الحَدِيث الرَّابِع
أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : "( من كَانَ) آخر كَلَامه : لَا إِلَه إِلَّا الله . دخل الْجنَّة " .
[5/189] هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد كَذَلِك لَكِن بِلَفْظ : "وَجَبت لَهُ الْجنَّة" . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم بِلَفْظ المُصَنّف ، وَأعله ابْن الْقطَّان بِأَن قَالَ : فِيهِ صَالح بن أبي (عريب ) ، وَلَا يعرف حَاله ، وَلَا رَوَى عَنهُ غير عبد الحميد ، وَقد غلط فِي كل مِنْهُمَا ، أما الأول : فقد ذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" فقد عرفت حَاله ، وَأما الثَّانِي : فقد رَوَى عَنهُ حَيْوَة بن شُرَيْح ، وَاللَّيْث بن سعد ، وَابْن لَهِيعَة ، وَغَيرهم . كَمَا ذكره ابْن يُونُس والمزي ، لَا جرم لما أخرجه الْحَاكِم من طَرِيقه قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . قلت : وَقد (جرت فِيهِ) حِكَايَة غَرِيبَة ، وَقد أَنبأَنَا بهَا الْمسند أَحْمد بن كشتغدي ، أَنبأَنَا أَبُو الْفرج عبد اللَّطِيف الْحَرَّانِي ، أبنا ابْن الْجَوْزِيّ ، أبنا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز ، أبنا أَبُو بكر الْخَطِيب ، أبنا أَبُو عَلّي عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن فضَالة ، أَنا أَبُو بكر (بن) مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان ، قَالَ : سَمِعت أَبَا جَعْفَر التسترِي يَقُول : حَضَرنَا أَبَا زرْعَة وَهُوَ فِي السِّيَاق وَعِنْده أَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن مُسلم وَالْمُنْذر بن شَاذان وَجَمَاعَة من الْعلمَاء ، فَذكرُوا حَدِيث التَّلْقِين وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام : "لقنوا مَوْتَاكُم : لَا إِلَه إِلَّا الله" . فاستحيوا من أبي زرْعَة وهابوا أَن [5/190] يلقنوه ؛ فَقَالُوا : تَعَالَوْا نذْكر الحَدِيث . فَقَالَ مُحَمَّد بن مُسلم : نَا الضَّحَّاك بن مخلد ، عَن عبد الحميد بن جَعْفَر ، عَن صَالح . وَلم يُجَاوز ، وَقَالَ الْمُنْذر : نَا بنْدَار ، نَا أَبُو عَاصِم ، عَن عبد الحميد ، عَن صَالح ، وَلم يُجَاوز ، وَالْبَاقُونَ سكتوا ؛ فَقَالَ أَبُو زرْعَة وَهُوَ فِي السَّوق : نَا بنْدَار ، نَا أَبُو عَاصِم ، نَا عبد الحميد بن جَعْفَر ، عَن صَالح بن أبي عريب ، عَن كثير بن مرّة ، عَن معَاذ بن جبل قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " من كَانَ آخر كَلَامه : لَا إِلَه إِلَّا الله . دخل الْجنَّة " وَتُوفِّي . و(نَا) ابْن كشتغدي أَيْضا قَالَ : أَنا الشَّيْخ محيي الدَّين يَحْيَى بن شرف النَّوَوِيّ كِتَابَة من دمشق ، أَنا الْحَافِظ أَبُو الْبَقَاء ، أَنبأَنَا الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد ، نَا أَبُو طَاهِر السلَفِي ، أَنا أَبُو عَلّي البرداني ، قَالَ : سَمِعت (إِبْرَاهِيم بن هناد النَّسَفِيّ يَقُول : سَمِعت) أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْقطَّان يَقُول : سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن مُسلم بن (وارة) الرَّازِيّ يَقُول : حضرت مَعَ أبي حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ عِنْد أبي زرْعَة الرَّازِيّ وَهُوَ فِي النَّزع ، فَقلت لأبي حَاتِم : تعال حَتَّى نلقنه الشَّهَادَة . فَقَالَ أَبُو حَاتِم : إِنِّي لأستحيي من أبي زرْعَة أَن ألقنه الشَّهَادَة ، وَلَكِن تعال حَتَّى نتذاكر الحَدِيث فَلَعَلَّهُ إِذا [5/191] سَمعه يَقُول . فَبَدَأت فَقلت : ثَنَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل ، نَا عبد الحميد بن جَعْفَر فأرتج عليَّ الحَدِيث حَتَّى كَأَنِّي مَا سمعته وَلَا قرأته ، فَبَدَأَ أَبُو حَاتِم فَقَالَ : نَا مُحَمَّد بن بشار ، نَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل ، عَن عبد الحميد بن جَعْفَر ، فأرتج عَلَيْهِ كَأَنَّهُ مَا قَرَأَهُ ، فَبَدَأَ أَبُو زرْعَة فَقَالَ : نَا مُحَمَّد بن بشار ، نَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل ، نَا عبد الحميد بن جَعْفَر ، عَن صَالح بن أبي عريب ، عَن كثير ابن مرّة ، عَن معَاذ بن جبل قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " من كَانَ آخر كَلَامه : لَا إِلَه إِلَّا الله " وَخرجت روحه مَعَ الْهَاء قبل أَن يَقُول : "دخل الْجنَّة" . وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ . وأنبأنا الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه : أَنا الْخلال ، أَنا الْهَمدَانِي ، أَنا السلَفِي ، أَنا ابْن مَالك ، أَنا أَبُو يعْلى الْحَافِظ ، سَمِعت مُحَمَّد بن عَلّي الفرضي (يَقُول) : سَمِعت الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن مَيْمُون ، سَمِعت عمر بن إِسْحَاق الْحَافِظ ، سَمِعت (ابْن وارة) يَقُول : حضرت أَنا وَأَبُو حَاتِم عِنْد وَفَاة أبي زرْعَة ... إِلَى آخِره بأخصر من الأول .
تَنْبِيه : غلط ابْن معن فِي "تنقيبه" عَلَى "الْمُهَذّب" ، فعزا حَدِيث معَاذ هَذَا إِلَى البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَهَذَا عَجِيب ؛ فَذَاك حَدِيث آخر لَفظه فِي "مُسلم" : "مَا من عبد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِلَّا حرّمه الله عَلَى النَّار" . وَلَفظه فِي "البُخَارِيّ" : "مَا من أحدٍ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صِدْقًا من قلبه إِلَّا حرمه الله عَلَى [5/192] النَّار" . وَفِي أَفْرَاد "مُسلم" من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان رَفعه : "من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة" . وَفِي "أَفْرَاده" (نَحوه) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعبادَة ، وَفِي "صَحِيح ابْن حبَان" من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نَحوه ، وَقد سلف فِي الحَدِيث قبله (برمتِهِ) وَفِي "مُسْند أَحْمد" و"مُسْتَدْرك الْحَاكِم" وَاللَّفْظ لَهُ من رِوَايَة يَحْيَى بن طَلْحَة بن عبيد الله ، عَن [ أَبِيه ] " أَن عمر رَأَى طَلْحَة كئيبًا ، فَقَالَ لَهُ : مَا لَك ، لَعَلَّك ساءتك [ إِمَارَة ] ابْن عمك ؟ قَالَ : لَا . وَأَثْنَى عَلَى أبي بكر ، وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : كلمة لَا يَقُولهَا عبد عِنْد مَوته إِلَّا فرج الله عَنهُ كربته وأشرق لَونه . فَمَا مَنَعَنِي أَن (أسأله) عَنْهَا إِلَّا الْقُدْرَة عَلَيْهَا ، حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ عمر : إِنِّي لأعرفها . قَالَ طَلْحَة : وَمَا هِيَ ؟ فَقَالَ لَهُ عمر : هَل تعلم كلمة هِيَ أعظم من كلمة أَمر بهَا (عَمه) لَا إِلَه إِلَّا الله ؟ فَقَالَ [5/193] طَلْحَة : هِيَ وَالله (هِيَ) " . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَفِي "معرفَة الصَّحَابَة" لأبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ من حَدِيث عَطاء بن السَّائِب ، عَن أَبِيه ، عَن جده - وَهُوَ مَالك الثَّقَفِيّ - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : "من لُقِّن عِنْد الْمَوْت شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة" . ذكره فِي تَرْجَمَة مَالك وَقَالَ : هُوَ أَبُو السَّائِب الثَّقَفِيّ جد عَطاء . وَفِي "تَلْخِيص الْمُتَشَابه" لِلْحَافِظِ أبي بكر الْخَطِيب عَن حُذَيْفَة : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي مَرضه الَّذِي قبض فِيهِ : "من ختم لَهُ بِلَا إِلَه إِلَّا الله محتسبًا عَلَى الله - عَزَّ وَجَلَّ - دخل الْجنَّة" . وَفِيه أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود رَفعه : "من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة" . وَفِي "علل الدَّارَقُطْنِيّ" عَن جَابر رَفعه : " من ختم لَهُ عِنْد مَوته بِلَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة " . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : رِوَايَته عَن جَابر عَن معَاذ مَرْفُوعا هُوَ الصَّوَاب ، وفيهَا أَيْضا : عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : " و (من) قَالَ عِنْد الْمَوْت : لَا إِلَه إِلَّا الله . وَجَبت لَهُ الْجنَّة " . ثمَّ قَالَ : إرْسَاله هُوَ الصَّوَاب .