلظ من الأَرْض فِي صلابة . وَحمله آخَرُونَ عَلَى ظَاهره وَقَالَ : إِذا وَقع (شَيْء) من الْمَطَر (فابتل) بِهِ النَّعْل فيعذر بِهِ . [4/426] وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي الْمليح . كَذَا ذكر (هَذَا) الْحَافِظ حَدِيث : "إِذا ابتلت النِّعَال" . وَلم يقره وَكَأَنَّهُ تبع فِي إِيرَاده أَصْحَاب الْغَرِيب كَمَا أسلفته عَنْهُم . و"الردغ" - فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس - برَاء ثمَّ دَال مُهْملَة سَاكِنة ثمَّ غين مُعْجمَة - وَرَوَاهُ بعض رُوَاة مُسلم : رزغ - بزاي بدل الدَّال مَفْتُوحَة وساكنة - وَهُوَ صَحِيح ، وَهُوَ بِمَعْنى الردغ ، و(الردغ) والدحض والزلل والزلق بِمَعْنى . وَقَالَ اللَّيْث : الرزغة أَشد من الردغة . و"أحرجكم" - بِالْحَاء الْمُهْملَة - يَعْنِي الْمَشَقَّة . و"عَزمَة" - بِفَتْح الْعين - و(إسكان) الزَّاي أَي : وَاجِبَة متحتمة ، فَلَو قَالَ الْمُؤَذّن : حَيّ عَلَى الصَّلَاة : لتكلفتم الْمَجِيء إِلَيْهَا ولحقتكم الْمَشَقَّة .
|