|
[7/19] كتاب الْقَرَاض [7/20] [7/21] كتاب الْقَرَاض ذكر فِيهِ حَدِيث عُرْوَة الْبَارِقي وَقد سلف فِي أَوَائِل البيع ، وَذكر فِيهِ أَيْضا آثارًا . أَحدهَا : مَا ذكره الشَّافِعِي فِي "اخْتِلَاف الْعِرَاقِيّين" أَن أَبَا حنيفَة رَوَى عَن حميد بن عبد الله بن عبيد الْأنْصَارِيّ ، عَن أَبِيه ، عَن جده " أَن عمر بن الْخطاب رَضي اللهُ عَنهُ أعطي مَال يَتِيم مُضَارَبَة ، فَكَانَ (يعْمل) بِهِ فِي الْعرَاق " . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "الْمعرفَة" عَن الْحَاكِم ، عَن الْأَصَم ، عَن الرّبيع عَنهُ أَنه حَكَاهُ فِي "اخْتِلَاف الْعِرَاقِيّين" عَن بعض أهل الْعرَاق عَن حميد . فذكره ، وَزَاد بعد قَوْله "وَكَانَ يعْمل بِهِ فِي الْعرَاق" : لَا نَدْرِي كَيفَ قاطعه عَلَى الرِّبْح . و"اخْتِلَاف الْعِرَاقِيّين" بِفَتْح الْيَاء الأولَى وَكسر النُّون عَلَى لفظ التَّثْنِيَة ، وَالْمرَاد بهما : ابْن أبي لَيْلَى وَأبا حنيفَة ، وَكَذَا ضَبطه النَّوَوِيّ فِي "تَهْذِيب اللُّغَات" وَهُوَ كتاب صنفه الشَّافِعِي من جملَة كتاب "الْأُم" ، وَيذكر فِيهِ الْمسَائِل الَّتِي اخْتلف فِيهَا أَبُو حنيفَة وَابْن أبي لَيْلَى ، فَتَارَة يخْتَار أَحدهمَا و(يزيف) الآخر ، وَتارَة (يزيفهما) مَعًا [7/22] ويختار غَيرهمَا . فَائِدَة : قَالَ ابْن دَاوُد : الَّذِي أعطَاهُ عمر هَذَا المَال هُوَ عبيد الْأنْصَارِيّ ، بَعثه ليتجر فِيهِ بِالْبَحْرَيْنِ يكون الرِّبْح بَينهمَا نِصْفَيْنِ . هذَا كَلَامه وَالَّذِي أسلفناه عَن رِوَايَة الشَّافِعِي أَنه رَاوِي الْقِصَّة فَلْينْظر ذَلِكَ . فَائِدَة أُخْرَى : رَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يفعل كَفعل وَالِده . أخرجه من حَدِيث هِشَام عَن أَيُّوب عَنهُ " أَنه كَانَ يكون عِنْده مَال الْيَتِيم فيزكيه وَيُعْطِيه مُضَارَبَة ويستقرض مِنْهُ " . الْأَثر الثَّانِي : " أَن عبد الله وَعبيد الله ابْني عمر بن الْخطاب رَضي اللهُ عَنهُ لقيا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بِالْبَصْرَةِ منصرفهما من غَزْوَة نهاوند ، فتسلفا مِنْهُ مَالا وابتاعا بِهِ مَتَاعا ، وقدما الْمَدِينَة فباعاه وربحا فِيهِ ، فَأَرَادَ عمر رَضي اللهُ عَنهُ أَخذ رَأس المَال وَالرِّبْح كُله ، فَقَالَا : لَو تلف كَانَ ضَمَانه علينا ، فَكيف لَا يكون ربحه لنا ؟ ! فَقَالَ رجل لأمير الْمُؤمنِينَ : لَو جعلته قراضا . فقَالَ : قد جعلته . وأخذ مِنْهُمَا نصف الرِّبْح " . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" وَالشَّافِعِيّ فِي "الْأُم" عَنهُ ، عَن زيد بن أسلم ، عَن أَبِيه أَنه قَالَ : " خرج عبد الله وَعبيد الله ابْنا عمر بن الْخطاب (فِي) جَيش إِلَى الْعرَاق ، فَلَمَّا قفلا مرَّا عَلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، فَرَحَّبَ بهما وَسَهل ، وَهُوَ أَمِير الْبَصْرَة ، فَقَالَ : لَو أقدر لَكمَا عَلَى أَمر (أنفعكما بِهِ) لفَعَلت . ثمَّ قَالَ : بلَى ؛ هَا هُنَا مَال من مَال الله ، [7/23] أُرِيد أَن أبْعث بِهِ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فأسلفكماه ، فتبتاعان بِهِ مَتَاعا من مَتَاع الْعرَاق ، فتبيعانه بِالْمَدِينَةِ فتؤديان رَأس المَال إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَيكون لَكمَا الرِّبْح . فقَالَا : وَدِدْنَا (ذَلِكَ ، فَفعل) فَكتب إِلَى عمر أَن يَأْخُذ مِنْهُمَا المَال ، فَلَمَّا قدما الْمَدِينَة باعا وربحا ، فَلَمَّا دفعا ذَلِكَ إِلَى عمر قَالَ : أكل الْجَيْش أسلفه كَمَا أسلفكما ؟ قَالَا : لَا . قال ( عمر بن الْخطاب : ابْنا) أَمِير الْمُؤمنِينَ فأسلفكما ، أديا المَال وَربحه . فأَما عبد الله (فَسكت) وَأما عبيد الله فَقَالَ : (مَا) يَنْبَغِي لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا ، لَو نقص (هَذَا) المَال أَو هلك لضمناه . فقَالَ عمر : أدياه . فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله ، فَقَالَ رجل من جلساء عمر : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو جعلته قراضا . فقَالَ عمر : قد جعلته قراضا . فأخذ عمر رَأس المَال وَنصف ربحه ، وَأخذ عبد الله وَعبيد الله ابْنا عمر بن الْخطاب نصف المَال " . وفِي رِوَايَة الشَّافِعِي عَن مَالك : "فَلَمَّا قفلا مرَّا عَلَى عَامل لعمر" وَذكره فِي "الْمُخْتَصر" مُخْتَصرا فَقَالَ : رُوِيَ عَن عمر "أَنه صيَّر ربح ابنيه فِي المَال الَّذِي تسلفاه بالعراق وربحا فِيهِ بِالْمَدِينَةِ فَجعله قراضا ، عِنْدَمَا قَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه : لَو جعلته قراضا . ففعل " . فَوَائِد : الأولَى : قَالَ الرَّافِعِيّ : هَذَا الرجل قيل : إِنَّه عبد الرَّحْمَن بن عَوْف . [7/24] قلت : تبع فِيهِ الْغَزالِيّ فِي "وسيطه" فَإِنَّهُ صرح بِهِ فِي رِوَايَته ، وَتبع فِيهِ الإِمَام ؛ فَإِنَّهُ ذكره كَذَلِك فِي "نهايته" ، وَتبع فِيهِ القَاضِي حُسَيْن فَإِنَّهُ ذكره كَذَلِك ، وَكَذَا ذكره ابْن دَاوُد فِي "شرح الْمُخْتَصر" وَحَكَاهُ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى "الْمُهَذّب" عَن بَعضهم . الثَّانِيَة : مَعْنَى "رحب بهما وَسَهل" قَالَ : مرْحَبًا وسهلاً (وَمَعْنى "لقيتما رحبًا من الأرَض" أَي : سَعَة وسهلاً) أَي : غير حزن . وقَوله "من مَال الله" يُرِيد الْفَيْء ، وَكَانَ هَذَا المَال مائَة ألف دِرْهَم ، كَمَا قَالَه ابْن دَاوُد فِي "شرح الْمُخْتَصر" وَابْن [ معن ] فِي "تنقيبه" . وقَوله : "ابْنا أَمِير الْمُؤمنِينَ فأسلفكما" يَعْنِي فعل ذَلِكَ تقربًا إليَّ . وقَوله : "لَو جعلته قراضا" وَقع فِي رِوَايَة القَاضِي حُسَيْن وَالْغَزالِيّ فِي "وسيطه" : "لَو جعلته قراضا عَلَى النّصْف" وَذكر القَاضِي بعض قَوْله "لضمناه" : قَالَ لَهُ عمر : بلَى . الثَّالِثَة : "نهاوند" الْمَذْكُورَة فِي رِوَايَة الرَّافِعِيّ ، وَكَذَا إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ فِي "وسيطه" بِضَم النُّون كَمَا قَالَه السَّمْعَانِيّ ، قَالَ : وَهِي مَدِينَة من بِلَاد الْجَبَل ، قيل : إِن نوحًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بناها ، وَكَانَ اسْمهَا : نوح أوند ، فأبدلوا الْحَاء هَاء . الرَّابِعَة : قَالَ الرَّافِعِيّ : أظهر مَا ذكره الْأَصْحَاب فِي مَحل هَذِه الْقِصَّة ، وَبِه قَالَ ابْن سُريج : إِن مَا جَرَى كَانَ قرضا صَحِيحا وَكَانَ الرِّبْح [7/25] وَرَأس المَال لَهما ، لَكِن عمر رَضي اللهُ عَنهُ (استنزلهما) عَن بعض الرِّبْح خيفة أَن يكون قصد أبي مُوسَى (إرفاقهما لَا رِعَايَة مصلحَة بَيت المَال ، وَلذَلِك قَالَ فِي بعض الرِّوَايَات : "أَو أسلف كل الْجَيْش) كَمَا أسلفكما" . وقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" : تَأَول الْمُزنِيّ هَذِه الْقِصَّة بِأَنَّهُ سَأَلَهُمَا لبره الْوَاجِب عَلَيْهِمَا أَن يجعلا كُله للْمُسلمين فَلم يجيباه ، فَلَمَّا طلب النّصْف أجاباه عَن طيب أَنفسهمَا . وقَالَ الطَّحَاوِيّ : وَيحْتَمل أَن عمر عاملهما بذلك كَمَا شاطر عماله أَمْوَالهم . وحَكَى ابْن دَاوُد عَن بعض أَصْحَابنَا أَن مَعْنَى قَول عبد الرَّحْمَن بن عَوْف : "لَو جعلته قراضا" أَي : لَو جعلت حكمه حكم الْقَرَاض .
|