الحَدِيث (الْخَامِس)
(من أَحَادِيث الْبَاب) عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما "أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جمع بِالْمَدِينَةِ من غير خوف وَلَا سفر" .
[4/572] هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ عَنهُ قَالَ : " صَلَّى لنا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء جَمِيعًا (فِي) غير خوف وَلَا سفر" وَفِي لفظ : "جمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَين الظّهْر وَالْعصر و(بَين) الْمغرب وَالْعشَاء (فِي الْمَدِينَة) فِي غير خوف وَلَا مطر . قيل لِابْنِ عَبَّاس : مَا أَرَادَ إِلَى ذَلِك ؟ قَالَ : أَرَادَ أَن لَا يحرج أمته " .
وَلم يذكر البُخَارِيّ : "الْخَوْف" وَلَا "الْمَطَر" وَلَا "قيل لِابْنِ عَبَّاس . . ." إِلَى آخِره .
وَرَوَاهُ مَالك فِي "موطئِهِ" بِلَفْظ : "صَلَّى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا ، وَالْمغْرب وَالْعشَاء (جَمِيعًا) فِي غير خوف وَلَا سفر" قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالك : أُرى ذَلِك كَانَ فِي مطر .
وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي "أكبر معاجمه" : "جمع (فِي الْمَدِينَة) من غير عِلّة . فَقيل لِابْنِ عَبَّاس : مَا أَرَادَ بذلك ؟ فَقَالَ : التَّوَسُّع عَلَى أمته" .
فَائِدَة : قَول الإِمَام مَالك : أُرى - هُوَ بِضَم الْهمزَة - أَي (أَظن) ، وَوَافَقَهُ الشَّافِعِي عَلَيْهِ أَيْضا (وَهَذَا ترده) الرِّوَايَة السالفة عَن "صَحِيح [4/573] مُسلم" : "وَلَا مطر" وَهِي من رِوَايَة حبيب بن أبي ثَابت وَهُوَ إِمَام مُتَّفق عَلَى توثيقه وجلالته وعدالته والاحتجاج بِهِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَلم يذكرهَا البُخَارِيّ مَعَ أَن حبيب بن أبي ثَابت من شَرطه . قَالَ : وَلَعَلَّه تَركهَا لمخالفتها (رِوَايَة) الْجَمَاعَة . قَالَ : وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أولَى بِأَن (تكون مَحْفُوظَة) (حَتَّى) رِوَايَة الْجُمْهُور : "من غير خوف وَلَا سفر" (قَالَ) : وَقد روينَا عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر الْجمع فِي الْمَطَر . وَقَالَ فِي "الْمعرفَة" أَيْضا : قَول ابْن عَبَّاس : "أَرَادَ أَن لَا يحرج أمته" قد يحمل عَلَى الْمَطَر أَي : لَا يلحقهم مشقة الْمَشْي فِي الطين إِلَى الْمَسْجِد .
وَأجَاب الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه عَن رِوَايَة (من رَوَى) "من غير خوف وَلَا مطر" بجوابين : أَحدهمَا : (مَعْنَاهُ) وَلَا مطر كثير .
ثَانِيهمَا : (فِيهِ) يجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ ، فَيكون المُرَاد بِرِوَايَة "من غير خوف وَلَا سفر" الْجمع بالمطر ، وَالْمرَاد بِرِوَايَة "وَلَا مطر" الْجمع (الْمجَازِي) وَهُوَ أَن يُؤَخر الأولَى إِلَى آخر وَقتهَا ، وَيقدم الثَّانِيَة إِلَى أول وَقتهَا .
[4/574] قَالَ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل الثَّانِي أَن (عَمْرو) بن دِينَار رَوَى هَذَا الحَدِيث عَن أبي الشعْثَاء ، (عَن ابْن عَبَّاس ، وَثَبت فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ : قلت : يَا أَبَا الشعْثَاء) ، أَظُنهُ أخر الظّهْر وَعجل الْعَصْر ، وَأخر الْمغرب وَعجل الْعشَاء قَالَ : وَأَنا أَظن (ذَلِك) .
(وَأجَاب) القَاضِي أَبُو الطّيب فِي "تَعْلِيقه" وَالشَّيْخ (أَبُو) نصر فِي "تهذيبه" وَغَيرهمَا بِأَن قَوْله : "وَلَا مطر" أَي مستدام فَلَعَلَّهُ انْقَطع فِي الثَّانِيَة .
وَنقل صَاحب "الشَّامِل" هَذَا الْجَواب عَن أَصْحَابنَا ، وَأجَاب الْمَاوَرْدِيّ بِأَنَّهُ كَانَ (مستظلاًّ) بسقف وَنَحْوه ، وَهَذِه التأويلات كلهَا لَيست ظَاهِرَة كَمَا (قَالَ) النَّوَوِيّ ، وَالْمُخْتَار مَا (أجَاب) بِهِ الْبَيْهَقِيّ .
وَمن الْغَرِيب (قَول) إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي "النِّهَايَة" أَن ذكر الْمَطَر لم يرد فِي متن الحَدِيث ، وَقد عرفت أَنه فِي مَتنه .