|
الحَدِيث الرَّابِع قَالَ الرَّافِعِيّ : الأَصْل فِي خِيَار الشَّرْط الْإِجْمَاع ، وَمَا رُوِيَ عَن [6/537] ابْن عمر " أَن رجلا ذكر لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه يُخدع فِي الْبيُوع ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا بَايَعت فَقل : لَا خلابة " . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" كَذَلِك ، وَفِي لفظ : " فَكَانَ إِذا بَايع يَقُول : لَا (خِيابة) " ، وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب "السّنَن الْأَرْبَعَة " ، وَالْحَاكِم من حَدِيث أنس بِنَحْوِهِ ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث صَحِيح غَرِيب . وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَذكر أَن ذَلِكَ الرجل كَانَ حبَان بن منقذ ، أَصَابَته آمة فِي رَأسه ، فَكَانَ يخدع فِي البيع ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " إِذا بَايَعت فَقل : لَا خلابة . وَجعل لَهُ الْخِيَار ثَلَاثًا " قلت : هَذَا أحد الْقَوْلَيْنِ فِيهِ ، وَبِه جزم ابْن الطلاع فِي "أَحْكَامه" ، وَورد كَذَلِك مُصَرحًا فِي بعض رِوَايَات هَذَا الحَدِيث ، وَفِي بَعْضهَا أَنه وَالِده منقذ ، وَجزم (بِهِ) عبد الْحق فِي "جمعه بَين الصَّحِيحَيْنِ" ، وَتردد فِي ذَلِكَ الْخَطِيب فِي "مبهماته" ، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي (تلقيحه) . وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْأَشْهر [6/538] الْأَصَح الثَّانِي . كَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي "تَارِيخه" ، وَلم يذكر غَيره ، وَهَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا الرَّافِعِيّ ، رَوَاهَا ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي "سُنَنهمَا" ، (وَلَفْظهمَا) : " ثمَّ أَنْت فِي كل سلْعَة ابتعتها بِالْخِيَارِ ثَلَاث لَيَال ، فَإِن رضيت فَأمْسك ، وَإِن سخطت فارددها عَلَى صَاحبهَا " ، وَقد ذكرت طرق هَذَا الحَدِيث مستوفاة فِي "تخريجي لأحاديث الْوَسِيط" بِزِيَادَة فَوَائِد ، فَرَاجعهَا مِنْهُ ، فَإِنَّهَا من الْمُهِمَّات . وحَبَّان هَذَا بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة بِلَا خلاف ، وَمن كسر حاءه فقد صحف ، و "منقذ" بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة ، و "الآمة" بتَشْديد الْمِيم وَالْمدّ ، كَذَا قَيده الصغاني وصاحبا "الْمُحكم" و "الْمَشَارِق" ، وَمَعْنى "لَا خلابة" : لَا خديعة أَي لَا يحل لَك خديعتي وَلَا تلزمني خديعتك . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة "وَجعل (لَهُ) ذَلِكَ ثَلَاثَة أَيَّام" . وَفِي رِوَايَة فَقل : "لَا خلابة ، وَلَك الْخِيَار ثَلَاثًا" ، وَهَذِه الرِّوَايَات كلهَا فِي كتب الْفِقْه ، وَلَا تلقى فِي مشهورات كتب الحَدِيث سُوَى الرِّوَايَة المقتصرة عَلَى قَوْلهم "لَا خلابة" ، ثمَّ قَالَ بعد قَلِيل : وَأما (اللَّفْظَة) المروية فِي "الْوَجِيز" وَهِي قَوْله "(ولي) الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام" فَلَا تكَاد تُوجد فِي كتاب حَدِيث وَلَا فقه ، نعم فِي "شرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ" للموفق ابْن طَاهِر "قل : لَا خلابة ، وَاشْترط الْخِيَار ثَلَاثًا" ، وهما متقاربان (فِي كتاب الْحَج وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : "وَاشْترط الْخِيَار ثَلَاثًا" وَالْمرَاد الْأَيَّام والليالي) ، وَكَذَا قَالَ فِي "تذنيبه" : أَن قَوْله : "وَلَك الْخِيَار ثَلَاثًا" لَا [6/539] ذكر لَهُ فِي الرِّوَايَات ، وَقَالَ فِي "الشَّرْح الصَّغِير" : لَا تكَاد تُوجد فِي كتب الحَدِيث ، وَأَقُول : إِنَّمَا قَوْله : "وَلَك الْخِيَار ثَلَاثًا" فرواها الْحميدِي فِي "مُسْنده" عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر "أَن منقذًا سفع فِي رَأسه فِي الْجَاهِلِيَّة مأمومة فخبلت لِسَانه ، فَكَانَ إِذا بَايع يخدع فِي البيع ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بَايع ، وَقل : لَا خلابة ، وَأَنت بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا . قَالَ ابْن عمر : فَسَمعته يُبَايع وَيَقُول : لَا خدابة لَا خدابة" ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" شَاهدا لحَدِيث عقبَة بن عَامر "عُهْدَة الرَّقِيق أَربع لَيَال" ، وَفِي رِوَايَته "حبَان" بدل "منقذ" ، وَأَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جعل لَهُ الْخِيَار فِيمَا اشْتَرَى ثَلَاثًا . وَرَوَاهَا البُخَارِيّ فِي "تَارِيخه" وَصرح فِيهِ بتصريح ابْن إِسْحَاق بِالتَّحْدِيثِ ، وَقَالَ : "منقذ" بدل "حبَان" وَلَفظه : "إِذا بِعْت فَقل : لَا خلابة ، وَأَنت فِي كل سلْعَة ابتعتها بِالْخِيَارِ ثَلَاث لَيَال . " الحَدِيث ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" بِدُونِ التحديث ، وَقَالَ : "بِعْ ، وَقل : لَا خلابة" ، ثمَّ قَالَ : رُوَاته ثِقَات ، وَأما الرِّوَايَة الأولَى فرواها الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث طَلْحَة بن يزِيد بن ركَانَة ، " أَنه كلم عمر بن الْخطاب فِي الْبيُوع ، فَقَالَ : لَا أجد لكم شَيْئا أوسع مِمَّا جعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لحبان بن منقذ ، إِنَّه كَانَ ضَرِير الْبَصَر فَجعل لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عُهْدَة ثَلَاثَة أَيَّام ، إِن رَضِي أَخذ ، وَإِن سخط (تَركه) " . وَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ثمَّ قَالَ : تفرد بِهِ ابْن لَهِيعَة . وَهُوَ ضَعِيف بإجماعهم . وَأما رِوَايَة "وَاشْترط الْخِيَار ثَلَاثًا" فَغَرِيبَة ، قَالَ ابْن الصّلاح : (مُنكرَة) لَا [6/540] أصل لَهَا . تَنْبِيه : قَالَ الرَّافِعِيّ بعد ذَلِكَ : أما جَوَاز اشْتِرَاط الْخِيَار للْمُشْتَرِي فلحديث حبَان ، وَأما للْبَائِع أَوْ لَهما فبالقياس عَلَيْهِ ، وَمَا ذكره من أَن الحَدِيث ورد فِي حق المُشْتَرِي لَيْسَ كَذَلِك فاعلمه . تَنْبِيه (آخر) : من الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق من حَدِيث أبان بن أبي عَيَّاش - الْمَتْرُوك - عَن أنس " أَن رجلا اشْتَرَى من رجل بَعِيرًا وَاشْترط الْخِيَار أَرْبَعَة أَيَّام ، فَأبْطل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - البيع وَقَالَ : الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام " .
|