الحَدِيث الثَّانِي بعد التسعين
" أَنه عَلَيْهِ السَّلَام جعل ابْنه إِبْرَاهِيم فِي حجره وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ ، فذرفت عَيناهُ صلى الله عليه وسلم ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك ، فَقَالَ : إِنَّهَا رَحْمَة ، وَإِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء ، ثمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم : " الْعين تَدْمَع ، وَالْقلب يحزن ، وَلَا نقُول إِلَّا مَا يُرْضِي رَبنَا " .
[5/360] هَذَا الحَدِيث أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : " دخلت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى أبي سيف الْقَيْن وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فَأخذ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِبْرَاهِيم فَقبله وشمَّه ، ثمَّ دَخَلنَا عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَإِبْرَاهِيم يجود بِنَفسِهِ ، فَجعلت عينا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَذْرِفَانِ ، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف : وَأَنت يَا رَسُول الله ؟ ! فَقَالَ : يَا ابْن عَوْف ، إِنَّهَا رَحْمَة ، ثمَّ أتبعهَا بِأُخْرَى ، فَقَالَ : إِن الْعين تَدْمَع ، وَالْقلب يحزن ، وَلَا نقُول إِلَّا مَا يُرْضِي رَبنَا ، وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ " .
الْقَيْن : الحدّاد ، والظِّئْر : بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا همزَة زوج الْمُرضعَة . وَفِي "سنَن الْبَيْهَقِيّ" من حَدِيث أبي عوَانَة ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن عَطاء ، عَن جَابر قَالَ : " خرج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِعَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف إِلَى النّخل ، فَإِذا ابْنه إِبْرَاهِيم يجود بِنَفسِهِ ؛ فَوَضعه فِي حجره ، فَفَاضَتْ عَيناهُ ، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف : أتبكي وَأَنت تنْهَى النَّاس ؟ ! فَقَالَ : إِنِّي لم أَنه عَن الْبكاء ، إِنَّمَا نهيت عَن النوح ، صَوْتَيْنِ (أَحْمَقَيْنِ) فاجرين : صَوت عِنْد (نعْمَة) لَهو وَلعب وَمَزَامِير شَيْطَان ، وَصَوت عِنْد (معصية) خَمْش وُجُوه ، وشق جُيُوب ، ورنَّة ، وَهَذَا هُوَ رَحْمَة ، وَمن لَا يرحم لَا يرحم ، يَا إِبْرَاهِيم ، لَوْلَا أَنه أَمر حق ، ووعد صدق ، وَأَن آخِرنَا سيلحق بأولنا ؛ لحزنا عَلَيْك حزنا هُوَ أَشد من هَذَا ، وَإِنَّا بك لمحزنون ، [5/361] تبْكي الْعين ، (ويحزن) الْقلب ، وَلَا نقُول مَا يسْخط (الرب ) " . وَخرج التِّرْمِذِيّ بعضه وَحسنه ، وَقد عرفت أَنه من رِوَايَة ابْن أبي لَيْلَى ، وَهُوَ ضَعِيف وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" من حَدِيث أُسَامَة بن زيد " أَن بِنْتا لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أرْسلت إِلَيْهِ أَن ابْنا لَهَا فِي الْمَوْت ، فَقَالَ للرسول : ارْجع إِلَيْهَا واقرأ عَلَيْهَا قل : إِن لله مَا أَخذ ، وَله مَا أعْطى ، وكل شَيْء عِنْده إِلَى أجل . فَأرْسلت تقسم عَلَيْهِ ، فَأَتَاهَا ، فَوضع الصَّبِي فِي حجره وَنَفسه تتقعقع ؛ فَفَاضَتْ عَيناهُ ، فَقَالَ لَهُ سعد : (مَا هَذَا) ؟ ! قَالَ : إِنَّهَا رَحْمَة يَضَعهَا الله فِي قُلُوب من يَشَاء ، وَإِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء " .
فَائِدَة : مَعْنَى "يجود بِنَفسِهِ" : يُخرجهَا ، وَالَّذِي يجود بِمَالِه فيخرجه ، ومصدره عَلَى وزن فعول . و"ذرفت" - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة - أَي : سَالَتْ ، (يُقَال) : ذرف يذرف ذرفًا ، كضرب يضْرب ضربا .
"وَغسل إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْفضل بن الْعَبَّاس ، وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَالْعَبَّاس ، وَجعل عَلَى سَرِير ، وَنزل فِي قَبره الْفضل وَأُسَامَة بن زيد" . كَذَا سَاقه أَبُو نعيم فِي "معرفَة الصَّحَابَة" بِسَنَدِهِ ، فِي تَرْجَمَة سِيرِين الْقبْطِيَّة أُخْت مَارِيَة
.