|
الحَدِيث السَّادِس عَن عدي بن حَاتِم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لَهُ : يَا عدي ، إِن طَالَتْ بك الْحَيَاة لترين الظعينة ترتحل من الْحيرَة حَتَّى تَطوف (بِالْكَعْبَةِ) لَا تخَاف إِلَّا الله . قَالَ عدي : فَرَأَيْت ذَلِك " . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" فِي بَاب : عَلَامَات النُّبُوَّة من حَدِيث مُحِل - بِضَم الْمِيم وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة - ابْن خَليفَة ، عَن عدي قَالَ : " بَيْنَمَا أَنا عِنْد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (إِذْ) أَتَاهُ رجل فَشَكا إِلَيْهِ الْفَاقَة ، ثمَّ أَتَاهُ آخر فَشَكا إِلَيْهِ قطع السَّبِيل ، فَقَالَ : يَا عدي ، هَل رَأَيْت الْحيرَة ؟ قلت : لم أرها وَقد أنْبئت عَنْهَا . قَالَ : فَإِن طَالَتْ بك حَيَاة [6/32] لترينَّ (الظعينة) ترتحل من الْحيرَة حَتَّى تَطوف بِالْكَعْبَةِ لَا تخَاف أحدا إِلَّا الله . (قَالَ عدي : فَرَأَيْت الظعينة ترتحل من الْحيرَة حَتَّى تَطوف بِالْكَعْبَةِ لَا تخَاف إِلَّا الله) " . هَذَا لفظهُ مُخْتَصرا ، وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من هَذَا الْوَجْه وَفِيه : " أما قطع السَّبِيل فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْك إِلَّا (قَلِيل) حَتَّى (تخرج) العير من (الْحيرَة) إِلَى مَكَّة بِغَيْر خفير " . وَرَوَاهُ عَن عدي جماعات أُخر : أحدهم ابْن سِيرِين ، رَوَاهُ الدارقطني من حَدِيث عبيد الله بن عمر عَنهُ " أَن عدي بن حَاتِم وقف عَلَى (رَسُول) الله "فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) : يُوشك أَن تخرج الْمَرْأَة من الْحيرَة بِغَيْر (جوَار) أحد حَتَّى تحج " وَلَيْسَ ظَاهر لَفظه يَقْتَضِي أَنه مُسْند (فَتَأَمّله كَمَا) قَالَه صَاحب "الإِمَام" ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" من حَدِيث ابْن سِيرِين ، عَن حُذَيْفَة ، عَن عدي رَفعه : " فوالذي (نَفسِي) بِيَدِهِ ليتمّن الله - عَزَّ وَجَلَّ - هَذَا الْأَمر حَتَّى تخرج الظعينة من [6/33] (الْحيرَة) حَتَّى تَطوف (بِالْبَيْتِ) فِي غير جوَار أحد . قَالَ عدي : فَهَذِهِ الظعينة تخرج من الْحيرَة تَطوف بِالْبَيْتِ فِي غير (جوَار) . ثانيهم : عباد بن حُبَيْش ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث شُعْبَة ، عَن سماك بن حَرْب قَالَ : سَمِعت عباد بن حُبَيْش يَقُول : سَمِعت عدي بن حَاتِم يَقُول : "(جَاءَت خيل) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . " فَذكر حَدِيثا فِيهِ "إِنِّي (لَا أخْشَى) عَلَيْكُم الْفَاقَة ، لينصرنكم الله - تَعَالَى - وليعطينكم - أَو (ليُسَخّرَنَّ) لكم - حَتَّى تسير الظعينة بَين الْحيرَة ويثرب (إِن أَكثر) مَا تخَاف السرق عَلَى ظعينتها" . ثالثهم : مُحَمَّد بن حُذَيْفَة ، رَوَاهُ (الدَّارَقُطْنِيّ) من حَدِيث ابْن عون ، عَن مُحَمَّد قَالَ : حَدثنِي ابْن حُذَيْفَة - شكّ [ ابْن عون [6/34] اسْمه ] مُحَمَّد بن حُذَيْفَة - عَن عدي . فَذكر حَدِيثا ، وَفِي آخِره : ثمَّ قَالَ : أتيت (الْحيرَة) ؟ قلت : لَا ، وَقد علمت مَكَانهَا . قَالَ : فتوشك الظعينة أَن تخرج مِنْهَا بِغَيْر جوَار حَتَّى تَطوف بِالْكَعْبَةِ . قَالَ : فَرَأَيْت الظعينة (تخرج) من الْحيرَة حَتَّى تَطوف بِالْكَعْبَةِ " ، وَقد أسلفنا رِوَايَة هَذَا الحَدِيث ، (عَن) ابْن سِيرِين ، عَن حُذَيْفَة ، من طَرِيق الإِمَام أَحْمد . وَرَوَاهُ الْبَغَوِيّ من حَدِيث [ أبي عُبَيْدَة ] بن حُذَيْفَة ، قَالَ : كنت أسأَل النَّاس عَن عدي بن حَاتِم وَهُوَ إِلَى جَنْبي (لَا أسأله) فَأَتَيْته فَسَأَلته فَقَالَ : "بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . " وَفِيه : "هَل أتيت الْحيرَة ؟ قلت : لم آتِهَا (و) قد علمت مَكَانهَا . قَالَ : توشك الظعينة أَن ترتحل من الْحيرَة بِغَيْر جوَار حَتَّى تَطوف بِالْبَيْتِ " . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الْإِلْمَام" : قيل : سَنَده حسن . رابعهم : عبد الْملك بن عُمَيْر ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي [6/35] إِسْمَاعِيل (الْمُؤَدب) ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر (عَنهُ) ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " ليَأْتِيَن عَلَى النَّاس زمَان تسير الظعينة من مَكَّة إِلَى الْحيرَة لَا يَأْخُذ أحد بِخِطَام راحلتها " . خامسهم : تَمِيم بن عبد الرَّحْمَن ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا ، وَرَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن مجَالد ، عَن الشّعبِيّ عَنهُ . وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث أَيْضا من طَرِيق جَابر بن سَمُرَة . (قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي "علله" ، قَالَ أبي : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق جَابر بن سَمُرَة) ، وَمن طَرِيق عدي بن حَاتِم ، وَهَذَا كَأَنَّهُ (أشبه) . فَائِدَة : الْحيرَة - بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة - (بَلْدَة مَعْرُوفَة بِظهْر الْكُوفَة سكنها مُلُوك قحطان . قَالَه الْحَازِمِي فِي "أماكنه" وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : هِيَ مَدِينَة النُّعْمَان مَعْرُوفَة من بِلَاد الْعرَاق) (قَالَ ابْن دحْيَة : سميت بذلك) لِأَن بخت (نصَّر) لما سلطه الله عَلَى الْعَرَب وقتلهم ، وسبى [6/36] من سَبَى مِنْهُم (فسكن) السَّبي فِي هَذَا الْمَكَان فتحيروا هُنَالك فسُمِّيت : الْحيرَة . وَقَالَ صَاحب "التنقيب" : هِيَ مَدِينَة ملاصقة (للكوفة) سميت بذلك ؛ لِأَن تُبَّع الْأَكْبَر لما قصد خُرَاسَان (ترك) (ضعفة جنده) بِهَذَا الْموضع ، وَقَالَ لَهُم : حِيروا فِيهِ ؛ أَي : أقِيمُوا . قَالَ : وَقيل : أول من نزلها مَالك بن زُهَيْر فَلَمَّا نزلها وَجعلهَا مَسْكَنه وأقطعها (قومه) فسميت (الْحيرَة) لذَلِك . قَالُوا : وثَمَّ حيرة أُخْرَى بخراسان (من) عمل نيسابور ، وَلَيْسَت الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" : هِيَ اسْم مُشْتَرك بَين مَوَاضِع أشهرها هَذَا الْموضع ، وَهُوَ حيرة الْكُوفَة الَّتِي كَانَ ينزلها (الْمُلُوك) إِلَى (نصر) اللخميون ، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا : حيري ، وحاري ، والحيرة محلّة كَانَت بنيسابور كَبِيرَة (ينْسب) إِلَيْهَا طَائِفَة (جمة) من أهل الْعلم ، [6/37] والحيرة قَرْيَة بِأَرْض فَارس ، والحيرة بَلْدَة من أعالي (سقِِي الْفُرَات) قريبَة من (فرغانة) . ثمَّ قَالَ : ذكر هَذِه الْمَوَاضِع ياقوت الْحَمَوِيّ ، (و) رَأَيْتهَا بعد (فِيهِ) . والظعينة : الْمَرْأَة ، وَأَصله الهَوْدَج وتُسمَّى الْمَرْأَة بِهِ ، وَقيل : لَا تسمى إِلَّا الْمَرْأَة الراكبة ، وَكثر حَتَّى اسْتعْمل فِي كل امْرَأَة حَتَّى (يَشْمَل) الْجمل الَّذِي ركب عَلَيْهِ ظَعِينَة ، وَلَا يُقَال ذَلِك إِلَّا لِلْإِبِلِ الَّتِي عَلَيْهَا الهوادج . وَقيل : إِنَّمَا سميت ظَعِينَة ؛ لِأَنَّهُ يظعن (بهَا) ويرحل . (وَعبارَة الْجَوْهَرِي : هِيَ الْمَرْأَة فِي الهودج فَإِن لم تكن فِيهِ فَلَيْسَتْ بظعينة) . والجوار : بِالْكَسْرِ أفْصح من الضَّم . تَنْبِيه : الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : احْتج للقائل بِأَن الْمَرْأَة لَهَا أَن تخرج وَحدهَا عِنْد الْأَمْن بِهَذَا الحَدِيث ، وشُوحِح فِي الدّلَالَة عَلَى ذَلِك . وَقَالُوا : إِنَّمَا هَذَا إِخْبَار عَمَّا سيقع وَلَا يلْزم من إِخْبَار وُقُوعه جَوَازه .
|