الحَدِيث الْخَامِس
"أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ تُحمل إِلَيْهِ الْهَدَايَا ؛ فيقبلها من غير لفظٍ" .
هُوَ كَمَا قَالَ ، فَمن (يتبع) الْأَحَادِيث والسِّير وجده .
وَفِي (صَحِيح البُخَارِيّ) من حَدِيث عَائِشَة قَالَت : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يقبل الْهَدِيَّة ويثيب عَلَيْهَا " وَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ : " كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم) إِذا أُتي بِطَعَام سَأَلَ : أهدية (أم) صَدَقَة ؟ فَإِن قيل : صَدَقَة ؛ قَالَ لأَصْحَابه : كلوا [ وَلم [7/121] يَأْكُل ] وَإِن قيل : هَدِيَّة ؛ ضرب بِيَدِهِ فَأكل مَعَهم " .
وَفِي "جَامع التِّرْمِذِيّ" فِي كتاب السّير ، و "مُسْند أَحْمد" و "الْبَزَّار" من حَدِيث عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " إِن كسْرَى أهْدَى إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَدِيَّة فَقبل مِنْهُ ، وَإِن الْمُلُوك أهدوا إِلَيْهِ فَقبل مِنْهُم " .
وَفِي "مُسْند أَحْمد" زِيَادَة : " وَإِن قَيْصر أهْدَى فَقبل مِنْهُ " قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن غَرِيب .
وَقَالَ الْبَزَّار : لَا نعلمهُ رُوي عَن عَلي بِهَذَا اللَّفْظ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد .
وَفِي "النَّسَائِيّ" من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَلْقَمَة الثَّقَفِيّ قَالَ : " قدم وَفد ثَقِيف عَلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُمْ هَدِيَّة ، فَقَالَ : أهدية أم صَدَقَة ؟ فَإِن كَانَت هَدِيَّة ؛ فَإِنَّمَا يُبتغى (بهَا) وَجه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَضَاء الْحَاجة ، وَإِن كَانَت صَدَقَة ؛ فَإِنَّمَا يبتغى بهَا وَجه الله - عَزَّ وَجَلَّ - قَالُوا : لَا ؛ بل هَدِيَّة .
فقبلها مِنْهُم ، وَقعد مَعَهم يُسائلهم و [ يسألونه ] حَتَّى صَلَّى الظّهْر وَالْعصر " .
وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة منتشرة .
قال الرَّافِعِيّ : واشتهر وُقُوع الْكسْوَة وَالدَّوَاب فِي هَدَايَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَن أم وَلَده "مَارِيَة" كَانَت من الْهَدَايَا .
[7/122] وَهُوَ كَمَا قَالَ ، أما الْكسْوَة ؛ فَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : " أَن أكيدر دومة أهْدَى لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُبَّة من سندس ، وَكَانَ ينْهَى عَن الْحَرِير ، فتعجَّبَ الناسُ مِنْهَا ، فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْس محمدٍ بِيَدِهِ ، إنَّ مناديل سعد بن معَاذ فِي الْجنَّة أحسن من هَذَا" .
وَفِيهِمَا من حَدِيث عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : " أَن أكيدر دومة أهْدَى إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثوب حَرِير ؛ فَأعْطَاهُ عليًّا ، قَالَ : شققه خُمُرًا بَين الفواطم " .
وَفِي "مُسْند أَحْمد" و "جَامع التِّرْمِذِيّ" و "سنَن النَّسَائِيّ" عَن أنسٍ قَالَ : " بعث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَيْشًا إِلَى أكيدر دومة ؛ فَأرْسل إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بجبة من ديباج ، منسوج فِيهَا الذَّهَب ، فلبسها رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَر - أَو جلس - فَلم يتَكَلَّم ، ثمَّ نزل ، فَجعل النَّاس يلمسون الْجُبَّة وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أتعجبون مِنْهَا ؟ قَالُوا : مَا رَأينَا ثوبا قطّ أحسن مِنْهُ .
فقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لمناديل سعد بن معَاذ في الْجنَّة أحسن مِمَّا ترَوْنَ " وَفِي "سنَن أبي دَاوُد" من حَدِيث عَلي بن زيد بن جدعَان عَن أنسٍ : " أَن ملك الرّوم أهْدَى إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [7/123] مستقة (من) سندس فلبسها ، فَكَأَنِّي أنظر إِلَى يَدَيْهِ (تذبذبان ثمَّ بعث) بهَا إِلَى جَعْفَر ؛ فلبسها ثمَّ جَاءَهُ ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي لم أعطكها لتلبسها .
قال : فَمَا أصنع بهَا ؟ قَالَ : أرسل بهَا إِلَى أَخِيك النَّجَاشِيّ " .
والمستقة : بِضَم التَّاء وَفتحهَا ؛ الفروة الطَّوِيلَة الْكَبِيرَة ، وَجَمعهَا مساتق .
وَفِي "سنَن أبي دَاوُد" من حَدِيث أنس : " أَن ملك ذِي يزن أهْدَى إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حلَّة ، أَخذهَا بِثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا فقبلها" .
وأمَّا الدَّوَابّ ؛ فَفِي "صَحِيح البُخَارِيّ" من حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ قَالَ : "غزونا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبُوك ، وَأهْدَى [ ملك أَيْلَة ] للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بغلة بَيْضَاء ؛ فَكَسَاهُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُردًا ، وَكتب لَهُ ببحرهم ، وَجَاء رسولُ (ابْن الْعلمَاء) صَاحب أَيْلَة إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكِتَاب ، وَأهْدَى إِلَيْهِ بغلة بَيْضَاء ، فَكتب إِلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأهْدَى إِلَيْهِ بُردًا" .
وَفِي كتاب "الْهَدَايَا" لإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ من حَدِيث عليّ قَالَ : " أهْدَى يوحنا بن روزية إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بغلته الْبَيْضَاء " .
وَرَوَى الْحَرْبِيّ أَيْضا وَأَبُو بكر أَحْمد بن عَمرو بن أبي عَاصِم من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه : " أَن أَمِير القبط أهْدَى إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاريتين وَبغلة ؛ فَكَانَ يركب البغلة بِالْمَدِينَةِ ، وَأخذ إِحْدَى الجاريتين [7/124] لنَفسِهِ ، ووهب الْأُخْرَى لحسان " .
وَفِي "صَحِيح مُسلم" " أَن فَرْوَة الجذامي أهْدَى إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بغلة بَيْضَاء ، ركبهَا يَوْم حنين " .
وأمَّا "مَارِيَة" فَهِيَ إِحْدَى الجاريتين السالفتين .
وَقد أُهدي لَهُ (غيرُ ذَلِك ؛ فَفِي "مُسْند أَحْمد" من حَدِيث عَلي بن زيد بن جدعَان ، عَن أنس قَالَ : "أهْدَى الأكيدر لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَرَّة من (مَنٍّ) فلمَّا انْصَرف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الصَّلَاة مر عَلَى الْقَوْم ، فَجعل يُعْطي كل رجل مِنْهُم قِطْعَة ، فَأعْطَى جَابِرا قِطْعَة ، ثمَّ إِنَّه رَجَعَ إِلَيْهِ فَأعْطَاهُ قِطْعَة أُخْرَى ، فَقَالَ : إِنَّك أَعْطَيْتنِي مرّة .
قال : هَذَا (لبنات) عبد الله " .
وَفِي "علل ابْن أبي حَاتِم " : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ عَمرو بن حكام ، عَن (شُعْبَة) عَن عَلي بن زيد بن جدعَان ، عَن أبي المتَوَكل النَّاجِي ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : " أهْدَى ملك الرّوم إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَدَايَا ، فَكَانَ فِيمَا أهْدَى إِلَيْهِ جَرَّة فِيهَا زنجبيل " فَقَالَا : لَا نعرفه من حَدِيث (شُعْبَة) رَوَاهُ سُفْيَان بن حُسَيْن ، عَن عَلي بن زيد ، عَن أنس .
قلت : فَهَذَا صَحِيح ؟ قَالَا : لَا ، هَذَا أشبه ، وأمَّا حَدِيث عَمرو بن حكام [ فَإِنَّهُ مُنكر ، لَا نعلم أَنه رَوَاهُ أحد سُوَى عَمْرو بن حكام .
قال : [7/125] فَمَا حَال عَمْرو بن حكام ؟ قَالَا ] : فَلَيْسَ بِالْقَوِيّ .
قال أَبُو زرْعَة : كَانَ (قدم الرّيّ فَكتب) عَنهُ أخي أَبُو بكر
.
قال الذَّهَبِيّ : وَهُوَ مُنكر من وُجُوه :
أَحدهَا : أَنه لَا يُعلم أَن ملك الرّوم أهْدَى إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئا .
قلت : بلَى ؛ قد أهْدَى لَهُ كَمَا سلف عَن "سنَن أبي دَاوُد" .
ثَانِيهَا : أَن هَدِيَّة الزنجبيل من الرّوم إِلَى الْحجاز شَيْء يُنكره الْعقل ، فَهُوَ نَظِير هَدِيَّة التَّمْر من الرّوم إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة .
وَاعْلَم أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قبل هَدَايَا الْكفَّار كَمَا أسلفناه ، وَقد ورد أَنه امْتنع من قبُولهَا ؛ رَوَى كَعْب بن مَالك قَالَ : "جَاءَ مُلاعب الأسِنَّة إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهدية ، فَعرض عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ الإسلامَ فَأَبَى أَن يُسلِم ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : أَنا لَا أقبل هَدِيَّة مُشْرك" رَوَاهُ ابْن شاهين بِإِسْنَادِهِ .
وَفِي حَدِيث عِيَاض بن حمَار : " أَنه أهْدَى إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَدِيَّة وَهُوَ مُشْرك ، فردَّها وَقَالَ : أَنا لَا أقبل (زبد) الْمُشْركين " .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَهُوَ عَلَى شَرط البُخَارِيّ كَمَا قَالَه صاحبُ "الاقتراح" وَذكر الأثرمُ فِي الْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث ثَلَاثَة أَقْوَال :
أَحدهَا : أَن أَحَادِيث الْقبُول أثبت ، وَحَدِيث عِيَاض فِيهِ إرْسَال .
ثَانِيهَا : أَن حَدِيث عِيَاض كَانَ فِي أوَّل الْإِسْلَام ، وَحَدِيث أكيدر [7/126] دومة فِي آخر الْأَمر قبل موت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَسِير ، فَيكون هَذَا من النَّاسِخ والمنسوخ ، وَبِهَذَا أجَاب عبد الْحق فِي "أَحْكَامه" فَقَالَ : حَدِيث عِيَاض كَانَ قبل غَزْوَة تَبُوك .
ثمَّ سَاق حَدِيث أبي حميد السالف .
ثَالِثهَا : أَن يكون قبُول الْهَدِيَّة لأهل الْكتاب دون أهل الشّرك ، وعياض لم يكن من أهل الْكتاب .
يَبْقَى : "أَنه قبل من كسْرَى" .
جَوَابه : من وَجْهَيْن :
أَحدهمَا : أَن فِي إِسْنَاده "ثُوَيْر بن أبي فَاخِتَة " وَلَيْسَ بِثِقَة عِنْدهم .
ثانِيهمَا : أَن يكون الْقبُول مَنْسُوخا فِي حق من لَا كتاب لَهُ .
فَائِدَة مهمة : رَوَى الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" عَن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل ، ثَنَا سعيد بن مُحَمَّد ، ثَنَا أَبُو تُمَيْلة يَحْيَى بن وَاضح ، نَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبي بكر ، عَن مُحَمَّد ابن عبد الرَّحْمَن مولَى آل طَلْحَة ، عَن [ ابْن ] الحوتكية ، عَن عمار بن يَاسر قَالَ : "كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَأْكُل من هَدِيَّة حَتَّى يَأْمر صَاحبه أَن يَأْكُل مِنْهَا للشاة الَّتِي أُهديت لَهُ" .
وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر فِي "تَارِيخ دمشق" عَن أبي نصر الْقشيرِي ، أبنا الْبَيْهَقِيّ ، أبنا الْحَاكِم ، أبنا عَلي الحبيبي ، أَنا خَالِد بن أَحْمد ، حَدثنِي أبي ، حَدثنِي سعيد بن (سلم) بن قُتَيْبَة ، حَدثنِي [7/127] [ أبي ، نَا ] يَحْيَى بن الْحُضَيْن بن الْمُنْذر ، عَن أَبِيه أبي ساسان ، سَمِعت عمار بن يَاسر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَقُول : "كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَأْكُل الْهَدِيَّة حَتَّى يَأْكُل مِنْهَا من أهداها إِلَيْهِ ، بَعْدَمَا أَهْدَت (إِلَيْهِ) الْمَرْأَة الشَّاة المسمومة بِخَيْبَر
" .