الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين
أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : "لَحْمُ الصَّيْد حَلَال لكم فِي الْإِحْرَام مَا لم تصطادوا (أَو) لم يُصد لكم " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي "سُنَنهمْ" ، وابْنُ حبَان فِي "صَحِيحه" ، وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنَيْهِمَا" من حَدِيث عَمرو بن أبي عَمرو ميسرةَ مولَى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب ، عَن مَوْلَاهُ الْمطلب ، عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : "صَيْدُ البَرِّ لكم حَلَال مَا لم [6/349] تصيدوه أَو يُصَاد لكم " هَذَا لفظ د ، س ، ت ، إِلَّا أَن ت ، س قَالَا : "يصد لكم " بِحَذْف الألِف ، وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وحَذَفَ ابْن حبَان لَفْظَة "لكم" وَلَفظ الْحَاكِم مثل رِوَايَة الْأَوَّلين وَقَالَ : "يُصاد" بالألِف ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : "لحم صيد البَرِّ لكم حَلاَل وَأَنْتُم حرم مَا لم تصيدوه أَو يصاد لكم " .
وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ كهاتين الرِّوَايَتَيْنِ .
وَإسْنَاد هَذَا الحَدِيث إِلَى عَمرو (بن أبي عَمرو) صَحِيح ، وأمَّا عَمرو بن أبي عَمرو فقد ليَّنَهُ جَماعة ، قَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِقَوي وَإِن كَانَ قد رَوَى عَنهُ مَالك .
وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : لَا يحْتَج بحَديثه .
وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِقَوي وَلَيْسَ بحُجَّةٍ .
وَقَالَ السَّعْدِيّ : مُضْطَرب الحَدِيث .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لَيْسَ بالقويّ .
وَقَالَ ابْن الْقطَّان : هُوَ مستضعف ، وَأَحَادِيثه تدل عَلَى حالِهِ .
(وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي "محلاه" : هَذَا خبر سَاقِط لأَجله)
.
وَأَشَارَ الترمذيُّ إِلَى تَضْعِيف الحَدِيث من وَجْهٍ آخَر فَقَالَ : لَا نَعْرِف للمطلَّب سَمَاعا من جابرٍ .
وَقَالَ فِي موضعٍ آخر : قَالَ مُحَمَّد : لَا أعرف للمطلب سَمَاعا من أحدٍ من الصَّحَابَة إِلَّا قَوْله : [6/350] "حدَّثني مَنْ شهد خُطْبةَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " وَسمعت عبد الله بن عبد الرَّحْمَن - يَعْنِي : الدَّارمِيّ - يَقُول : لَا نَعْرف لَهُ سَمَاعا من أحدٍ من الصَّحَابَة .
وطَعَنَ فِي الْمطلب ابْنُ سَعْدٍ فَقَالَ : لَيْسَ يُحتج بحَديثه ؛ لِأَنَّهُ يُرْسل عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كثيرا (و) لَيْسَ لَهُ لِقَاء ، وعامَّة أَصْحَابه يدلِّسُون
.
وَالْجَوَاب عَن هَذِه التعليلات : أما تَضْعِيف عَمرو فَلَا يقبل ؛ فَإِنَّهُ من رجال "الصَّحِيحَيْنِ" ، و "السّنَن الْأَرْبَعَة" رووا عَنهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ ، وَاحْتج بِهِ أَيْضا الإمامُ مَالك ، ورَوى عَنهُ وَهُوَ الْقدْوَة ، وَقد عُلِم من عَادتِهِ أَنه لَا يروي فِي كِتَابه إِلَّا عَن ثِقَة ، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل فِيهِ : لَيْسَ بِهِ بَأْس .
وَقَالَ أَبُو زُرْعة : ثِقَة .
وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَا بَأْس بِهِ .
وَقَالَ ابْن عدي : لَا بَأْس بِهِ ؛ لِأَن مَالِكًا رَوَى عَنهُ ، وَلَا يروي مَالك إلَّا عَن صَدُوق ثِقَة .
وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" وَقَالَ : رُبمَا أَخطَأ ، يُعْتَبَرُ بحَديثه من رِوَايَة الثِّقَات عَنهُ
.
وَهَذَا الحَدِيث كل من رَوَاهُ عَنهُ فَهُوَ ثِقَة ، وَقد أخرجه ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" من جِهَته ، ( والحاكمُ ) فِي "مُسْتَدْركه" وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
قَالَ : وَرَوَاهُ عَن عَمرو يعقوبُ بن عبد الرَّحْمَن الإسْكَنْدراني وَيَحْيَى بن عبد الله بن سَالم ، ومالكُ بْنُ أنسٍ ، وسليمانُ بْنُ بِلَال مسنَدًا مُتَّصِلا ، وهم ثِقَات .
قَالَ : وَلَا يُعلل هَذَا بِحَدِيث الشَّافِعِي ، عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن عَمرو بن أبي عَمْرو ، عَن رجلٍ مِنَ [6/351] الْأَنْصَار ، عَن جَابر مَرْفُوعا ، فَإِن الْأَوَّلين وصَلُوه ، وهم ثِقَات .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : حَدِيث صَحِيح عَن عَمرو بن أبي عَمرو .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" : أَقَامَ ثَلَاثَة من الثِّقَات إِسْنَاد هَذَا الحديثِ عَن عَمرو ، وهُمْ : يَحْيَى بْنُ عبد الله بن سَالم ، ويعقوبُ بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ ، وَسليمَان بن بِلَال .
قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشافعيُّ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (عَن) عَمرو ، وَعَن الثِّقَة عِنْده ، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال ، عَن عَمروٍ .
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أبي دَاوُد ، عَن مَالك (بن) أنس ، عَن عَمرو .
قَالَ : ورَوَاهُ عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي ، عَن عَمرو ، عَن رجل من بني سَلمَة ، عَن جابرٍ مَرْفُوعا .
قَالَ الشَّافِعِي : وَابْن أبي يَحْيَى أحفظ من الدراورديِّ وَسليمَان مَعَ ابْن أبي يَحْيَى .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَكَذَلِكَ يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن وَيَحْيَى بن عبد الله بن سَالم وهما مَعَ سُلَيْمَان من الْأَثْبَات .
قلت : (فَحصل) من ذَلِك كُله تَوْثِيق عَمرو ، (وَتَصْحِيح) هَذَا الحَدِيث ، ومَنْ جرح عَمرو بْنَ أبي (عَمرو) فَلم (يفسِّرْ) جرحه ، وَقد عُرف أَن الْجرْح لَا يقبل إِلَّا مُفَسرًا .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : قَالَ الشَّافِعِي : هَذَا الحَدِيث أَحْسَنُ شَيْء رُوي فِي هَذَا الْبَاب وأَقيس .
وأمَّا إِدْرَاك الْمطلب [6/352] لجابرٍ ، فَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : رَوَى (عَن) جَابر ، وَيُشبه أَن يكون أدْرَكَهُ .
هَذَا كَلَامه ؛ فَحصل شكّ فِي إِدْرَاكه ، وَمذهب مُسلم بن الْحجَّاج الَّذِي ادَّعَى فِي مُقَدّمَة "صَحِيحه" الْإِجْمَاع عَلَيْهِ أَنه لَا يُشْتَرَطُ فِي اتِّصَال الحَدِيث اللِّقَاء (بل) يَكْفِي إِمْكَانه .
والإمكان حَاصِل قطعا ، وَمذهب عَلّي بن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ والأكثرين اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء .
فَعَلَى مَذْهَب مُسلم الحَدِيث مُتَّصِل ، وَعَلَى مَذْهَب الْأَكْثَرين يكون مُرْسل بعض التَّابِعين .
ومرسل التَّابِعِيّ الْكَبِير حُجَّة إِذا اعتضد بِأحد أمورٍ ، مِنْهَا : قَول بعض الصَّحَابَة بِهِ .
وَقد قَالَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَة عثمانُ بْنُ عَفان ، كَمَا نَقله (ابْن) الْمُنْذر عَنهُ .
وَمِنْهَا : أَن يسند من جِهَة أُخْرَى .
وَقد وُجدَ ذَلِك أَيْضا ؛ فقد رَوَاهُ الخطيبُ فِي كتاب "مَنْ رَوى عَن مَالك" من حَدِيث عُثْمَان بن خَالِد الْمدنِي ، نَا مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عُمر (قَالَ) : قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " الصَّيْد يَأْكُلهُ الْمحرم مَا لم يصده أَو يصد لَهُ " .
ثمَّ قَالَ الْخَطِيب : تفرَّد بروايته عُثْمَان عَن مَالك .
قلت : وَعُثْمَان ضعَّفوه ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من [6/353] حَدِيث يُوسُف بن خَالِد (السَّمْتِي) ، عَن عَمرو بن أبي عَمرو ، عَن الْمطلب ، عَن (أبي) مُوسَى الْأَشْعَرِيّ (مَرْفُوعا) : " لحمُ الصَّيْد حَلَال لكم مَا لم تصيدوه أَو يُصَدْ لكم وَأَنْتُم حُرُم " .
ويوسف هَذَا واهٍ .
وَأما الْكَلَام فِي الْمطلب (فقد خَالف) ابْنَ سعد أَبُو زرْعَة فَقَالَ : ثِقَة .
وَكَذَا وثَّقه الدارقطنيُّ وغيرُه
.
فَائِدَة : رِوَايَة : "أَو يصاد لكم" بالألفِ ، لَا إِشْكَال فِيهَا ، وَرِوَايَة مَنْ رَوَى : "أَو يُصَدْ" بحذفها ، جَائِزَة عَلَى لُغَة ، وَمن ذَلِك : قَوْله تَعَالَى : إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ عَلَى قِرَاءَة من قَرَأَ بِالْيَاءِ ، وَمِنْه قَول الشَّاعِر :
ألم يأتيك والأنباء تنمي
بِمَا لاقتْ لَبُونُ بني زِياد