الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين
" أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اسْتخْلف ابْن أم مكتوم فِي بعض غزواته يؤم النَّاس (وَهُوَ أَعْمَى) " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَرْفُوعا بِهَذَا اللَّفْظ ، ذكره فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة ، وَرَوَاهُ أَيْضا فِي "سنَنه" فِي بَاب (فِي) الضَّرِير يُولى" عَن أنس أَيْضا " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اسْتخْلف ابْن أم مَكْتُوم عَلَى الْمَدِينَة مرَّتَيْنِ " (زَاد) أَحْمد فِي "مُسْنده" يُصَلِّي بهم وَهُوَ أَعْمَى" وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيقه ومدارهما عَلَى عمرَان بن (دَاور ) - بالراء فِي آخِره - الْقطَّان ، ضعفه يَحْيَى بن معِين [4/449] وَالنَّسَائِيّ ، وَوَثَّقَهُ عَفَّان بن مُسلم ، وَمَشاهُ أَحْمد ، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته .
وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق ثَان من حَدِيث عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" : أَنا الْحسن بن سُفْيَان ، أَنا أُميَّة بن بسطَام ، نَا يزِيد بن زُرَيْع ، نَا حبيب بن الْمعلم ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اسْتخْلف ابْن أم مَكْتُوم عَلَى الْمَدِينَة يُصَلِّي بِالنَّاسِ " .
وَله طَرِيق ثَالِث من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اسْتخْلف ابْن أم مَكْتُوم عَلَى الصَّلَاة وَغَيرهَا من أَمر الْمَدِينَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" ، عَن عبيد الْعجلِيّ ، نَا عبد الله بن عمر بن أبان ، ثَنَا عبد الْمجِيد ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس (بِهِ)) .
وَله طَرِيق رَابِع من حَدِيث ابْن بُحَيْنَة " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا سَافر اسْتخْلف عَلَى الْمَدِينَة ابَن أم مَكْتُوم ، (فَكَانَ) يُؤذن وَيُقِيم وَيُصلي بهم " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (أَيْضا) فِي "أكبر معاجمه" من حَدِيث الْوَاقِدِيّ ، نَا عثيم بن (نسطاس) ، عَن عَطاء بن يسَار عَنهُ بِهِ .
الْوَاقِدِيّ : حَاله مَشْهُور ، وعثيم وَثَّقَهُ ابْن حبَان .
[4/450] فَوَائِد : الأولَى : ابْن ام مَكْتُوم اسْمه : عَمْرو عِنْد الْأَكْثَرين ، وَقيل (اسْمه) عبد الله بن قيس بن مَالك الْأَشْعَرِيّ (رِوَايَة استخلافه مرَّتَيْنِ رَوَاهَا قَتَادَة عَن أنس ، وَلم يبلغهُ مَا بلغ غَيره .
الثَّانِيَة : حَكَى ابْن عبد الْبر "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اسْتخْلف ابْن أم مَكْتُوم عَلَى الْمَدِينَة (ثَلَاث عشرَة) مرّة ، فِي غَزْوَة الْأَبْوَاء" .
(قلت : خَالفه ابْن سعد فَقَالَ : سعد بن معَاذ . وَذكر ابْن هِشَام أَنه اسْتخْلف فِيهَا السَّائِب بن عُثْمَان بن مَظْعُون ، وبواط فِي بَاب [ من ] اسْمه عَمْرو وَقَالَ : ذكر ذَلِك جمَاعَة من أهل السّير وَالْعلم بِالنّسَبِ وَالْخَبَر .
قلت : خَالف ابْن سعد عبد الْملك بن هِشَام فَقَالَ : سعد بن عبَادَة . وَذي الْعَشِيرَة .
[4/451] قلت : خَالفه ابْن إسحاق وَابْن سعد فَقَالَا بدله : أَبَا سَلمَة بن عبد الْأسد .
قلت : قَالَا : اسْتخْلف فِي طلب كرز زيد بن حَارِثَة ، وَفِي غَزْوَة السويق أَبَا لبَابَة بن عبد الْمُنْذر .
قلت : ذكر ابْن إِسْحَاق بدله أَبَا ذَر ، وَذكر ابْن سعد عُثْمَان بن عَفَّان وغَطَفَان .
قلت : خَالفه ابْن سعد وَابْن هِشَام فَقَالَا : عُثْمَان بن عَفَّان) وَأحد وحمراء الْأسد وبُحران - بِضَم (الْبَاء) الْمُوَحدَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا رَاء مُهْملَة ثمَّ ألف ثمَّ نون ، وَقَيده بَعضهم بِفَتْح (الْبَاء) ، وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور - وَذَات الرّقاع ، واستخلفه حِين سَار إِلَى [4/452] بدر ثمَّ رد أَبَا لبَابَة واستخلفه عَلَيْهَا (واستخلفه أَيْضا) فِي حجَّة الْوَدَاع وَقتل شَهِيدا بالقادسية . وَقيل : رَجَعَ من الْقَادِسِيَّة فَمَاتَ وَلم يسمع لَهُ بِذكر بعد عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَذكر أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اسْتَعْملهُ يَوْم الخَنْدَق . (وَقَالَ : ابْن سعد وَابْن هِشَام زادا وغزوة بني النَّضِير وَبني قُرَيْظَة وَبني حَيَّان ، زَاد ابْن سعد : وغزوة قرقرة (الكدر) وَبني سليم والغابة وَالْحُدَيْبِيَة ، وَذكر ابْن هِشَام غَزْوَة ذِي (قرد) زَاد ابْن سعد غَزْوَة الْفَتْح . وَقَالَ ابْن إِسْحَاق : أَبَا رهم كُلْثُوم بن الْحصين الْغِفَارِيّ ، فالجملة ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ تخلف) .
الثَّالِثَة : نقل الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه عَن بَعضهم أَنه عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا ولاه الصَّلَاة بِالْمَدِينَةِ دون القضايا وَالْأَحْكَام ؛ فَإِن الضَّرِير لَا يجوز لَهُ أَن يقْضِي بَين النَّاس ؛ لِأَنَّهُ لَا يدْرك الْأَشْخَاص وَلَا (يثبت الْأَعْيَان) وَلَا يدْرِي لمن يحكم وَعَلَى من يحكم ، وَهُوَ مقلد فِي كل مَا يَلِيهِ ، وَالْحكم بالتقليد غير جَائِز .
قلت : يُعَكر عَلَى هَذَا رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ (السالفة) من حَدِيث [4/453] ابْن عَبَّاس "اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الصَّلَاة وَغَيرهَا من أَمر الْمَدِينَة" وَقيل : إِنَّمَا ولاه عَلَيْهِ السَّلَام الْإِمَامَة إِكْرَاما لَهُ وأخذًا بالأدب فِيمَا عاتبه الله فِي أمره فِي قَوْله تَعَالَى : ( عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى ) - وَرُوِيَ أَن الْآيَة نزلت فِيهِ .
(الْفَائِدَة) الرَّابِعَة : الحَدِيث دالٌّ عَلَى أَن إِمَامَة الضَّرِير غير مَكْرُوهَة وَكَذَا (أَذَانه) عَلَى مَا سلف (من) رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ (أَي) فِي حَدِيث ابْن بُحَيْنَة .
تَنْبِيه : هَذَا الحَدِيث اسْتدلَّ بِهِ الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى إِمَامَة الْأَعْمَى ، وَأَقْوَى مِنْهُ فِي الدّلَالَة حَدِيث مَحْمُود بن الرّبيع الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ "أَن عتْبَان بن مَالك كَانَ يؤم قومه وَهُوَ أَعْمَى ، وَأَنه قَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنَّهَا تكون الظلمَة والسيل وَأَنا رجل ضَرِير الْبَصَر . . ." وسَاق الحَدِيث وَفِي رِوَايَة لَهما : "يَا رَسُول الله ، إِنِّي قد أنْكرت بَصرِي وَأَنا أُصَلِّي لقومي . . ." . وَذكر الحَدِيث
.