[6/313] بَاب حَجّ الصَّبِي
ذكر فِيهِ حَدِيث ابْن عَبَّاس وَحَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَهُوَ : "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام مر بِامْرَأَة وَهِي فِي محفتها ، فَأخذت بعضد صبي كَانَ مَعهَا ؛ فَقَالَت : أَلِهَذَا حَجّ ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : نعم ، وَلَك أجر " .
وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" مُرْسلا عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة ، عَن كريب مولَى ابْن عَبَّاس : " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر بِامْرَأَة وَهِي فِي محفتها ، فَقيل لَهَا : هَذَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
فأخذتْ بضبعي صبي كَانَ مَعهَا ، فَقَالَت : أَلِهَذَا حج ؟ قَالَ : "نعم ، وَلَك أجر
" .
قَالَ ابْن عبد الْبر : وصل هَذَا الحَدِيث عَن مَالك : ابْن وهب وَالشَّافِعِيّ وَابْن عَثْمَة وَأَبُو (المصعب) وَعبد الله بن يُوسُف التنيسِي ، رَوَوْهُ عَن مَالك ، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة ، عَن كريب ، (عَن) ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
(قلت : وَلَفظ رِوَايَة الشَّافِعِي : "بعضد صبي" بدل "بضبعي صبي" ، وَرَوَاهُ أَحْمد ، عَن سُفْيَان ، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِنَحْوِهِ ، وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة ، عَن كريب ، [6/314] عَن ابْن عَبَّاس ) [ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] "لَقِي ركبًا بِالرَّوْحَاءِ ، فَقَالَ : من الْقَوْم ؟ قَالَ : الْمُسلمُونَ .
فَقَالُوا : من أَنْت ؟ قَالَ : رَسُول الله .
فَرفعت إِلَيْهِ امْرَأَة صبيًّا فَقَالَت : أَلِهَذَا حج ؟ قَالَ : نعم ، وَلَك أجر" .
ثمَّ رَوَاهُ (من حَدِيث سُفْيَان) عَن مُحَمَّد بن عقبَة ، عَن كريب ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : "رفعت امْرَأَة صبيًّا لَهَا ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، أَلِهَذَا حج ؟ قَالَ : نعم ، وَلَك أجر" .
وَمن حَدِيث سُفْيَان ، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة ، عَن كريب : "أَن امْرَأَة رفعت صبيًّا صَغِيرا ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، أَلِهَذَا حج ؟ قَالَ : نعم ، وَلَك أجر " .
وَمن حَدِيث سُفْيَان ، عَن مُحَمَّد بن عقبَة ، عَن كريب ، عَن ابْن عَبَّاس مثله .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ كَلَفْظِ مُسلم الأول ، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" بِأَلْفَاظ ، أَحدهَا : كَرِوَايَة الشَّافِعِي .
ثَانِيهَا : "بَيْنَمَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يمشى فِي بطن الروحاء ، (إِذْ) أقبل وَفد ، فَقَالَ رجل مِنْهُم : من أَنْتُم ؟ فَقَالَ : نَحن الْمُسلمُونَ ، ثمَّ قَالَت امْرَأَة : من أَنْت ؟ قَالَ : أَنا رَسُول الله .
فأخرجت صبيًّا ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، أَلِهَذَا حج ؟ فَقَالَ : نعم ، وَلَك أجر" .
[6/315] ثَالِثهَا : " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صدر من مَكَّة ، فَلَمَّا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ ، استقبله ركب فَسلم عَلَيْهِم ، فَقَالَ : من الْقَوْم ؟ قَالُوا : الْمُسلمُونَ .
من أَنْتُم ؟ (قَالَ) : رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
ففزعتْ امْرَأَة مِنْهُم ، فَرفعت صبيًّا لَهَا من محفة ، وَأخذت بعضده ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، (هَل لهَذَا) حج ؟ قَالَ : نعم ، وَلَك أجر" .
قَالَ إِبْرَاهِيم بن عقبَة : حدثت بِهَذَا الحَدِيث ابْن الْمُنْكَدر ، فحجَّ بأَهْله أَجْمَعِينَ .
وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي "أكبر معاجمه" : " أَن امْرَأَة رفعت صبيًّا لَهَا فِي خرقَة ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ." الحَدِيث .
(و) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث جَابر وَقَالَ : غَرِيب .
فَائِدَة : المِحَفة : بِكَسْر الْمِيم ، وَفتح الْحَاء ، كَذَا قَيده النَّوَوِيّ فِي "شرح المهذَّب" ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث "المهذَّب" : المحفة : بِكَسْر الْمِيم وَبِفَتْحِهَا ، وَهِي شبه الهودج ، إِلَّا أَنه لَا قبَّة عَلَيْهَا .
والرَّوْحاء : بِفَتْح الرَّاء وَإِسْكَان الْوَاو وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة (ممدودة) ، مَوضِع من عمل الفُرْع - بِضَم الْفَاء وَإِسْكَان الرَّاء - (بَينهَا) وَبَين الْمَدِينَة [6/316] النَّبَوِيَّة سِتَّة وَثَلَاثُونَ ميلًا ، كَذَا جَاءَ فِي "صَحِيح مُسلم" من كَلَام طَلْحَة بن نَافِع التَّابِعِيّ الْمَشْهُور ، (و) حَكَى صَاحب "الْمطَالع" (أَن بَينهمَا أَرْبَعُونَ) ميلًا ، وَأَن فِي كتاب ابْن أبي شيبَة : بَينهمَا ثَلَاثُونَ ميلًا .
وَكَانَ سُؤال الْمَرْأَة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا فِي حجَّة الْوَدَاع سنة عشر من الْهِجْرَة ، قبل وَفَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِنَحْوِ ثَلَاثَة أشهر .
ذكره النَّوَوِيّ فِي "شرح المهذَّب" .
تَنْبِيه : قَالَ الرَّافِعِيّ بعد ذَلِك فِي (تَوْجِيهه) الطَّرِيقَة القاطعة بِأَن الْأُم تحرم عَن الصَّبِي : أَنهم احْتَجُّوا بِخَبَر ابْن عَبَّاس هَذَا ، وَقَالُوا : الظَّاهِر أَنَّهَا كَانَت تحرم عَن الَّذِي رفعته فِي محفتها .
انْتَهَى .
أما كَونهَا أمه ، فَهُوَ ظَاهر رِوَايَة ابْن حبَان الثَّانِيَة وَرِوَايَة الطَّبَرَانِيّ أَيْضا ، وَأما أَنَّهَا الَّتِي أحْرمت عَنهُ فَلَيْسَ فِي الرِّوَايَات التَّصْرِيح بذلك ، نعم هُوَ الظَّاهِر كَمَا قَالُوهُ .
وَأما حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " حجَجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ومعنا النِّسَاء وَالصبيان فلبينا عَن الصّبيان ورمينا عَنْهُم " .
فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" وَابْن مَاجَه فِي "سنَنه" من حَدِيث أَشْعَث بن سوار ، عَن أبي الزبير ، عَنهُ (بِهِ) ، وَاللَّفْظ لِابْنِ مَاجَه ، [6/317] وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : " كُنَّا إِذا حجَجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، فَكُنَّا نلبي عَن النِّسَاء ونرمي عَن الصّبيان " .
وَهُوَ حَدِيث مَعْلُول من أوجه ، أَحدهَا : أَن أَشْعَث بن سوار (هَذَا) كوفيّ كِنْديّ ، يعرف بالنجار التوابيتي الأفرق القَاضِي ، من رجال مُسلم مُتَابعَة ، وَلينه جمَاعَة ، قَالَ أَبُو زرْعَة : فِيهِ لين .
وَقَالَ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف .
(وَاخْتلف النَّقْل عَن يَحْيَى فِيهِ فَنقل عَبَّاس عَنهُ أَنه قَالَ فِيهِ : ضَعِيف) .
وَنقل ( ابْن) الدَّوْرَقِي (عَنهُ) أَنه قَالَ : هُوَ ثِقَة .
وَقَالَ ابْن حبَان : فَاحش الْخَطَأ ، كثير الْوَهم .
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : إِنَّه حَدِيث غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه .
وَقَالَ عبد الْحق : أحسن مَا سَمِعت فِيهِ قَول ابْن عدي : لم أجد لَهُ متْنا مُنْكرا ، إِنَّمَا يخلط فِي الْأَسَانِيد فِي الْأَحَايِين
.
الثَّانِي : أَن أَبَا الزبير مُدَلّس ، وَقد عنعن .
الثَّالِث : أَنه مُضْطَرب الْمَتْن ، فمتن التِّرْمِذِيّ فِيهِ كَمَا مر : "نلبي عَن النِّسَاء ونرمي عَن الصّبيان" أَي : يُلَبِّي الرِّجَال عَن النِّسَاء ، ويرمون عَن الصّبيان .
وَلَفظ ابْن مَاجَه كَمَا مر
، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة سَوَاء - أَعنِي : التَّلْبِيَة عَن الصّبيان أَيْضا - وَلم يذكر التَّلْبِيَة عَن النِّسَاء .
قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا أولَى بِالصَّوَابِ وأشبه بِهِ
؛ فَإِن الْمَرْأَة لَا يُلَبِّي عَنْهَا [6/318] غَيرهَا ، أجمع أهل الْعلم عَلَى ذَلِك ، حَكَاهُ هَكَذَا التِّرْمِذِيّ ، قَالَ : وَإِنَّمَا لَا ترفع صَوتهَا بِالتَّلْبِيَةِ فَقَط .
وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي "أَحْكَامه" : لَعَلَّ أَنه يُرِيد أَنه لما كره لَهَا رفع صَوتهَا بِالتَّلْبِيَةِ كَانَ (رفع) أصواتنا بهَا كَأَنَّهَا عَنْهُن ، وَكَأَنَّهُم لبوا عَنْهُن ؛ إِذْ هَذَا الشعار مَقْصُود فِي الْحَج
.