الحَدِيث السَّادِس بعد التسعين
رُوي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " مَنْ زارني بعد موتِي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي ، ومَنْ زار قَبْرِي فَلهُ الجَنَّة " .
هَذَا الحَدِيث مَأْخُوذ من حديثين : أَحدهمَا : من حَدِيث هَارُون أبي قزعة ، عَن رجل من آل حَاطِب ، عَن حَاطِب (قَالَ) : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " مَنْ زارني بعد موتِي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي ، ومَنْ مَاتَ فِي أحد الحرمَيْن بُعِثَ من الْآمنينَ يَوْم الْقِيَامَة " .
(أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ كَذَلِك) ، وَهَذَا الرجل مَجْهُول كَمَا (ترَى) ، وَله طَرِيق ثانٍ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بعد وفاتي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي " ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث حَفْص بن أبي دَاوُد ، عَن لَيْث بن أبي [6/294] سُليم ، عَن مُجَاهِد ، عَن (ابْن عمر) ، وَرَوَاهُ ابْن عدي بِلَفْظ : " مَنْ حج (فزارني) بعد موتِي كَانَ كَمَنْ زارني فِي حَياتِي وصحبني " .
وَلَيْث هَذَا حسن الحَدِيث ، ومَنْ ضعَّفه إِنَّمَا ضعَّفه لاختلاطه بِأخرَة ، وَحَفْص هَذَا هُوَ (ابْن سُلَيْمَان ) ، قَالَ ابْن عدي : وَأَبُو الرّبيع الزهْرَانِي يُسَمِّيه حفصَ بن أبي دَاوُد لضَعْفه ، وَهُوَ حَفْص (بن سُلَيْمَان) (الغَاضِرِيّ) الْمُقْرِئ (الإِمَام .
قَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ) (وَوَثَّقَهُ وَكِيع ، قَالَ أَحْمد : صالحُ .
وَفِي رِوَايَة عَنهُ : مَا بِهِ بَأْس) وَقَالَ يَحْيَى بن معِين فِي رِوَايَة أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ : لَيْسَ بشيءٍ ، وَمن أَحَادِيثه : "صنائع الْمَعْرُوف تَقِيّ مصَارِع السوء ، وَصدقَة السِّرِّ تطفئُ غضبَ الرَّبِّ" .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ حَفْص ، وَهُوَ ضَعِيف
.
وَرَوَاهُ أَبُو يعْلى الْموصِلِي بِزِيَادَة "كثير بْنِ شنظير" (بَين) "حَفْص" و "لَيْث" بِلَفْظ : " مَنْ حَجَّ [6/295] فزارني بعد وفاتي (عِنْد) قَبْرِي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي " .
و " كثير " هَذَا من رجال "الصَّحِيحَيْنِ" وإنْ ليَّنَه أَبُو زرْعَة ، وصوَّب ابنُ عَسَاكِر الرِّوَايَة الَّتِي بإسقاطه ، عَلَى أَن "حفصًا" هَذَا تَابعه عليُّ بن الْحسن بن هَارُون الْأنْصَارِيّ .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أَوسط معاجمه" و "أكبرها" من حَدِيث أَحْمد بن رشدين عَنهُ ، عَن اللَّيْث ابْن بنت اللَّيْث بن أبي سليم قَالَ : حَدَّثتنِي جدتي عَائِشَة بنت يُونُس امْرَأَة اللَّيْث ، عَن لَيْث بن أبي سليم ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : " مَنْ زار قَبْرِي كَانَ كَمَنْ زارني فِي حَياتِي " .
ووَهِمَ بَعضهم فَجعل "حَفْصًا" جَعْفَرَ بن سُلَيْمَان الضبعِي ، كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْنُ عَسَاكِر أَبُو اليُمْن بن أبي الْحسن فِي كِتَابه "إتحاف الزائر" ، قَالَ : وَتفرد بقوله : "وصحبني" الحسنُ بْنُ الطّيب ، وَفِيه نظر .
قلت : (و) رُوي أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، رَوَاهُ العقيليُّ فِي "تَارِيخ الضُّعَفَاء" من حَدِيث فضَالة بن سعيد أبي زميل (المأربي) ، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى (المأربي) ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : " مَنْ زارني فِي مماتي (فَكَانَ) كَمَنْ زارني فِي حَياتِي ، ومَنْ زارني حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى قَبْرِي كنت لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شَهِيدا - أَو [6/296] قَالَ : شَفِيعًا" .
قَالَ العقيليُّ : فضَالة بن سعيد عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى لَا يُتابع عَلَى حَدِيثه ، وَلَا يُعْرف إِلَّا بِهِ .
وَفِيه أَيْضا من حَدِيث هَارُون بن قزعة عَن رجل من آل الْخطاب عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " مَنْ زارني (مُتَعَمدا) كَانَ فِي (جِوَاري) يَوْم الْقِيَامَة " .
قَالَ البُخَارِيّ : ( هَارُون ) مديني ، لَا يُتَابع عَلَيْهِ .
وأمَّا الحَدِيث الثَّانِي : فَهُوَ ( مَنْ زار قَبْرِي فَلهُ الجَنَّة ." (فَرَوَاهُ) بِنَحْوِهِ الدَّارَقُطْنِيّ (عَن) القَاضِي الْمحَامِلِي (نَا) عبيد الله بن مُحَمَّد الْوراق ، ثَنَا مُوسَى بن هِلَال الْعَبْدي ، عَن عبيد الله بن عُمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عُمر مَرْفُوعا : " مَنْ زار قَبْرِي وجبتْ لَهُ شَفَاعَتِي " وَهَذَا إِسْنَاد جيد ، لَكِن مُوسَى هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ بعد أَن ذكر أَن جمَاعَة رووا عَنهُ : هُوَ مَجْهُول .
وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي "مُخْتَصر الْمُخْتَصر" عَن : مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الأحمسي ، عَن مُوسَى بن هِلَال الْعَبْدي ، عَن عبد الله بن (عمر ، عَن) نَافِع ، عَن ابْن عمر بِهِ ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يَصح حَدِيث مُوسَى وَلَا يُتَابع عَلَيْهِ .
قَالَ : وَالرِّوَايَة فِي هَذَا الْبَاب فِيهَا لين .
[6/297] (قلت : قد تَابعه عبدُ الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم عَن ابْن عُمر ، أخرجه من طَرِيقه الْبَزَّار كَمَا سَتَعْلَمُهُ) .
وَأما ابْن عدي فَقَالَ : (لَهُ غير هَذَا ، وَأَرْجُو أَنه) (لَا) بَأْس بِهِ .
لَكِن تعقبه ابْنُ الْقطَّان قَالَ : والحقُّ أَنه (لم) تثبت عَدَالَته
.
قَالَ : وَفِيه "الْعمريّ" أَيْضا .
قلت : لَكِن رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِيهَا الْعمريّ المصغر وَهُوَ ثِقَة ، وَكَذَا أخرجه مِنْ هَذَا الْوَجْه الخطيبُ الحافظُ فِي "تَلْخِيص الْمُتَشَابه" بِلَفْظ : " مَنْ زراني بعد موتِي وجبتْ لَهُ شَفَاعَتِي " .
وَذكره عبدُ الْحق فِي "أَحْكَامه" من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ : رَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا .
وَسكت عَلَيْهِ ، فَاعْترضَ عَلَيْهِ ابنُ الْقطَّان بِمَا تقدم ، وَإسْنَاد الْبَزَّار لَيْسَ فِيهِ مُوسَى هَذَا ، وَإِنَّمَا فِيهِ عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن أبي [ عَمْرو ] الْغِفَارِيّ .
قَالَ البزارُّ : حدث بِأَحَادِيث لَا يُتَابع عَلَيْهَا
.
و ( عبد الرَّحْمَن) بن زيد (بن) أسلم ، وَهُوَ ضَعِيف .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" من وَجه آخر ؛ رَوَاهُ من حَدِيث أبي دَاوُد ، نَا سوار بن مَيْمُون أَبُو الجرَّاح الْعَبْدي ، حَدثنِي رجل من آل عمر ، عَن عُمر قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : [6/298] " مَنْ زار قَبْرِي - أَو قَالَ : من زارني - كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا ، وَمن مَاتَ فِي أحد الْحَرَمَيْنِ بَعثه الله فِي الْآمنينَ يَوْم الْقِيَامَة " .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا إِسْنَاد مَجْهُول .
وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : فِي إِسْنَاده نظر .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من حَدِيث عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، (عَن سَالم) عَن ابْن عُمر مَرْفُوعا : " من جَاءَنِي زَائِرًا لَا (تعمله) حَاجَة إِلَّا زيارتي كَانَ حقًّا عليَّ أَن أكون (لَهُ) شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة " .
أخرجه عَن عَبْدَانِ بن (أَحْمد) ، نَا عبد الله بن مُحَمَّد الْعَبَّادِيّ الْبَصْرِيّ ، ثَنَا (مسلمة) بن سَالم الْجُهَنِيّ ، ثَنَا عبيد الله بن عُمر بِهِ ، وَعَزاهُ الضياءُ فِي "أَحْكَامه" إِلَى رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ : " من جَاءَنِي زَائِرًا لَا يَنْزعهُ غير زيارتي ، كَانَ حقًّا عَلَى الله أَن أكون لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة، " ثمَّ قَالَ : رَوَاهُ من رِوَايَة عَبْد الله بن عمر الْعمريّ .
قَالَ الإِمَام أَحْمد : لَا بَأْس بِهِ .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ
.
وَالَّذِي رَأَيْته فِي "الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير" : عُبَيْدَ الله بِالتَّصْغِيرِ كَمَا أسلفْتُه ، فَلَعَلَّهُ فِي غير "المعجم الْكَبِير" وَذكره ابْن السكن فِي "سنَنه [6/299] الصِّحَاح المأثورة" بِلَفْظ : " مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تنزعه حَاجَة إِلَّا زيارتي كَانَ حقًّا عليَّ أَن أكون لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة " وصدَّرَ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" لاستحباب زِيَارَة قَبره - عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - بِحَدِيث أَبَى هُرَيْرَة الْمَرْفُوع : " مَا مِنْ أحد يُسلِّم عليَّ : إِلَّا ردَّ اللَّهُ عليَّ روحي حَتَّى أردَّ عَلَيْهِ السَّلَام " .
(و) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" بِإِسْنَاد جيدٍ ، ثمَّ أردفه بِحَدِيث ابْن عمر السالف .
وَمن ضَعِيف الْبَاب : حَدِيث "مَنْ حَجَّ وَلم يَزُرْني فقد جفاني " ، رَوَاهُ الخطيبُ فِي كتاب "مَنْ رَوَى عَن مَالك" من حَدِيث مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، (و) قَالَ : تفرد بِهِ النُّعْمَان بن شبْل عَن مَالك .
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب (بِحَمْد الله ومنِّه) وَذكر فِيهِ قبل حَدِيث الزِّيَارَة : أَنه يسْتَحبّ الشّرْب من مَاء زَمْزَم ، وَلم يسْتَدلّ لَهُ ، وَرَأَيْت أَن (أتبرع بِهِ) فَأَقُول : هُوَ حَدِيث مَشْهُور ، وَله طَرِيقَانِ : أَحدهمَا : من رِوَايَة عبد الله بن المؤمل ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر رَفَعَهُ : " ماءُ زَمْزَم لِمَا شُربَ لَهُ " .
رَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" ، وابنُ أبي شيبَة فِي "مُصَنفه" ، وابنُ مَاجَه والبيهقيُّ فِي "سنَنَيْهِمَا" ، قَالَ [6/300] الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ عبد الله بن المؤمل .
قلت : لَا ، بل تَابعه إبراهيمُ بن طهْمَان ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر مَرْفُوعا بِهِ ، كَذَا أوردهُ الْبَيْهَقِيّ نَفسه فِي "سنَنه" فِيمَا بعد ، فِي بَاب الرُّخْصَة فِي الْخُرُوج بِمَاء زَمْزَم .
وتَبِعَ فِي الْعبارَة الأولَى العقيليَّ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : رَوَاهُ عبد الله بن المؤمل ، وَلَا يُتابع عَلَيْهِ .
وَكَذَا ابْن حبَان (فَإِنَّهُ) قَالَ ذَلِك (فِي) تَرْجَمته ، وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث "الْمُهَذّب" : إِنَّه حَدِيث حسن ، أخرجه ابنُ مَاجَه .
وأَعَلَّهُ ابْن الْقطَّان بِأبي الزبير عَن جَابر ، وَقَالَ : تَدْلِيس أبي الزبير مَعْلُوم .
قلت : قد صرّح (بِالتَّحْدِيثِ) فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه ، وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب الرُّخْصَة فِي الْخُرُوج بِمَاء زَمْزَم .
قلت : وَله طَرِيق آخر عَن جَابر ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "(شعب) الْإِيمَان" من حَدِيث سُوَيْد بن سعيد ، عَن ابْن الْمُبَارك ، عَن ابْن أبي الموال ، عَن ابْن الْمُنْكَدر ، عَن جَابر مَرْفُوعا ، ثمَّ قَالَ : غَرِيب من حَدِيث ابْن أبي الموال ، تفرد بِهِ سُوَيْد بن سعيد ، عَن ابْن الْمُبَارك ، وَرَوَى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى سُوَيْد بن سعيد قَالَ : " رَأَيْت عبد الله [6/301] ابن الْمُبَارك أَتَى زَمْزَم ، (فاستقى) مِنْهُ شربةً ، واستقبل الْقبْلَة " .
وَقَالَ ابْن أبي الموال : حُدِّثنا عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، عَن جَابر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (قَالَ) : " مَاء زَمْزَم لِمَا شُرِب لَهُ .
وَهَذَا أشربه (لعطش) الْقِيَامَة ، ثمَّ شربه " .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي "طبقاته" : ابْن أبي الموال صَدُوق عِنْدهم ، واسْمه عبد الرَّحْمَن .
قلت : وَذكره الشَّيْخ شرف الدَّين الدمياطي أَيْضا من حَدِيث سُوَيْد بن سعيد أَيْضا قَالَ : "رَأَيْت عبد الله بن الْمُبَارك بِمَكَّة أَتَى مَاء زَمْزَم فاستقى مِنْهُ شربةً ، ثمَّ اسْتقْبل الْكَعْبَة ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِن ابْن أبي الموال نَا عَن مُحَمَّد .
" فَذكره (بِهِ) سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث عَلَى رَسْمِ الصَّحِيح ، فَإِن عبد الرَّحْمَن بن أبي الموال انْفَرد بِهِ البخاريُّ ، وسُويد بن سعيد انْفَرد بِهِ مُسلم .
قلت : لكِنهمْ تكلمُوا فِيهِ .
الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث مُحَمَّد بن حبيب الجارودي ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن ابْن أبي نجيح ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله [6/302] عَنْهُمَا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ ، فَإِن شربته تستشفي شفاكَ الله ، وَإِن شربته مستعيذًا أَعَاذَك الله ، وَإِن شربته لتقطع ظمأك قطعه " .
قَالَ : ( وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذا شرب مَاء زَمْزَم قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك علما نَافِعًا ، وَرِزْقًا وَاسِعًا ، وشفاءً من كل دَاء " .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" ، وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" وَهَذَا لَفظه ، وَلَفظ الدارقطني مثله إِلَى قَوْله : "قَطَعَه" ، وَزَاد : " وَهِي هَزْمة جِبْرِيل ، وسقيا الله عَزَّ وَجَلَّ إِسْمَاعِيل" وأبدل قَوْله : "وَإِن شربته مستعيذًا أَعَاذَك الله" بقوله : "وَإِن شربته (مستشبعًا أشبعك الله) " .
قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد إِن سَلِمَ من مُحَمَّد بن حبيب الجارودي .
قلت : قد سَلِمَ مِنْهُ
؛ قَالَ ابْن الْقطَّان فِي "علله" : مُحَمَّد هَذَا قَدِمَ بغدادَ وحدَّث بهَا ، وَكَانَ صَدُوقًا ، لَكِن الرَّاوِي عَنهُ لَا يُعْرف حَاله وَهُوَ مُحَمَّد بن هِشَام بن عَلّي الْمروزِي .
قلت : لَكِن ظَاهر كَلَام الْحَاكِم يدل عَلَى أَنه (يعرف حَاله) إِذْ لم يتَوَقَّف إِلَّا عَن الجارودي فَقَط .
وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي "الْمِيزَان" : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن [ عمر ] بن الْحسن الْأُشْنَانِي القَاضِي [6/303] صَاحب ذَاك الْمجْلس ، وَضَعفه الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْحسن بن أَحْمد الْخلال ، ويُرْوى عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه كَذَّاب ، وَلم يَصح هَذَا ، وَلَكِن هَذَا الْأُشْنَانِي صَاحب بلايا ، (من) ذَلِك هَذَا الحَدِيث .
ثمَّ سَاقه ، (و) قَالَ : ابْن حبيب صَدُوق ، فآفتُه هُوَ
.
قَالَ : فَلَقد أَثِمَ الدَّارَقُطْنِيّ بسكوته عَنهُ ، فَإِنَّهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد بَاطِل ، مَا رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة قطّ بل الْمَعْرُوف حَدِيث جَابر .
وَفِي "الأذكياء" لِابْنِ الْجَوْزِيّ : عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث : "مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ" فَقَالَ : حَدِيث صَحِيح .
وصحَّ فِي زَمْزَم : " إِنَّهَا مباركة ، إِنَّهَا طعامُ طعم" أخرجه مُسلم فِي "صَحِيحه" ، زَاد أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده : " وشفاء سقم " .