|
[5/500] الحَدِيث الثَّامِن رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : "(تسلفت) من الْعَبَّاس صَدَقَة عَاميْنِ ) . هَذَا الحَدِيث مرويٌّ من طرق ؛ إِحْدَاهَا : من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " إِن عَم الرجل صنو أَبِيه ، وَإِن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تعجل صَدَقَة الْعَبَّاس عَاميْنِ فِي عَام " . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" ، من حَدِيث ابْن ذكْوَان ، عَن مَنْصُور ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عَلْقَمَة ، عَن عبد الله (بِهِ) . وَمُحَمّد بن ذكْوَان هَذَا قَالَ البُخَارِيّ فِي حَقه : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : ضَعِيف كثير الْخَطَأ . وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَابْن حبَان فِي "ثقاته" . ثَانِيهَا : من حَدِيث مُوسَى بن طَلْحَة ، عَن طَلْحَة أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " يَا عمر ، أما علمت أَن عَم الرجل صنو أَبِيه ، إنَّا كُنَّا احتجنا إِلَى مَال فتعجلنا من الْعَبَّاس صَدَقَة مَاله لِسنتَيْنِ " . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" ، من حَدِيث وليد بن حَمَّاد ، عَن [5/501] الْحسن بن زِيَاد ، عَن الْحسن بن عمَارَة ، عَن الحكم ، (عَن) مُوسَى بِهِ . وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف ، الْحسن (بن) زِيَاد كَذَّاب ، قَالَه غير واحدٍ ، وَالْحسن بن عمَارَة أحد الهلكى . قَالَ السَّاجِي : أَجمعُوا عَلَى ترك حَدِيثه . وَأغْرب الْبَزَّار فَقَالَ فِي "مُسْنده" فِي هَذَا الحَدِيث : سكت أهل الْعلم عَن حَدِيثه . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : اخْتلفُوا فِي هَذَا الحَدِيث عَلَى الحكم فِي إِسْنَاده ، وَالصَّحِيح عَن الْحسن بن مُسلم مُرْسل . ثَالِثهَا : من حَدِيث الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس ؛ قَالَ : بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عمر ساعيًا ، قَالَ : فَأَتَى الْعَبَّاس يطْلب صَدَقَة مَاله ، قَالَ : فَأَغْلَظ لَهُ الْعَبَّاس (القَوْل) ، فَخرج إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأخْبرهُ ، (فَقَالَ) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن الْعَبَّاس قد أسلفنا زَكَاة مَاله الْعَام وَالْعَام الْمقبل " . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" أَيْضا كَذَلِك ، وَإِسْنَاده أَيْضا ضَعِيف ، فِيهِ مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي وَقد تَرَكُوهُ . رَابِعهَا : من حَدِيث الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بعث عمر عَلَى الصَّدَقَة ، فَرجع (وَهُوَ) يشكو الْعَبَّاس ، فَقَالَ : إِنَّه [5/502] مَنَعَنِي صدقته . فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : يَا عمر ، أما علمت أَن عمّ الرجل صِنْو أَبِيه ، إِن الْعَبَّاس أسلفنا صَدَقَة عَاميْنِ فِي عَام " . وَإِسْنَاده أَيْضا ضَعِيف ؛ لأجل منْدَل بن عَلّي رَاوِيه عَن الحكم ، وَقد ضعفه أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ . خَامِسهَا : من حَدِيث أبي البخْترِي ، عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " إِنَّا كُنَّا احتجنا فأسلفنا الْعَبَّاس صَدَقَة عَاميْنِ " . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" ، ثمَّ قَالَ : فِيهِ إرْسَال بَين أبي البختري وَعلي . قلت : لِأَنَّهُ لم يُدْرِكهُ كَمَا نصَّ عَلَيْهِ شُعْبَة وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهم . وَاحْتج الْبَيْهَقِيّ للتعجيل بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : " وَأما الْعَبَّاس فَهِيَ عليَّ وَمثلهَا مَعهَا ..." [5/503] الحَدِيث بِطُولِهِ . (قَالَ) الْبَيْهَقِيّ : حملُوا هَذَا الحَدِيث عَلَى أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أخر عَنهُ الصَّدَقَة (عَاميْنِ) من حَاجَة (بِالْعَبَّاسِ) إِلَيْهَا ، وَالَّذِي رَوَاهُ وَرْقَاء عَلَى أَنه تسلف مِنْهُ صَدَقَة عَاميْنِ . قَالَ : وَفِي كل ذَلِك دَلِيل عَلَى جَوَاز تَعْجِيل الصَّدَقَة . أما حَدِيث شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الَّذِي قَالَ فِيهِ : " فَهِيَ (عَلّي) صَدَقَة وَمثلهَا مَعهَا " فَإِنَّهُ يبعد من أَن يكون مَحْفُوظًا ، (لِأَن) الْعَبَّاس كَانَ (رجلا) من (صلبية) بني هَاشم تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة ، فَكيف يَجْعَل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا عَلَيْهِ من صَدَقَة عَاميْنِ صَدَقَة عَلَيْهِ ؟ قَالَ : وَرَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة ، عَن أبي الزِّنَاد ؛ فَقَالَ فِي الحَدِيث : " فَهِيَ لَهُ وَمثلهَا مَعهَا " وَقد يُقَال : "لَهُ" بِمَعْنى "عَلَيْهِ" ، فروايته مَحْمُولَة عَلَى سَائِر الرِّوَايَات ، وَقد يكون المُرَاد بقوله "فَهِيَ عَلَيْهِ" : أَي عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . فَيكون مُوَافقا لرِوَايَة وَرْقَاء ، وَرِوَايَة وَرْقَاء أولَى بِالصِّحَّةِ ؛ لموافقتها الرِّوَايَات الصَّحِيحَة بالاستسلاف والتعجيل . قَالَ : وَقد رَوَى الشَّافِعِي عَن مَالك عَن نَافِع " أَن عبد الله بن عمر كَانَ يبْعَث زَكَاة الْفطر إِلَى الذي [5/504] تجمع عِنْده قبل الْفطر بيومين أَو ثَلَاثَة " . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَذهب أَكثر أهل الْعلم إِلَى جَوَاز تَعْجِيل الزَّكَاة . قلت : فَحصل الِاسْتِدْلَال إِذن من مَجْمُوع مَا ذَكرْنَاهُ عَلَى جَوَاز التَّعْجِيل ، وَالشَّافِعِيّ يحْتَج بالمرسل إِذا اعتضد بِأحد أُمُور مِنْهَا : أَن يسند من جِهَة أُخْرَى أَو يُرْسل ، أَو يَقُول بِهِ بعض الصَّحَابَة أَو أَكثر الْعلمَاء . وَقد (وجدنَا) هَذِه الْأُمُور ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" مَعْنَاهُ ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة كَمَا سلف ، وَرُوِيَ مُرْسلا وَمُسْندًا كَمَا سلف فِي الحَدِيث (الَّذِي) قبله أَيْضا ، وَقَالَ بِهِ بعض الصَّحَابَة كَمَا سلف عَن ابْن عمر ، وَقَالَ بِهِ أَكثر الْعلمَاء كَمَا أسلفناه عَن (التِّرْمِذِيّ) ، فَللَّه الْحَمد .
|