|
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ " أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حمى النَّقيع لإبل الصَّدَقَة ونِعَمَ الْجِزْيَة " . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ بلاغًا ، وَأحمد وَأَبُو دَاوُد مُتَّصِلا ، أما البُخَارِيّ فساق من حَدِيث الصعب بن جَثَّامة رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : "لَا حمى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ " . وَقَالَ : "بلغنَا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حمى النَّقيع ، وَأَن عمر حمى الشّرف والربذة " . وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ ، وَوَقع فِي " الْإِلْمَام " أَنه مُتَّفق عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِك ، وَقد ذكر هُوَ فِي أَوَاخِر " اقتراحه " فِي أَحَادِيث عَلَى شَرط [6/374] الصَّحِيحَيْنِ وَلم يخرجاها . نعم هُوَ فِي البُخَارِيّ كَمَا قَرّرته لَك ، وَوَقع فِي هَذَا الْوَهم ابْن الرّفْعَة فِي "مطلبه" . وَأما أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد فَإِنَّهُمَا أَخْرجَاهُ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ، عَن ابْن شهَاب ، عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود ، عَن ابْن عَبَّاس عَن الصَّعْب بن جَثَّامة " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حمى النقيع ، وَقَالَ : لَا حمى إِلَّا للهِ عَزَّ وجَلَّ " . هَذَا لفظ أبي دَاوُد ، وَلَفظ أَحْمد : "إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ" . وَأخرجه الْحَاكِم أَبُو عبد الله بِلَفْظ أَحْمد ثمَّ قَالَ : حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . هَكَذَا ! إِنَّمَا اتفقَا عَلَى حَدِيث يُونُس بِإِسْنَادِهِ : " لَا حمى إِلَّا لله وَرَسُوله " هَذَا لَفظه وَقد علمت أَن [ البُخَارِيّ ] رَوَاهُ وَحده . وَذكر الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث فِي "سنَنه" ، ثمَّ قَالَ : قَالَ البُخَارِيّ : هَذَا وهم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ قَوْله : "حمى النقيع" من قَول الزُّهْرِيّ ، وَكَذَا قَالَه ابْن أبي الزِّنَاد عَن [ عبد الرَّحْمَن ] بن الْحَارِث . قلت : سِيَاق أبي دَاوُد يُخَالف مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ، وَجعل عبد الْحق فِي جمعه بَين الصَّحِيحَيْنِ فِي بَاب النَّهْي عَن بيع فضل المَاء (إِلَّا لَفظه قَالَ وبلغنا قَول البُخَارِيّ) فَقَالَ : وَقَالَ [6/375] البُخَارِيّ : بلغنَا "أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حمى النيقع . " إِلَى آخِره . وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة عَلَى ذَلِكَ فِي "مطلبه" . وَفِي "مُسْند" أَحْمد ، و "صَحِيح ابْن حبَان" رِوَايَة هَذَا الحَدِيث أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حمى النقيع لخيل الْمُسلمين" . وَقَالَ الشَّافِعِي فِي "الْأُم" : الَّذِي عَرفْنَاهُ بِهِ نصًّا وَدلَالَة فِيمَا حمى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - "أَنه حمى النقيع" . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : أَنا غير وَاحِد من أهل الْعلم "أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (أَنه) حمى النقيع ، وَأَن عمر حمى الشّرف والربذة" . فَائِدَة : النقيع - الْمَذْكُور فِي هَذَا الحَدِيث - هُوَ بالنُّون ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، قَالَ صَاحب الْمطَالع : اخْتلفت الروَاة فِي ضَبطه فقيده جماعات بالنُّون . وَكَذَا ذكره الْهَرَوِيّ والخطابي ، قَالَ الْخطابِيّ : وَقد صحفه بعض أَصْحَاب الحَدِيث فقاله بِالْبَاء ، وَهَذَا خطأ ، إِنَّمَا الَّذِي بِالْبَاء بَقِيع الْغَرْقَد مدفن أهل الْمَدِينَة . قَالَ : وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ : هُوَ بِالْبَاء مثل بَقِيع الْغَرْقَد . قَالَ صَاحب "الْمطَالع" : ومساحته مثل بريد ، وَفِيه شجر كَبِير حَتَّى يغيب الرَّاكِب فِيهِ . قلت : وَجزم الْحَازِمِي فِي "مؤتلفه" بِأَنَّهُ بالنُّون ، قَالَ : وَهُوَ من ديار مزينة ، قَالَ : وَهُنَاكَ لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَسْجِد . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي "تهذيبه" : [6/376] عَلَى نَحْو عشْرين ميلًا من الْمَدِينَة ، وَهُوَ فِي صدر وَادي العقيق . والشرف : قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي "حَوَاشِيه" : قَيده بَعضهم بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَبَعْضهمْ بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء الْمُهْملَة ، قَالَ : وَالثَّانِي هُوَ الصَّوَاب .
|