الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين
" أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نَادَى عَلَى قدح وحلس لبَعض أَصْحَابه ، فَقَالَ رجل : هما عليَّ بدرهم . ثمَّ قَالَ آخر : هما عليَّ بِدِرْهَمَيْنِ .
فَقَالَ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هما لَك بِدِرْهَمَيْنِ " .
هَذَا الحَدِيث أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي فِي "الرسَالَة" كَمَا نَقَلْنَاهُ عَنهُ آنِفا ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" من حَدِيث الْأَخْضَر بن عجلَان ، قَالَ : حَدَّثَني أَبُو بكر الْحَنَفِيّ ، عَن أنس بن مَالك " أَن رجلا من الْأَنْصَار أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَشَكا إِلَيْهِ الْحَاجة ، فَقَالَ لَهُ : مَا عنْدك شَيْء ؟ فَأَتَاهُ بقدح وحلس ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من يَشْتَرِي هَذَا ؟ فَقَالَ رجل : أَنا آخذهما بدرهم ، قَالَ : من يزِيد عَلَى دِرْهَم ؟ فَسكت الْقَوْم ، فَقَالَ : من يزِيد عَلَى دِرْهَم ؟ فَقَالَ رجل : أَنا آخذهما بِدِرْهَمَيْنِ .
فَقَالَ : هما لَك .
ثمَّ قَالَ : إِن الْمَسْأَلَة لَا تحل إِلَّا لأحد ثَلَاث : لذِي دم موجع أَو غرم مفظع ، أَو فقر مدقع
" .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الزَّكَاة من "سنَنه" من هَذَا الْوَجْه عَن أنس " أَن رجلا من الْأَنْصَار أَتَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يسْأَله ، قَالَ : أما فِي بَيْتك شَيْء ؟ فَقَالَ : بلَى حلْس نلبس بعضه ونبسط بعضه ، وَقَعْب نشرب فِيهِ من المَاء .
قَالَ : ائْتِنِي بهما .
فَأَتَاهُ بهما [ فَأَخذهُمَا ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِيَدِهِ ، [6/515] وَقَالَ : من يَشْتَرِي هذَيْن ؟ قَالَ رجل : أَنا آخذهما بدرهم .
قَالَ : من يزِيد عَلَى دِرْهَم ؟ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ، قَالَ رجل : آخذها بِدِرْهَمَيْنِ .
فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاه، " ثمَّ سَاق الْبَاقِي أبسط مِمَّا تقدم ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع من هَذَا الْوَجْه مُخْتَصرا بِقصَّة البيع ، وَكَذَا النَّسَائِيّ ، نعم ذكره ابْن عبد الْبر فِي "كناه" وَلم ينْسبهُ ، وَنقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ : لم يَصح حَدِيثه .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي أَبْوَاب التِّجَارَات من "سنَنه" مطولا بِنَحْوِ لفظ أبي دَاوُد ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث الْأَخْضَر بن عجلَان .
قلت : هُوَ (من غَرَائِبه) ، وَقد وَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد : لَا أرَى بِهِ بَأْسا .
وَقَالَ أَبُو حَاتِم : يكْتب حَدِيثه
.
قَالَ عبد الْحق فِي "أَحْكَامه" : وَأَبُو بكر [ رَاوِيه ] عَن أنس لم أجد أحدا ينْسبهُ ، قلت : قد قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" إِنَّه عبد الله الْحَنَفِيّ ، قَالَ ابْن الْقطَّان : وَعبد الله لَا أعرف أحدا نقل عَدَالَته وَهُوَ علّة الْخَبَر وَلذَلِك حسنه التِّرْمِذِيّ .
وَتبع الذَّهَبِيّ ابْن الْقطَّان فَقَالَ فِي "الْمُغنِي" : [6/516] إِنَّه تَابِعِيّ مَجْهُول .
نعم ذكره ابْن عبد الْبر فِي "كناه" وَلم ينْسبهُ ، وَنقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ : لم يَصح حَدِيثه
.
ثمَّ أعلّه ابْن الْقطَّان بِأَمْر آخر ، فَقَالَ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي "علله" من حَدِيث مُعْتَمر بن سُلَيْمَان ، عَن الْأَخْضَر ، عَن أبي بكر الْحَنَفِيّ ، [ عَن أنس بن مَالك ] ، عَن رجل من الْأَنْصَار " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بَاعَ حلسًا وَقَدحًا فِيمَن يزِيد، " ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ : كَذَا قَالَ مُعْتَمر عَن الْأَخْضَر .
قَالَ ابْن الْقطَّان : كَأَن أنسا لم يُشَاهد الْقِصَّة [ و ] لم يسمع مَا فِيهَا عَن رَسُول الله فَيكون مَا عَداهَا مُرْسل .
فَائِدَة : الحِلَْس بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَإِسْكَان اللَّام وَفتحهَا .
حَكَاهَا أَبُو عبيد قَالَ : وأحلاس الْبَيْت مَا يبسط فِيهِ تَحت الثِّيَاب ، وَقد قيل : هُوَ المُرَاد من هَذَا الحَدِيث .
قلت : وَقد قيل فِيهِ غير هَذَا كَمَا أوضحته فِي تخريجي أَحَادِيث "الْمُهَذّب" فَليُرَاجع مِنْهُ ، والجوهري فسره بكساءٍ رَقِيق يكون تَحت برذعة الْبَعِير .
قَالَ : وَيُقَال أَيْضا : حَلَس بِفَتْح الْحَاء وَاللَّام .