|
الحَدِيث الثَّالِث بعد السّبْعين " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يجصص الْقَبْر ، و(أَن) يُبْنَى عَلَيْهِ ، وَأَن يكْتب عَلَيْهِ ، وَأَن يُوطأ " . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ بِهَذِهِ الْجُمْلَة التِّرْمِذِيّ ، وَالْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" ، و(أَبُو حَاتِم) ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تجصص الْقُبُور ، وَأَن يكْتب عَلَيْهَا ، وَأَن يُبْنَى عَلَيْهَا ، وَأَن تُوطأ " . وَلَفظ الْحَاكِم : " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يُبْنَى عَلَى الْقَبْر ، أَو يجصص ، أَو يقْعد عَلَيْهِ ، وَنَهَى أَن يكْتب عَلَيْهِ " . وَلَفظ ابْن حبَان " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى عَن تجصيص الْقُبُور ، وَالْكِتَابَة عَلَيْهَا ، وَالْبناء عَلَيْهَا ، وَالْجُلُوس عَلَيْهَا " . وَفِي رِوَايَة لَهُ : " نهَى أَن تقصص الْقُبُور " . وَكَانَ يسمون الجص الْقِصَّة ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أبي الزبير سمع [5/321] ( جَابر ) " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن تقصيص الْقُبُور ، وَأَن يُبْنَى عَلَيْهَا ، أَو يجلس عَلَيْهَا " . وَرَوَاهُ مُخْتَصرا بِذكر الْبناء لَيْسَ إِلَّا ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، وَقد رُوِيَ من غير وَجه عَن جَابر . قَالَ : وَقد رخص بعض أهل الْعلم فِي تطيين الْقُبُور ، مِنْهُم : الْحسن الْبَصْرِيّ ، وَقَالَ الشَّافِعِي : لَا بَأْس أَن يطين الْقَبْر . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَقد خرج بِإِسْنَادِهِ غير "الْكِتَابَة" فَإِنَّهَا لَفْظَة صَحِيحَة غَرِيبَة ، وَقد رويت من وَجه آخر ... فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَابر ، قَالَ : " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن تجصيص الْقُبُور ، وَالْكِتَابَة فِيهَا ، وَالْبناء عَلَيْهَا ، وَالْجُلُوس عَلَيْهَا " . قَالَ الْحَاكِم : وَهَذِه الْأَسَانِيد صَحِيحَة ، وَلَيْسَ الْعَمَل عَلَيْهَا ؛ فَإِن أَئِمَّة الْمُسلمين من الشرق إِلَى الغرب مَكْتُوب عَلَى قُبُورهم ، وَهُوَ عمل أَخذ بِهِ الْخلف عَن السّلف . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي "سنَنه" ، وَلَفظه : عَن جَابر قَالَ : "سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يْقعد عَلَى الْقَبْر وَأَن يُقصص ويبنى عَلَيْهِ " وَفِي رِوَايَة لَهُ : "أَو يُزَاد عَلَيْهِ" وَفِي رِوَايَة لَهُ "أَو يكْتب عَلَيْهِ" وَفِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث - أَعنِي حَدِيث [5/322] أبي دَاوُد - عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى عَن جَابر وَهَذِه الطَّرِيق مُنْقَطِعَة ؛ فَإِن سُلَيْمَان هَذَا لم يسمع من جَابر شَيْئا ، كَمَا نبه الْمُنْذِرِيّ عَلَيْهِ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث "الْمُهَذّب" وَلذَلِك أضْرب مُسلم عَن ذكرهَا ، وَالصَّوَاب : عَن أبي الزبير عَن جَابر ، كَمَا هُوَ رِوَايَة البَاقِينَ ، وَلَفظ رِوَايَة ابْن مَاجَه عَن جَابر " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن تقصيص الْقُبُور ، وَأَن يكْتب عَلَى الْقَبْر شَيْء ، وَأَن يُبْنَى عَلَى الْقَبْر شَيْء " وَلَفظ رِوَايَة مُسلم عَنهُ " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يجصص الْقَبْر ، وَأَن يُبْنَى عَلَيْهِ ، وَأَن يقْعد عَلَيْهِ " . فَائِدَة : التجصيص : بناؤها بالجص وَهُوَ النورة الْبَيْضَاء ، والتقصيص : قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هُوَ التجصيص وَذَلِكَ أَن الجصة يُقَال لَهَا : الْقِصَّة ، والجصاص وَالْقصاص وَاحِد ، وَالْقعُود : الْجُلُوس قَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) والهروي : المُرَاد بِهِ (الْحَدث) وَالصَّوَاب الأول ، ويوضحه رِوَايَة مُسلم "لَا تجلسوا عَلَى الْقُبُور ..." وَرِوَايَة أُخْرَى لَهُ "لِأَن يجلس أحدكُم عَلَى جَمْرَة فتحرق ثِيَابه فتخلص إِلَى [5/323] جلده خير لَهُ من أَن يجلس عَلَى قبر" وَقيل : المُرَاد بِهِ الْجُلُوس للإحداد وملازمة الْحزن . حَكَاهُ ابْن الْأَثِير فِي (نهايته) وَحَكَى مَعَه قولا آخر أَن المُرَاد بِالْجُلُوسِ أَيْضا للْحَدَث ، وَوَقع فِي أَكثر نسخ (الْمُهَذّب) : (وَأَن يعْقد عَلَيْهِ) بِتَقْدِيم الْعين عَلَى الْقَاف ، وَهُوَ تَصْحِيف ، وَفَسرهُ صَاحب (المستعذب) فَقَالَ : أَي يُبْنَى عَلَيْهِ عقد كَمَا يفعل فِي أَبْوَاب بعض الْمَسَاجِد وَبَين الأساطين والقباب ومحراب الْقبَّة .
|