الحَدِيث الْخَامِس
أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم " .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق أَحدهَا : عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم " ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث كثير بن زيد ، عَن الْوَلِيد بن رَبَاح ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِهِ ، وَكثير هَذَا هُوَ مولَى الأسلميين ، وَفِيه مقَال .
قَالَ أَبُو زرْعَة : صَدُوق فِيهِ لين .
وَاخْتلف قَول يَحْيَى بن معِين فِيهِ ، فضعفّه مرّة وَوَثَّقَهُ أُخْرَى ، وَضَعفه النَّسَائِيّ ، وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان ، وَأخرج لَهُ فِي "صَحِيحه" كَمَا ستعلمه فِي كتاب الصُّلْح ، وتحامل عَلَيْهِ ابْن حزم فوهاه ، وخلط بَينه وَبَين غَيره فجلعهما وَاحِدًا كَمَا ستعلمه هُنَاكَ إِن شَاءَ الله ، وَقَالَ عبد الْحق : هُوَ ضَعِيف عِنْدهم وَإِن كَانَ قد رَوَى عَنهُ جلة
.
والوليد بن رَبَاح ادَّعَى ابْن حزم جهالته وَتَبعهُ عبد الْحق فَقَالَ : لَا أعلم رَوَى عَن الْوَلِيد إِلَّا كثير بن زيد ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَا ، فقد رَوَى عَنهُ ابناه مُحَمَّد وَمُسلم .
وَقَالَ أَبُو [6/553] حَاتِم فِي حَقه : صَالح .
وَرَوَى عَن أبي هُرَيْرَة وَسَهل بن حنيف وَغَيرهمَا
.
قَالَ ابْن الْقطَّان : وَيَنْبَغِي أَن يُقَال فِيهِ : حسن لما بِكَثِير بن زيد من الضعْف وَلَو كَانَ صَدُوقًا .
قلت : قد أخرجه الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" ، ثمَّ قَالَ : رُوَاة هَذَا الحَدِيث مدنيون وَلم يخرجَاهُ .
قَالَ : وَله شَاهد من حَدِيث أنس وَعَائِشَة فذكرهما وسيأتيان .
ثَانِيهَا : عَن كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف ، عَن أَبِيه ، عَن جده مَرْفُوعا بِهِ وَزِيَادَة " إِلَّا شرطا حرم حَلَالا أَو أحل حَرَامًا " ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه ، وَفِي نسخةٍ تَصْحِيحه وستعلم مَا فِيهِ فِي كتاب الصُّلْح إِن شَاءَ الله .
ثَالِثهَا : عَن أنس رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم مَا وَافق الْحق من ذَلِكَ "
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث خصيف ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن أنس مَرْفُوعا بِهِ (و) رَوَاهُ الْحَاكِم شَاهدا لحَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف ، وخصيف مُخْتَلف فِيهِ كَمَا سلف فِي الْحَج ، وَقَالَ ابْن عدي : إِذا حدث عَنهُ ثِقَة فَلَا بَأْس بِهِ .
قلت : قد حدث عَنهُ بِهَذَا الحَدِيث مُتَّهم وَهُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن البالسي ، لَا جرم قَالَ ابْن الْقطَّان : خصيف ضَعِيف ، والراوي عَنهُ هُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن يروي عَنهُ أَحَادِيث هِيَ كذب مَوْضُوعَة
.
قَالَه أَحْمد بن حَنْبَل .
[6/554] رَابِعهَا : عَن عَائِشَة رَضي اللهُ عَنها مَرْفُوعا : مثل (الحَدِيث) الَّذِي قبله سَوَاء ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث خصيف ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا بِهِ ، وَكَذَا الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" شَاهدا لحَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف .
قلت : وَرُوِيَ مُرْسلا من طَرِيق عمر بن عبد الْعَزِيز ، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ، عَن يَحْيَى بن أبي زَائِدَة ، عَن عبد الْملك ، عَن عَطاء بلغنَا أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم " .
وَرَوَاهُ ابْن حزم من طَرِيق عبد الْملك بن حبيب الأندلسي ، حَدَّثَني الْحزَامِي ، عَن مُحَمَّد بن عمر ، عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم ، عَن عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم " وَعبد الْملك هَذَا هَالك ، قَالَ ابْن حزم : رِوَايَته سَاقِطَة مطرحة .
وَهُوَ عَالم مُصَنف (الْوَاضِحَة) عَلَى مَذْهَب مَالك ، وَلكنه كَانَ كثير الْوَهم وَرُبمَا تعمد الْكَذِب (لنصر) التَّقْلِيد ، وَفِيه مَعَه مُحَمَّد بن عمر وَهُوَ الْوَاقِدِيّ ، وحاله مَعْلُوم وَعبد الرَّحْمَن شَيْخه ، قَالَ البُخَارِيّ : رَوَى عَنهُ عجائب .
فَهَذِهِ ثَلَاث علل مَعَ الْإِرْسَال ، وَأَقْوَى طرقه المسندة عَلَى علاته الطَّرِيق الأول ثمَّ الثَّانِي ، وَالْبَاقِي شَوَاهِد
.