الحَدِيث الثَّالِث
" نَهْيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن قفيز الطَّحَّان " .
هَذَا النَّهْي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث وَكِيع وَعبيد الله بن مُوسَى قَالَا : ثَنَا سُفْيَان ، عَن هِشَام أبي كُلَيْب ، عَن (ابْن أبي نعم) عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : " نُهي عَن (عسب) الْفَحْل (زَاد عبيد الله : وَعَن قفيز الطَّحَّان " وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" فِي بَاب النَّهْي عَن عسب الْفَحْل) بعد أَن رَوَاهُ هَكَذَا من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ .
ورَوَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن سُفْيَان ، كَمَا رَوَاهُ عبيد الله وَقَالَ : "نهَى" وَكَذَلِكَ قَالَه إِسْحَاق الْحَنْظَلِي [7/40] عَن وَكِيع " نهَى عَن (عسب) الْفَحْل " .
وَرَوَاهُ عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي نعم قَالَ : "نهَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ... " ، فَذكره (وَذكره) عبد الْحق فِي "أَحْكَامه" عَن الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظ عَن أبي سعيد " نهَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن (عسب) الْفَحْل وقفيز الطَّحَّان " وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة فِي "مطلبه" فِي عزوه إِلَى الدَّارَقُطْنِيّ كَذَلِك ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ... فذكره بِلَفْظ (الدَّارَقُطْنِيّ) الَّذِي نَقَلْنَاهُ أَولا من "سنَنه" ، وَالْبَيْهَقِيّ نَفسه سَاقه من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقد تعقب ابْن الْقطَّان عبد الْحق فَقَالَ : كَذَا ذكره عبد الْحق ، وَقد بحثت عَنهُ فَلم أَجِدهُ ؛ إِنَّمَا هُوَ فِي كتاب الدَّارَقُطْنِيّ هَكَذَا "نُهي" مَبْنِيّ لما لم يسم فَاعله ، وَلَعَلَّ قَائِلا يَقُول : [ لَعَلَّه ] اعْتقد فِيمَا يَقُوله الصَّحَابِيّ [ من ] هَذَا مَرْفُوعا .
فنَقُول لَهُ : إِنَّمَا عَلَيْهِ أَن ينْقل لنا رِوَايَته لَا رَأْيه ، فَلَعَلَّ من بلغه يرَى غير مَا يرَاهُ من ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا يقبل مِنْهُ نُقوله لَا قَوْله .
قلت : وَبعد هَذَا كُله فَالْحَدِيث مَعْلُول ؛ فَإِن شيخ سُفْيَان وَهُوَ هِشَام الْمَذْكُور لَا نعرفه ، لَا جرم قَالَ الذَّهَبِيّ فِي "مِيزَانه" : هَذَا خبر مُنكر ، [7/41] وَرِجَاله لَا تعرف .
وأما بعض شُيُوخنَا فَقَالَ بعد أَن ذكره كَمَا ذكره عبد الْحق بِسَنَد جيد : لَيْسَ فِيهِ مَا ينظر فِيهِ إِلَّا عنعنة الثَّوْريّ عَن هِشَام أبي كُلَيْب ، وَهِشَام ثِقَة وَمثل هَذَا لَا يقصر عَن رُتْبَة الْحسن إِن لم يصل إِلَى رُتْبَة الصَّحِيح .
قال : وَأَرْجُو أَنه صَحِيح - إِن شَاءَ الله
- هَذَا لَفظه وَلَا أَدْرِي من أَيْن وَقع لَهُ تَوْثِيق هِشَام ؟ ! فَإِن ثَبت فَالْأَمْر كَمَا قَالَه .
فَائِدَة : (هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ دَلِيلا عَلَى أَنه إِذا اسْتَأْجر الطَّحَّان بالنخالة أَو بِصَاع من الدَّقِيق أَنه يفْسد ، وَقَالَ الْمجد فِي "أَحْكَامه") : فسر الْقَوْم "قفيز الطَّحَّان" بطحن الطَّعَام بِجُزْء مِنْهُ مطحونًا لما فِيهِ من اسْتِحْقَاق طحن قدر الْأُجْرَة لكل [ وَاحِد ] مِنْهَا عَلَى الآخر ، وَذَلِكَ متناقض ، قَالَ : وَقيل : لَا بَأْس بذلك مَعَ الْعلم بِقَدرِهِ ، وَإِنَّمَا الْمنْهِي عَنهُ طحن الصُّبْرَة لَا يعلم كيلها بقفيز مِنْهَا وَإِن شَرط حبًّا ؛ لِأَن مَا عداهُ مَجْهُول فَهُوَ كبيعها إِلَّا قَفِيزا مِنْهَا .
قلت : وَفِي "الغريبين" للهروي أَن ابْن الْمُبَارك قَالَ : إِن صورته أَن تَقول : اطحن بِكَذَا وَزِيَادَة قفيز من نَفْس الطَّحْن .
قال صَاحب "الْمطلب" : وَكَيف كَانَ ، فَهَل ذَلِكَ لأجل أَنه لَا يعرف كَيْفيَّة الدَّقِيق بعد الطَّحْن هَل هُوَ ناعم أَو خشن ؟ وَالْغَرَض يخْتَلف بِهِ ، أَو لأجل أَنه جعل الْأُجْرَة مَا يحصل بِعَمَل الآخر ؛ فَهِيَ غير مَقْدُور عَلَيْهَا فِي الْحَال ، أَو لأجل أَنه تَأْجِيل فِي الْأَعْيَان أَنه حصر الْأُجْرَة فِي الْقَمْح المطحون وَجعل اسْتِحْقَاقه بعد الطَّحْن ، وَذَلِكَ تَأْجِيل لَهُ بِأَجل مَجْهُول ، فِيهِ احتمالات .
قال : وَيحْتَمل أَن يكون النَّهْي لأجل كل مِنْهَا ؛ فَإِن أصُول الشَّرْع تَقْتَضِيه .