[6/593] بَاب اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين
ذكر فِيهِ حَدِيثا وَاحِدًا وَهُوَ :
حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فَالْقَوْل قَول البَائِع والمبتاع بِالْخِيَارِ " .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضي اللهُ عَنهُ : أَحدهَا : عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ : " حضرت أَبَا (عُبَيْدَة) بن عبد الله بن مَسْعُود وَأَتَاهُ رجلَانِ تبَايعا سلْعَة فَقَالَ هَذَا : أخذت بِكَذَا وَكَذَا . وَقَالَ (هَذَا) : بِعْت بِكَذَا (وَكَذَا) ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : أُتِي (عبد الله) بن مَسْعُود فِي مثل هَذَا فَقَالَ : "حضرت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي مثل هَذَا فَأمر بالبائع أَن يسْتَحْلف ، ثمَّ يُخَيّر (الْمُبْتَاع) إِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك " ، رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سعيد بن سَالم ، وَالْإِمَام أَحْمد فِي "مُسْنده" عَن الشَّافِعِي عَن سعيد بن سَالم عَن ابْن جريج أَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة أخبرهُ عَن [6/594] عبد الْملك بِهِ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمَا كَذَلِك ، وَهُوَ ضَعِيف لأجل انْقِطَاعه ؛ فَإِن أَبَا (عُبَيْدَة) لم يدْرك أَبَاهُ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : حَدِيث أبي (عُبَيْدَة) هَذَا إِن (كَانَ) سعيد بن سَالم حفظ عبد الْملك بن عُمَيْر فِي إِسْنَاده فَهُوَ جيد لَا بَأْس بِهِ إِلَّا أَنه مُرْسل .
أَبُو (عُبَيْدَة) لم يسمع من أَبِيه ، وَفِي "علل الدَّارَقُطْنِيّ " قيل لَهُ : سَماع أبي (عُبَيْدَة) عَن أَبِيه صَحِيح ؟ قَالَ : مُخْتَلف فِيهِ .
قَالَ : وَالصَّحِيح عِنْدِي أَنه لم يسمع مِنْهُ ، وَلكنه كَانَ صَغِيرا بَين يَدَيْهِ
، و (خَالفه) الْحَاكِم فَأخْرج هَذِه الطَّرِيقَة فِي "مُسْتَدْركه" ، وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَفِيه النّظر الْمَذْكُور .
وَكَذَا ابْن السكن ، فَإِنَّهُ أخرجه فِي "صحاحه" ، ثمَّ اعْلَم أَنه وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عبد الْملك بن عبيد (وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من غير طَرِيق الشَّافِعِي : أبي عُبَيْدَة .
وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بعد أَن ذكر الحَدِيث من طَرِيق هِشَام عَن ابْن جريج عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر) وَقَالَ أبي : قَالَ حجاج الْأَعْوَر : عبد الْملك [6/595] ابن عُبَيْدَة .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "الْمعرفَة" : هُوَ الصَّوَاب .
قَالَ : وَقد رَوَاهُ يَحْيَى بن سليم عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر كَمَا قَالَ سعيد بن سَالم ، وَرِوَايَة هِشَام بن يُوسُف وحجاج عَن ابْن جريج أصح .
كَذَا قَالَ ، وَالَّذِي فِي رِوَايَة حجاج مُخَالف لرِوَايَة هِشَام كَمَا ذكره هُوَ ، فَإِن رِوَايَة حجاج : عبد الْملك بن عُبَيْدَة كَمَا مر ، وَرِوَايَة هِشَام : عبد الْملك بن عُمَيْر ، وَظَاهر كَلَام البُخَارِيّ فِي "تَارِيخه" أَنه عبد الْملك بن عبيد ؛ فَإِنَّهُ قَالَ عبد الْملك بن عبيد عَن بعض ولد عبد الله بن مَسْعُود ، رَوَى عَنهُ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة ، مُرْسل ، وَذكر بعده عبد الْملك بن عُمَيْر الْكُوفِي ، سمع عبد الله وَرَأَى الْمُغيرَة وَعنهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن عبد الْملك بن عُمَيْر أَيْضا عَن بعض بني عبد الله بن مَسْعُود عَن عبد الله بن مَسْعُود مَرْفُوعا : " إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ وَلَيْسَ بَينهمَا شَاهد - وَفِي لفظ بَيِّنَة - اسْتحْلف البَائِع ، ثمَّ كَانَ الْمُبْتَاع بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك " ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث يَحْيَى بن سليم عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الْملك بِهِ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سعيد بن مسلمة عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الْملك (بن) عُبَيْدَة عَن ابْن لعبد الله بن مَسْعُود عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا " إِذا اخْتلف (البيعان) وَلَا شَهَادَة بَينهمَا اسْتحْلف البَائِع ... " إِلَى آخِره ، [6/596] وَبَعض بني عبد الله لَا يدْرِي من هُوَ .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن عون بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه مَرْفُوعا : "إِذا اخْتلف البيعان ... " الحَدِيث بِلَفْظ الرَّافِعِيّ سَوَاء ، رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي "الْمُخْتَصر" فَقَالَ : أبنا سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَن عون فَذكره ، وَذكره فِي "الْأُم" "بِغَيْر إِسْنَاد وَقَالَ : هَذَا حَدِيث مَقْطُوع عَن ابْن مَسْعُود .
وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ لِأَن عونًا لم يدْرك ابْن مَسْعُود كَمَا قَالَه التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" كَذَلِك .
الطَّرِيق الرَّابِع : عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا : " إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ اسْتحْلف البَائِع و (كَانَ) الْمُبْتَاع بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك " ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن مُوسَى بن عقبَة ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن الْقَاسِم بِهِ ، وَفِي رِوَايَة لَهُ " إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي البيع ، والسلعة كَمَا هِيَ لم تستهلك ، فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع ، أَو يترادان البيع " وَهَذَا ضَعِيف ، إِسْمَاعِيل فِيهِ مقَال لا سيما إِذا رَوَى عَن أهل الْحجاز ، وَابْن أبي لَيْلَى قد عرفت حَاله فِي (ضَبطه وَأَنه بِسَبَبِهِ ) . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَمَعْنى الحَدِيث أَن الْمُبْتَاع بِالْخِيَارِ بَين إِمْسَاكه بِمَا حلف عَلَيْهِ البَائِع وَبَين أَن يحلف عَلَى مَا يَقُوله انْتَهَى . وَقد عرفت فِي هَذِه الطّرق تَفْسِير الْخِيَار بِالْأَخْذِ أَو [6/597] بِالتّرْكِ ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي هَذَا الحَدِيث : " إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ تحَالفا " .
قلت : هَذِه رِوَايَة غَرِيبَة عَلَى هَذَا النمط ، لم أرها كَذَلِك فِي شَيْء من كتب الحَدِيث ، ثمَّ قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ : " إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ تحَالفا (و) ترادا " .
قلت : وَهَذِه رِوَايَة غَرِيبَة أَيْضا ، لم أَجدهَا فِي شَيْء من كتب الحَدِيث بعد الْبَحْث التَّام ، والرافعي تبع فِيهَا الْغَزالِيّ فَإِنَّهُ أوردهَا كَذَلِك فِي "وسيطه" ، وَالْغَزالِيّ تبع إِمَامه فَإِنَّهُ اسْتدلَّ بهَا فِي "أساليبه" وَأفَاد الرَّافِعِيّ فِي كِتَابه "التذنيب" أَن هَذِه الرِّوَايَة لَا ذكر لَهَا فِي كتب الحَدِيث ، وَإِنَّمَا تُوجد فِي كتب الْفِقْه ، وَالْعجب مِنْهُ أَنه يسْتَدلّ بهَا فِي "شرحيه" مَعَ قَوْله هَذَا الْكَلَام .
نعم (التراد) بِدُونِ التَّحْلِيف ورد فِي هَذَا الحَدِيث من طرق إِحْدَاهَا : عَن ابْن مَسْعُود أَنه كَانَ يحدث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : " أَيّمَا بيعين تبَايعا فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان " ، رَوَاهُ مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" أَنه بلغه عَن ابْن مَسْعُود ... فَذكره ، وَهَذَا ضَعِيف لانقطاعه .
ثَانِيهَا : عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا : " إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة ، فَالْقَوْل مَا يَقُول صَاحب السّلْعَة أَو يترادان " ، رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي مُسْند أَبِيه ، وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا بِلَفْظ : " إِذا اخْتلف البيعان والسلعة كَمَا هِيَ فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان " ، وَهُوَ ضَعِيف أَيْضًا لانقطاعه ؛ فَإِن الْقَاسِم لم يدْرك جده عبد الله [6/598] ابن مَسْعُود ، قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" ، وَعبارَة ابْن الْجَوْزِيّ فِي "تَحْقِيقه" : لم يسمع مِنْهُ ، وَذكره التِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" أَيْضا وَقَالَ : إِنَّه مُرْسل .
وَابْن مَاجَه فِي "سنَنه" .
ثَالِثهَا : عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود مَرْفُوعا : " البيعان إِذا اخْتلفَا فِي البيع ترادا " ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" عَن مُحَمَّد بن هِشَام الْمُسْتَمْلِي ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن صَالح ، ثَنَا فُضَيْل بن عِيَاض ، ثَنَا مَنْصُور ، عَن عَلْقَمَة ... فَذكره ، وَهَذَا الطَّرِيق عِنْدِي أَقْوَى طرقه ، وَلم يظفروا بهَا ومِن فُضَيْل بن عِيَاض إِلَى ابْن مَسْعُود أَئِمَّة أَعْلَام سمع بَعضهم من بعض خُصُوصا عَلْقَمَة ، فَإِنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآن عَلَى ابْن مَسْعُود ، لَكِن عبد الرَّحْمَن بن صَالح نسب إِلَى الرَّفْض ، وَوضع مثالب الصَّحَابَة ، وَهُوَ كُوفِي عتكي ، أخرج لَهُ النَّسَائِيّ فِي خَصَائِص عَلّي وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : ثِقَة شيعي ؛ لِأَن يَخِرَّ من السَّمَاء أحب إِلَيْهِ من أَن يكذب فِي نصف حرف .
وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَدُوق .
وَقَالَ مُوسَى بن هَارُون مرّة : ثِقَة ، وَكَانَ يحدث بمثالب أَزوَاج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَصْحَابه ( وَقَالَ صَالح جزرة :) صَالح إِلَّا أَنه يقْرض عُثْمَان .
وَقَالَ الْبَغَوِيّ : سمعته يَقُول : أفضل - أَو خير - هَذِه الْأمة (بعد نبيها أَبُو) بكر وَعمر
.
[6/599] رَابِعهَا : من حَدِيث الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه قَالَ : " بَاعَ عبد الله بن مَسْعُود سبيًا من سبي الْإِمَارَة بِعشْرين ألفا - يَعْنِي من الْأَشْعَث بن قيس - فجَاء بِعشْرَة آلَاف ، فَقَالَ : أَنا بِعْتُك بِعشْرين ألفا قَالَ : إِنَّمَا أخذتهم بِعشْرَة آلَاف ، وَإِنِّي أَرْضَى فِي ذَلِكَ بِرَأْيِك .
قَالَ ابْن مَسْعُود : إِن شِئْت (حدثتك) عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (قَالَ : أجل ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - :) إِذا تبَايع الْمُتَبَايعَانِ بيعا لَيْسَ بَينهمَا شُهُود فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان البيع .
قَالَ الْأَشْعَث : فَرددت عَلَيْك " .
رَوَاهُ (الطَّبَرَانِيّ) فِي "سنَنه" عَن أبي مُحَمَّد بن صاعد إملاءً وَغَيره قَالُوا : ثَنَا مُحَمَّد بن مُسلم بن وارة ، حَدَّثَني مُحَمَّد بن سعيد بن سَابق ، ثَنَا عَمْرو بن أبي قيس ، عَن عمر بن قيس عَن الْقَاسِم بِهِ ، وَهَذَا إِسْنَاد جيد أَيْضا رِجَاله كلهم ثِقَات ، وَابْن صاعد وَابْن وارة حَافِظَانِ .
قَالَ الرَّافِعِيّ : وَجَاء فِي رِوَايَة أُخْرَى : "إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ (والسلعة قَائِمَة) وَلَا بَيِّنَة لأَحَدهمَا تحَالفا" وَهَذِه الرِّوَايَة وَردت من طرق :
إِحْدَاهَا : من طَرِيق الْقَاسِم عَن ابْن مَسْعُود ، وَقد سلفت قَرِيبا .
ثَانِيهَا : من طَرِيق الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا : " إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي البيع والسلعة قَائِمَة كَمَا هِيَ لم تستهلك فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان البيع " رَوَاهَا (الطَّبَرَانِيّ) فِي "سنَنه" وَهِي ضَعِيفَة [6/600] أَيْضا ؛ لِأَن فِي إسنادها مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهُوَ وَإِن كَانَ فِي الْفِقْه كَبِيرا فَهُوَ ضَعِيف فِي الرِّوَايَة لسوء حفظه وَكَثْرَة خطئه فِي الْأَسَانِيد والمتون ، ومخالفته الْحفاظ فِيهَا ، وَالله يغْفر لنا وَله
.
ثَالِثهَا : من طَرِيق الْقَاسِم أَيْضا عَن أَبِيه قَالَ : " بَاعَ عبد الله بن مَسْعُود من الْأَشْعَث رَقِيقا من رَقِيق الْإِمَارَة فاختلفا فِي الثّمن ، فَقَالَ عبد الله : بِعْتُك بِعشْرين ألفا ، وَقَالَ الْأَشْعَث : اشْتريت مِنْك بِعشْرَة آلَاف .
فَقَالَ عبد الله : إِن شِئْت (حدثتك) بِحَدِيث سمعته من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (قَالَ : هَات . قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) يَقُول : "إِذا اخْتلف البيعان وَالْمَبِيع قَائِم بِعَيْنِه وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو (يترادان) البيع .
قَالَ الْأَشْعَث : أرَى أَن ترد البيع " ، رَوَاهُ (الطَّبَرَانِيّ) فِي "سنَنه" كَذَلِك ، والدارمي فِي "مُسْنده" بِلَفْظ : " البيعان إِذا اخْتلفَا وَالْمَبِيع قَائِم بِعَيْنِه وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع ، أَو يترادان البيع " .
وَرَوَاهَا أَبُو دَاوُد من حَدِيث هشيم عَن ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه "أَن ابْن مَسْعُود بَاعَ من الْأَشْعَث بن قيس رَقِيقا .
" فَذكر مَعْنَى حَدِيث مُحَمَّد بن الْأَشْعَث الْآتِي قَرِيبا ، وَالْكَلَام يزِيد وَينْقص وَهِي [6/601] ضَعِيفَة أَيْضا لأجل ابْن أبي لَيْلَى ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : خَالف الْجَمَاعَة فِي رِوَايَة هَذَا حَيْثُ قَالَ : "عَن أَبِيه" ، وَفِي مَتنه حَيْثُ زَاد فِيهِ : "وَالْمَبِيع قَائِم بِعَيْنِه" .
وَهُوَ كَمَا قَالَ حَتَّى عدوا هَذِه الزِّيَادَة من غلطاته
، وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ : إِنَّه لَا أصل لَهَا .
رَابِعهَا : من طَرِيق الْقَاسِم أَيْضا عَن أَبِيه عَن عبد الله مَرْفُوعا : " إِذا اخْتلف البيعان فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع ، فَإِذا اسْتهْلك فَالْقَوْل مَا قَالَ المُشْتَرِي " رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا ، وَهِي ضَعِيفَة لِأَن فِي (إسنادها) الْحسن بن عمَارَة رِوَايَة عَن الْقَاسِم ، وَهُوَ أحد الهلكى قَالَ (زَكَرِيَّا) السَّاجِي : أَجمعُوا عَلَى ترك حَدِيثه ، نعم لم يتفرد بِهِ بل تَابعه (معن) بن عبد الرَّحْمَن .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من حَدِيث سُفْيَان عَن (معن) عَن الْقَاسِم وَلَفظه : " إِذا اخْتلف (الْمُتَبَايعَانِ) والسلعة قَائِمَة بِعَينهَا فَالْقَوْل قَول البَائِع أَو يترادان " ، وَهَذِه طَريقَة خَامِسَة جَيِّدَة ، لكنه اخْتلف عَلَيْهِ فِيهَا كَمَا ستعلمه من كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ .
[6/602] سادسها : من طَرِيق أبي وَائِل عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ : " إِذا اخْتلف البيعان وَالْمَبِيع مستهلك فَالْقَوْل قَول البَائِع " .
وَرفع الحَدِيث إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي إِسْنَاده عبد الله بن عصيم وَهُوَ ضَعِيف وَقد أعله عبد الْحق فِي "أَحْكَامه" بِهِ ، وَتفرد شريك بِتَسْمِيَة أَبِيه عصمَة وَالصَّوَاب عصيم ، ( وَفِي بعض الرِّوَايَات الْمُنكرَة الَّتِي لَا أصل لَهَا : " والسلعة قَائِمَة أَو هالكة " وَأما قَول الْغَزالِيّ فِي كتاب "المأخذ" : أجمع أهل الحَدِيث عَلَى صِحَّتهَا فَهُوَ من الْعجب العجاب ) .
فَهَذَا مَا حَضَرنَا من طرق هَذَا الحَدِيث وَاخْتِلَاف أَلْفَاظه ، وَبَقِي لَهُ طرق أخر وَهُوَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" وَابْن عدي من حَدِيث سعيد بن الْمَرْزُبَان عَن الشّعبِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ ، وَهُوَ ضَعِيف أَيْضا لأجل سعيد هَذَا وَهُوَ كُوفِي أَعور مُنكر الحَدِيث كَمَا قَالَه أَحْمد وَالْبُخَارِيّ ، وَخَالف أَبُو أُسَامَة فَقَالَ : كَانَ ثِقَة ، فَقَالَ : لَا جرم أعله ابْن الْجَوْزِيّ فِي "علله" فَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
وَأعله فِي "تَحْقِيقه" بِوَجْه آخر فَقَالَ : عبد الرَّحْمَن لم يسمع من أَبِيه فَهُوَ مُرْسل وَضَعِيف .
وَتبع فِي هَذِه الْمقَالة ابْن معِين فِي أحد قوليه ، لَكِن قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ وَالثَّوْري وَشريك وَالْبُخَارِيّ وَالْأَكْثَرُونَ الْمُحَقِّقُونَ : [6/603] إِنَّه سمع مِنْهُ .
وَقَالَ الْعجلِيّ : لم يسمع من أَبِيه إِلَّا حرفا وَاحِدًا "محرم الْحَلَال (كمستحل) الْحَرَام" .
وَجزم ابْن عَسَاكِر فِي "أَطْرَافه" بِسَمَاعِهِ مِنْهُ ، وَجزم فِي أَخِيه أبي عُبَيْدَة بِأَنَّهُ لم يسمع من أَبِيه .
قلت : لكنه أدْرك أَبَاهُ وَكَانَ أكبر من أَخِيه إِذْ ذَاك .
قَالَ يَحْيَى الْقطَّان : مَاتَ ابْن مَسْعُود ولعَبْد الرَّحْمَن سِتّ سِنِين .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد : مَاتَ ابْن مَسْعُود ولابنه أبي عُبَيْدَة سبع سِنِين
.
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "علله" : وَفِي إِسْنَاد هَذِه الطَّرِيق إِبْرَاهِيم بن مجشر بن معدان الْبَغْدَادِيّ ، قَالَ ابْن عدي : لَهُ أَحَادِيث مَنَاكِير من جِهَة الْأَسَانِيد .
رفع حَدِيثا لَا أعلم رَفعه غَيره "الرَّهْن محلوب ومركوب" قلت : قد توبع عَلَيْهِ كَمَا ستعلمه فِي بَابه .
قلت : وَقد بَقِي للْحَدِيث طَرِيق آخر وَهُوَ أَقْوَى طرقه ، وَأَقْوَى من الطَّرِيق الَّتِي قدمناها أَيْضا رَوَاهَا عبد الرَّحْمَن بن قيس بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث بن قيس عَن أَبِيه عَن جده قَالَ : قَالَ عبد الله بن مَسْعُود قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " إِذا اخْتلف البيعان وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَهُوَ مَا يَقُول رب السّلْعَة أَو يتتاركا " أخرجه الْأَئِمَّة أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمْ .
وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه، " ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد .
وَنقل مقَالَة الْحَاكِم هَذِه الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" ، وَأقرهُ [6/604] عَلَيْهَا ، وَقَالَ فِي "سنَنه" : إسنادها حسن مَوْصُول ، قَالَ : وَقد رُوِيَ من أوجه (بأسانيد) مَرَاسِيل إِذا جمع بَينهمَا صَار الحَدِيث بذلك قويًّا .
وَقَالَ فِي " الْمعرفَة " : إِنَّه أصح إِسْنَاد رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب .
وَقَالَ ابْن عبد الْبر : فِيهِ انْقِطَاع ، قَالَ : وَهُوَ حَدِيث مَحْفُوظ عَن ابْن مَسْعُود مَشْهُور الأَصْل عِنْد جمَاعَة الْعلمَاء تلقوهُ بِالْقبُولِ فبنوا عَلَيْهِ كثيرا من فروعه ، قد اشْتهر عَنْهُم بالحجاز وَالْعراق شهرة يُسْتَغْنَى بهَا عَن الْإِسْنَاد كَمَا اشْتهر حَدِيث "لَا وَصِيَّة لوَارث" .
وَخَالف أَبُو مُحَمَّد بن حزم فأعله بِوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : بالانقطاع كَمَا رَمَاه بِهِ ابْن عبد الْبر ، وَتَابعه عَلَيْهِ عبد الْحق فِي "أَحْكَامه" فَقَالَ : مُحَمَّد هَذَا لم يسمع من ابْن مَسْعُود .
ثَانِيهمَا : بِأَن فِي إِسْنَاده مَجْهُولَانِ وهما عبد الرَّحْمَن بن قيس وَأَبوهُ ، قَالَ : مَجْهُول ابن مَجْهُول .
قَالَ : وَعبد الرَّحْمَن ظَالِم من ظلمَة الْحجَّاج لَا حجَّة لَهُ فِي رِوَايَته
، وَتَبعهُ عَلَى تجهيلهما ابْن الْقطَّان وَزَاد : أَن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث جدهما مَجْهُول أَيْضا .
قَالَ (إِلَّا) أَنه أشهرهم ، رَوَى عَنهُ جماعات وعددهم
.
وَأَقُول : أما كَونه لم يسمع مِنْهُ فَهَذِهِ دَعْوَى ، فَإِن إِدْرَاكه لَهُ مُمكن قطعا ؛ لِأَن عبد الله بن مَسْعُود توفِّي بعد الثَّلَاثِينَ إِمَّا سنة اثْنَيْنِ كَمَا قَالَه أَبُو نعيم وَغير وَاحِد ، وَإِمَّا سنة ثَلَاث كَمَا قَالَه ابْن بكير وَغَيره ، وَمُحَمّد بن الْأَشْعَث قَتله الْمُخْتَار بعد السِّتين سنة سِتّ أَو سبع كَمَا قَالَه [6/605] خَليفَة فَليخْرجْ عَلَى المذهبين مشهورين فِي ذَلِكَ ، وَأما جَهَالَة عبد الرَّحْمَن بن قيس فَهُوَ كَمَا (ادَّعَاهَا) ؛ فَإنَّا لَا نعلم لَهُ رَاوِيا غير أبي (العميس) وَهُوَ مَسْتُور لَا نعلم من وَثَّقَهُ وَلَا من جرحه ، وَأما وَالِده فحاشاه من الْجَهَالَة فقد رَوَى عَنهُ ابناه عبد الرَّحْمَن وَعُثْمَان ، وَأَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ ، وَرَوَى عَن جده ، وَعَن عدي بن حَاتِم ، وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" وَأما جده مُحَمَّد فَهُوَ تَابِعِيّ رَوَى عَن عمر وَعُثْمَان وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَرَوَى عَنهُ الشّعبِيّ وَجَمَاعَة ، وَأمه أم فَرْوَة أُخْت الصّديق ، وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته " ، وَتَصْحِيح الْحَاكِم وتحسين الْبَيْهَقِيّ لَهُ (رَافِعَة لجَهَالَة) عبد الرَّحْمَن السالف ؛ فَإِنَّهُ لَا يحل الْإِقْدَام عَلَى التَّصْحِيح والتحسين بِدُونِ ذَلِكَ ، وَأعله ابْن حزم أَيْضا بِوَجْه ثَالِث فَقَالَ : رَوَاهُ عَن عبد الرَّحْمَن أَبُو عُمَيْس وَلم يسمع أَبُو عُمَيْس مِنْهُ لتأخر سنه عَن لِقَائِه .
قلت : قد صرح بِالسَّمَاعِ مِنْهُ فِي "سنَن الْبَيْهَقِيّ" فَفِيهِ عَن أبي عُمَيْس : أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن .
وَبِالْجُمْلَةِ وكل طرق هَذَا الحَدِيث لَا تَخْلُو من عِلّة
، وَلَقَد أحسن إمامنا الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ عَلَى مَا نَقله الْبَيْهَقِيّ عَن الزَّعْفَرَان عَنهُ : حَدِيث ابْن مَسْعُود وَهَذَا مُنْقَطع لَا أعلم أحدا وَصله عَنهُ .
[6/606] قلت : لَكِن قد وَصله عَلْقَمَة عَنهُ كَمَا قدمْنَاهُ ، وَهُوَ من الْفَوَائِد الَّتِي رَحل إِلَيْهَا وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ فِي "علله" بعد أَن ذكره (السَّائِل) من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه مَرْفُوعا : "إِذا اخْتلف البيعان وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل قَول البَائِع أَو (يترادان) " .
هَذَا حَدِيث يرويهِ الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن ، وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ عمر بن قيس عَنهُ عَن أَبِيه عَن جده ، وَرَوَاهُ (معن) بن عبد الرَّحْمَن عَن الْقَاسِم وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ أَبُو حُذَيْفَة عَن الثَّوْريّ عَن (معن) عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده .
وَخَالفهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَأَبُو دَاوُد الْحَضْرَمِيّ وَغَيرهمَا ، فَرَوَوْه عَن الثَّوْريّ عَن (معن) عَن الْقَاسِم مُرْسلا عَن ابْن مَسْعُود ، وَرَوَاهُ أَبُو حنيفَة عَن الْقَاسِم (بِهِ) وَرَوَاهُ ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم وَاخْتلف (عَنهُ) فَرَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة عَنهُ عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده ، وَزَاد فِيهِ لَفْظَة لم يَأْتِ بهَا غَيره قَالَ : "والسلعة قَائِمَة كَمَا هِيَ" وَخَالف هشيم فَرَوَاهُ عَن ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم عَن ابْن مَسْعُود مُرْسلا ، قَالَ ذَلِكَ أَحْمد بن حَنْبَل وَسَعِيد ابن مَنْصُور عَن هشيم .
وَقيل : عَن هشيم عَن ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده ، وَرَوَاهُ أبان بن تغلب وَعبد الرَّحْمَن المَسْعُودِيّ عَن الْقَاسِم عَن ابْن مَسْعُود [6/607] مُرْسلا قَالَ : وَالْمَحْفُوظ (هُوَ) الْمُرْسل .
تَنْبِيه : عزى الرَّافِعِيّ فِي تذنيبه طَرِيق "أَو يتتاركا" الْأَخِيرَة إِلَى أبي دَاوُد فَقَالَ : رَوَاهَا مطرف عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا ، وَهَذَا لَيْسَ فِي أبي دَاوُد وَالَّذِي فِيهِ رِوَايَته لَهُ عَن حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن قيس عَن أَبِيه عَن جده .
وَمن حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده كَمَا سلف أَيْضا فَتنبه لذَلِك
.
[6/608]