الحَدِيث (الثَّانِي) بعد السِّتين
رُوِيَ " أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجلَانِ ، أَحدهمَا يلْحد والآخر يشق ، فَبعث الصَّحَابَة فِي طلبهما ، وَقَالُوا : أَيهمَا جَاءَ أَولا عمل عمله لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، فجَاء الَّذِي يلْحد ، فلحد لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق :
أَحدهَا : من حَدِيث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : " لما توفّي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يلْحد وَآخر يضرح ، فَقَالُوا : نستخير رَبنَا ونبعث إِلَيْهِمَا ، فَأَيّهمَا سبق تَرَكْنَاهُ . فَأرْسل إِلَيْهِمَا ، فَسبق صَاحب اللَّحْد ؛ فلحد لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " . رَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" وَابْن مَاجَه فِي "سنَنه" بِإِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات ، إِلَّا مبارك بن فضَالة ؛ فَإِن النَّسَائِيّ ضعفه ، وَقَالَ عَفَّان : ثِقَة من النساك [ وَكَانَ وَكَانَ ] . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : إِذا قَالَ : (ثَنَا) فَهُوَ ثِقَة .
[5/301] قلت : قد صرح بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : ثَنَا حميد .
ثَانِيهَا : من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ : " لما أَرَادوا أَن يحفروا لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعثوا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ، وَكَانَ يضرح كضريح أهل مَكَّة ، وبعثوا إِلَى أبي طَلْحَة ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يحْفر لأهل الْمَدِينَة وَكَانَ يلْحد ، فبعثوا إِلَيْهِمَا رسولين ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ خر لِرَسُولِك . فوجدوا أَبَا طَلْحَة ، فجيء بِهِ - وَلم يُوجد أَبُو عُبَيْدَة - فلحد لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث ، وَهُوَ قِطْعَة من الحَدِيث السالف فِي دَفنه فِي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة ، وَقد أسلفنا أَن فِي سَنَده حُسَيْن بن عبد الله ، وَأَن النَّسَائِيّ تَركه ، وَقَالَ يَحْيَى مرّة : لَا بَأْس بِهِ ، يكْتب حَدِيثه . وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ : " ثمَّ دَعَا الْعَبَّاس رجلَيْنِ ، فَقَالَ : (ليذْهب أَحَدكُمَا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح - وَكَانَ يُصَرح لأهل مَكَّة -) وليذهب الآخر إِلَى أبي طَلْحَة - وَكَانَ يلْحد لأهل الْمَدِينَة - قَالَ : ثمَّ قَالَ الْعَبَّاس لَهما حِين سرحهما : اللَّهُمَّ خر لِرَسُولِك . فذهبا ، فَلم يجد صَاحب أبي عُبَيْدَة أَبَا عُبَيْدَة ، وَوجد صَاحب أبي طَلْحَة أَبَا طَلْحَة ، فجَاء فلحد لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " .
ثَالِثهَا : من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة عَن عَائِشَة ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَعبد الرَّحْمَن يضعف من قبل حفظه ، (وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك) . وَقَالَ البُخَارِيّ : ضَعِيف ذَاهِب [5/302] الحَدِيث . وَقَالَ ابْن حبَان : ينْفَرد عَن الثِّقَات بِمَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات ، فَلَا أَدْرِي كثر الْوَهم مِنْهُ أَو من ابْنه مُحَمَّد ، وَابْنه فَاحش الْخَطَأ وَأكْثر رواياته تَدور عَلَى ابْنه ؛ فَوَجَبَ تَركه لاشتباه أمره .
وَفِي "علل الدَّارَقُطْنِيّ" عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت : " كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجلَانِ ، أَحدهمَا يشق ، والآخر يلْحد ، فجَاء الَّذِي يلْحد ، فلحد لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، من طَرِيق [ يَحْيَى بن ] عُرْوَة بن الزبير ، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن هِشَام ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَهُوَ الْمَحْفُوظ ، قَالَ : كَذَلِك رَوَاهُ مَالك وَابْن عُيَيْنَة .
وَفِي "علل ابْن أبي حَاتِم " : سَأَلت أبي عَن حَدِيث عَائِشَة هَذَا ، فَقَالَ : الصَّحِيح عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، بِإِسْقَاط عَائِشَة . - قلت : الَّذِي رَوَاهُ (بإثباتها) هُوَ أَبُو الْوَلِيد عَن حَمَّاد بن سَلمَة - فالخطأ من أَيهمَا ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . وَفِي كتاب "أَسمَاء رُوَاة مَالك" للخطيب الْحَافِظ من حَدِيث ابْن عمر : "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لحد لَهُ " . ثمَّ قَالَ : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : تفرد بِهِ إِسْمَاعِيل بن يَحْيَى ، وَهُوَ ضَعِيف ، مَتْرُوك الحَدِيث
.