الحَدِيث الرَّابِع بعد الْأَرْبَعين
" أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج عَام الْفَتْح إِلَى مَكَّة فِي رَمَضَان فصَام حَتَّى بلغ كرَاع الغميم فصَام النَّاس ، ثمَّ دَعَا بقدح من مَاء فرفعه حَتَّى نظر النَّاس ثمَّ شرب ، فَقيل لَهُ بعد ذَلِك : إِن بعض النَّاس قد صَامَ . فَقَالَ : أُولَئِكَ العصاة ، أُولَئِكَ العصاة " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي "صَحِيحه" من حَدِيث جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كَمَا سقته لَك ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : "فَقيل : إِن النَّاس قد شقّ عَلَيْهِم الصّيام ، وَإِنَّمَا ينظرُونَ فِيمَا فعلت . فَدَعَا بقدح من مَاء بعد الْعَصْر" .
والرافعي ذكره (بعد) مُخْتَصرا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَاحْتج الْمُزنِيّ بِجَوَاز الْفطر للْمُسَافِر بعد أَن أصبح صَائِما مُقيما " بِأَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صَامَ فِي مخرجه إِلَى مَكَّة فِي رَمَضَان حَتَّى بلغ كرَاع الغميم ثمَّ أفطر " (وَبَنَى هَذَا) [5/715] الِاحْتِجَاج عَلَى ظَنّه أَن ذَلِك كَانَ فِي يَوْم وَاحِد . قَالَ الْأَصْحَاب : وَهُوَ وهم ؛ فَإِن بَين الْمَدِينَة وكراع الغميم ثَمَانِيَة أَيَّام ، وَالْمرَاد من الحَدِيث أَنه صَامَ أَيَّامًا فِي سَفَره ، ثمَّ أفطر . وَقيل : إِن الْمُزنِيّ تبين لَهُ ذَلِك فَرجع عَن هَذَا الِاحْتِجَاج وَإِن لم يرجع عَن مذْهبه . هَذَا لَفظه ، وَذكر غَيره أَن كرَاع الغميم عِنْد عسفان ، وَأَن بَينه وَبَين الْمَدِينَة نَحْو سَبْعَة أَيَّام ، أَو ثَمَانِيَة .
وَعبارَة بَعضهم أَنه وادٍ أَمَام عُسفان بِثمَانِيَة أَمْيَال ، وَعبارَة الْبكْرِيّ فِي "مُعْجَمه" : كُراع - بِضَم أَوله وبعين مُهْملَة فِي آخِره - منزل من منَازِل بني عبس . وَقَالَ فِي رسم العقيق : الغميم : وادٍ ، والكراع : جبل أسود عَن يسَار الطَّرِيق شَبيه بِالْكُرَاعِ . وَقَالَ صَاحب "الْمطَالع" : كرَاع الغميم : بِفَتْح الْغَيْن وَكسر الْمِيم ، وبضم الْغَيْن أَيْضا وَفتح الْمِيم . وَفرق الْحَازِمِي بَينهمَا فِي "أَسمَاء الْأَمَاكِن" ، فَقَالَ : هُوَ بِفَتْح الْغَيْن ، مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة ، لَهُ ذكر فِي الحَدِيث والمغازي ، وَبِضَمِّهَا وبفتح الْمِيم : وادٍ فِي ديار حَنْظَلَة من بني تَمِيم . وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام خرج إِلَى مَكَّة فِي رَمَضَان (فصَام) حَتَّى بلغ (الكديد) أفطر فَأفْطر النَّاس " . قَالَ أَبُو عبد الله : (الكديد) مَاء بَين عسفان وقديد . وَفِي رِوَايَة لَهُ : " خرج من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة (فصَام) [5/716] حَتَّى بلغ عُسفان ، ثمَّ دَعَا بِمَاء فرفعه إِلَى (فِيهِ يرِيه) النَّاس فَأفْطر حَتَّى قدم مَكَّة ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَان ، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : قد صَامَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَأفْطر ، فَمن شَاءَ صَامَ ، وَمن شَاءَ أفطر " .
فَائِدَة : (هَذَا) الَّذِي وَقع للمزني رَأَيْته فِي الْبُوَيْطِيّ أَيْضا ، وَهَذَا لَفظه : " من أصبح فِي حضر صَائِما ثمَّ سَافر فَلَيْسَ لَهُ أَن يفْطر " إِلَّا أَن يثبت حَدِيث النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ " أَنه أفطر يَوْم (الكديد) " انْتَهَى . وَهُوَ وكراع الغميم متقاربان .