الحَدِيث السَّابِع
أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " الشُّفْعَة لمن واثبها" وَيروَى : "الشُّفْعَة كنشطة العقال ، إِن قيدت ثبتَتْ وَإِلَّا فاللوم عَلَى من تَركهَا " .
هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ أَيْضا دَلِيلا لِلْقَوْلِ الصَّحِيح أَن الشُّفْعَة عَلَى الْفَوْر ، وَتبع فِي إِيرَاده صَاحب "الشَّامِل" وَالْقَاضِي أَبَا الطّيب ، وَذكره الْمَاوَرْدِيّ أَيْضا فَقَالَ : وَرُوِيَ عَنهُ أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " الشُّفْعَة لمن واثبها " يَعْنِي : لمن بادرها ، وَرُوِيَ : " الشُّفْعَة كنشطة العقال ؛ فَإِن أَخذهَا فَهِيَ لَهُ وَإِن تَركهَا رَجَعَ بالملامة عَلَى نَفسه " .
وَعَزاهُ عبد الْحق إِلَى رِوَايَة أبي مُحَمَّد - يَعْنِي : ابْن حزم - أَنه ذكره من رِوَايَة ابْن عمر مَرْفُوعا : " الشُّفْعَة كحل العقال ؛ فَإِن قيدها مَكَانَهُ ثَبت حَقه وَإِلَّا فاللوم عَلَيْهِ " قَالَ عبد الْحق : وَهُوَ أَيْضا من حَدِيث الْبَيْلَمَانِي . ذَكَرَهُ عَنهُ بعد أَن عزاهُ إِلَى (منتخب) عَلي بن عبد الْعَزِيز وَالْبَزَّار كَمَا أسلفناه ، فَقَالَ : وَذكره أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ فِيهِ : " الشُّفْعَة كحل العقال ؛ فَإِن قيدها مَكَانَهُ ثَبت حَقه وَإِلَّا فاللوم عَلَيْهِ " .
[7/16] وَاعْترض ابْن الْقطَّان بِأَن قَالَ - بعد أَن سَاقه من طَرِيق الْبَزَّار السالف من هَذَا الطَّرِيق بِهَذَا الْإِسْنَاد - سَاقه ابْن حزم فِي "محلاه" بِهَذَا اللَّفْظ وَزَاد فِيهِ : " من مثل بمملوكه فَهُوَ حر ، وَهُوَ مولَى الله وَرَسُوله ، وَالنَّاس عَلَى شروطهم مَا وَافق الْحق " وَلم يذكر الزِّيَادَة الَّتِي أوردهَا عبد الْحق عَنهُ الَّتِي هِيَ "فَإِن قيدها مَكَانَهُ " . إِلَى آخِره ، وَلَعَلَّه رَآهَا لَهُ فِي غير "الْمُحَلَّى" وَهَذَا الَّذِي زَاده ابْن حزم فِي "محلاه" من أَمر العَبْد والشروط لم يذكرهُ الْبَزَّار فِي حَدِيث الشُّفْعَة ، وَإِنَّمَا أورد أَمر العَبْد (بِالْإِسْنَادِ) الْمَذْكُور حَدِيثا ، وَكَذَلِكَ أَمر الشَّرْط ، وَمَعَهُ : "المنحة مَرْدُودَة" حَدِيثا ، وأظن [ أَن ] ابْن حزم لما كَانَ ذَلِكَ كُله بِإِسْنَاد وَاحِد لفَّقَه تشنيعًا عَلَى الْخُصُوم الآخذين بعض مَا رُوِيَ بِهَذَا الْإِسْنَاد والتاركين (لبعضه) وَإِلَّا فَالْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ كَمَا أَخْبَرتك .
فَائِدَة : قَوْله : "لمن واثبها" قد قدمنَا عَن الْمَاوَرْدِيّ أَن مَعْنَاهُ : بَادر إِلَيْهَا .
وعبارَة المطرزي فِي "المعرب" قَوْله : "لمن واثبها" أَي : طلبَهَا عَلَى وَجه المسارعة والمبادرة ، مفاعلة من الْوُثُوب عَلَى الِاسْتِعَارَة ، واللوم فِي الْخَبَر العذل ، بذال مُعْجمَة ، يُقَال : لمته لومًا ؛ أَي : عذلته ، واللائمة الْمَلَامَة ، وَإِنَّمَا مثل بِحل العقال ؛ لِأَنَّهُ ينْحل سَرِيعا ، وَكَأَنَّهُ يَقُول : زمن اسْتِحْقَاق طلب الشُّفْعَة زمن حل العقال .
وقد سلف عَن الرَّافِعِيّ تَفْسِيره ، وَتبع فِيهِ الإِمَام قَوْله : "كنشطة من عقال" (كنى بِهِ أَيْضا عَن السرعة ، وَمِنْه [7/17] حَدِيث الرّقية : "كَأَنَّمَا أنشط من عقال ") قَالَ ابْن فَارس : نشطت الْحَبل إِذا عقدت ، وأنشطت إِذا حلت .
ضَبطه ابْن [ معن ] فِي "تنقيبه" بِفَتْح النُّون والشين الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة .
وكَذَا ضَبطه بِفَتْح الشين .
خَاتِمَة : ذكر الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب "أَن السّنة السَّلَام قبل الْكَلَام" وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث جَابر أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ : " السَّلَام قبل الْكَلَام " ، لكنه حَدِيث ضَعِيف ، لَا جرم قَالَ التِّرْمِذِيّ : إِنَّه حَدِيث مُنكر لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَسمعت مُحَمَّدًا - يَعْنِي : البُخَارِيّ - يَقُول : عَنْبَسَة بن عبد الرَّحْمَن - يَعْنِي : الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - ضَعِيف فِي الحَدِيث ذَاهِب ، وَمُحَمّد بن زَاذَان - يَعْنِي : الْمَذْكُور فِيهِ أَيْضا - مُنكر الحَدِيث .
وذكره الْبَغَوِيّ فِي "مصابيحه" فِي الْحساب عَلَى اصْطِلَاحه .
وقَالَ بعض حفاظ بَغْدَاد فِي كَلَامه عَلَيْهِ : إِنَّه حَدِيث مَوْضُوع .
قال عبد الْحق فِي "أَحْكَامه" : فَأحْسن مِنْهُ حَدِيث ابْن (عمر) مَرْفُوعا : "السَّلَام قبل السُّؤَال ، من بَدَأَكُمْ بالسؤال قبل السَّلَام فَلَا تجيبوه" وَعَزاهُ إِلَى ابْن عدي .
وابْن عدي رَوَاهُ من طَرِيق حَفْص بن عمر الْأَيْلِي .
قال أَبُو حَاتِم : كَانَ شَيخا كذابا
.
[7/18]