الحَدِيث الْخَامِس
أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَنا وارثُ مَنْ لَا وَارِث لَهُ ، أعْقِلُ عَنهُ وأَرِثُهُ " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" من رِوَايَة رَاشد بن سعد ، عَن أبي عَامر الْهَوْزَنِي ، عَن الْمِقْدَام بن معدي كرب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ تَرَكَ كَلا فإليَّ - وَرُبمَا قَالَ : فَإلَى الله وَرَسُوله - ومَنْ ترك مَالا فلورثته ، وَأَنا وارثُ مَنْ لَا وَارِث لَهُ ، (وأعْقِلُ عَنهُ وأَرِثُهُ ، وَالْخَال وَارِث مَنْ لَا وَارِث لَهُ) يَعْقِلُ عَنهُ ويَرِثُهُ " .
وَفِي رِوَايَة لَهُ : " وَأَنا أَوْلى بِكُلِّ مؤمنٍ مِنْ نَفْسِهِ ، فَمَنْ ترك دَيْنًا أَو ضَيْعَةً فإليَّ ، ومَنْ ترك مَالا فلورثته ، وَأَنا مولَى مَنْ لَا مولَى لَهُ ، أَرِثُ مالَهُ وأَفُكُّ عَانَهُ ، وَالْخَال مولَى مَنْ لَا مولَى لَهُ ، يَرِثُ مَاله ويَفُكُّ عانَهُ " .
قال أَبُو دَاوُد : وَرَوَاهُ الزبيدِيّ عَن رَاشد بن سعد ، عَن ابْن عائذٍ ، عَن الْمِقْدَام ، وَرَوَاهُ مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن رَاشد قَالَ : سَمِعت الْمِقْدَام .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مثل طَرِيق أبي دَاوُد الأُولى .
وَرَوَاهُ أَيْضا عَن رَاشد [7/196] ابن سعد ، عَن الْمِقْدَام نَحوه ، وَلَيْسَ فِي [ مَتنه ] ذكْر "الْخَال" ، وَلَا فِي إِسْنَاده ذكْر أبي عَامر .
وَرَوَاهُ أَيْضا عَن رَاشد بن سعد عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : وَهُوَ مُرْسل .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا عَن شُعْبَة ، عَن بديل بن ميسرَة ، عَن عليّ بن أبي طَلْحَة ، عَن رَاشد ، عَن أبي عَامر ، عَن الْمِقْدَام بِلَفْظ أبي دَاوُد الأوَّل .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" من حَدِيث عليّ بن أبي طَلْحَة بِهِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
وَقَالَ أَبُو زرْعَة : إِنَّه حَدِيث حسن .
حكاه ابْن أبي حَاتِم فِي "علله" وَقَالَ (ابْن) الْقطَّان : كلُّ رِجَاله مَا بهم بأسٌ .
قلت : وَعلي هَذَا وَثَّقَهُ الْكُوفِي ، وَقَالَ أَحْمد : لَهُ أَشْيَاء مُنكرَات .
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" من طَرِيقين عَن رَاشد بن سعد ، عَن أبي عَامر ، عَن الْمِقْدَام .
(وَعَن رَاشد أَن [ ابْن عَائِذ ] حدَّثه أَن الْمِقْدَام) حدَّثهم ، ثمَّ قَالَ : سمع هَذَا الْخَبَر راشدُ عَن أبي [7/197] عَامر [ الْهَوْزَنِي عَن الْمِقْدَام ، وسَمعه عَن عبد الرَّحْمَن بن عَائِذ ] الأزديّ عَن الْمِقْدَام ، قَالَ : فَالطَّرِيقَانِ جَمِيعًا محفوظان ومتناهما متباينان .
وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي "علله" : أَن شُعْبَة وحَمَّاد وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان رَوَوْهُ عَن بديل عَن ابْن أبي طَلْحَة ، عَن رَاشد ، عَن أبي عَامر ، عَن الْمِقْدَام ، وَأَن مُعَاوِيَة بن صَالح خالفهم ، فَلم [ يذكر ] "عامرَ" بَيْنَ "رَاشد" و "الْمِقْدَام" ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَالْأول أشبه بِالصَّوَابِ .
قال ابْن الْقطَّان : وَهُوَ عَلَى مَا قَالَ ؛ فَإِن ابْن أبي طَلْحَة (ثِقَة) وَقد زَاد فِي الْإِسْنَاد مَنْ يتّصل بِهِ ، فَلَا يَضُرُّه إرْسَال مَن قطعهُ وَإِن كَانَ ثِقَة ، فَكيف إِذا كَانَ فِيهِ مقَال ، فنرى هَذَا الحَدِيث صَحِيحا .
ذكره عقب قَول عبد الْحق فِي "أَحْكَامه" : اخْتلف فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث .
وَقَالَ المنذريُّ : فَروِيَ عَن رَاشد بن سعد [ عَن أبي عَامر الْهَوْزَنِي ] عَن الْمِقْدَام ، ورُوي عَن رَاشد بن سعد عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (خلافياته" : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بالقويّ ؛ رَوَاهُ رَاشد بن سعد ، وَأَبُو عَامر عبد الله بن لُحيِّ الْهَوْزَنِي ، وهما مِمَّن يَحْتَجُّ بِهِ الشَّيْخَانِ ، وَهُوَ حَدِيث مُخْتَلف فِيهِ .
وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَهُوَ ضَعِيف ، غير مُحْتَجٍّ بِهِ ، وَقَالَ فِيهِ [7/198] وَفِي شبه هَذَا الحديثِ : كَانَ يَحْيَى بن معِين يُبطلهُ وَيَقُول : لَيْسَ فِيهِ حَدِيث قويّ .
قال الْبَيْهَقِيّ : وَقد أَجمعُوا عَلَى أَن الْخَال الَّذِي لَا يكون ابْنَ عَمٍّ ، أَو مولَى لَا يعقل بالخئولة ، فخالفوا الحديثَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فِي الْعقل ، فَإِن كَانَ ثَابتا ، فَيُشبه أَن يكون فِي وقتٍ كَانَ يُعقل بالخئولة ، ثمَّ صَار الْأَمر إِلَى غير ذَلِك ، أَو أَرَادَ خالاً يعقل ؛ بِأَن يكون ابْنَ عَمٍّ أَو مولَى ، أَو اخْتَار وضع مَاله فِيهِ إِذا لم يكن لَهُ وَارِث سواهُ .
قلت : وَلِحَدِيث الْمِقْدَام هَذَا طَرِيق ثَان ؛ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" وَقَالَ : حَسَنٌ .
وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" من حَدِيث عُمر مَرْفُوعا : " الله ورسولُه مولَى من لَا مولَى لَهُ ، وَالْخَال وَارِث مَنْ لَا وَارِث لَهُ " .
وَله طَرِيق ثَالِث ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عَمرو بن مُسلم عَن طَاوس عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : " الْخَال وَارِث مَنْ لَا وَارِث لَهُ " .
قال التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، وَقد أرْسلهُ بَعضهم .
وَقَالَ عبد الْحق : اخْتلف فِيهِ .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : عَمرو هَذَا لَيْسَ بالقويّ .
وَقد [7/199] اخْتلف عَلَى ابْن جريج فِيهِ ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِي الدِّين فِي "الْإِلْمَام" : عَمرو هَذَا أخرج لَهُ مُسلم وبعضُهم ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط (الشَّيْخَيْنِ) وَلم يخرجَاهُ .
كذَا زعم ، والبخاريُّ لم يُخَرِّج لِعَمرو هَذَا - وَقد أسلفنا غير مرَّة أَن مثل هَذَا لَا يرد عَلَى الْحَاكِم - وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَن رفْعه وهْمٌ .
وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ ، وَأَن الصَّوَاب وَقْفه .
قال : وَلم يُرو هَذَا الحديثُ من وَجه يَصح .
وَقَالَ الْبَزَّار فِي "مُسْنده" : أحسنُ إِسْنَاد فِيهِ حَدِيث أبي أُمَامَة بن سهل قَالَ : " كتب عُمرُ بن الْخطاب إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح : أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "الله ورسولُه مولَى مَنْ لَا مولَى لَهُ ، وَالْخَال وَارِث مَنْ لَا وَارِث لَهُ " .
قلت : وَهَذَا طَرِيق رَابِع ، وَقد أخرجه ابْن السكن فِي "صحاحه" أَيْضا ، وقبلهما أَحْمد فِي "مُسْنده" ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" - وَابْن مَاجَه فِي "سنَنه" - ثمَّ قَالَ : حسن .
قال ابْن الْقطَّان : وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة حَكِيم بن حَكِيم عَن أبي أُمَامَة ، وَحَكِيم لَا تُعرف عَدَالَته .
(قلت) لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" وَأخرج [7/200] الحديثَ فِي "صَحِيحه" مِنْ جِهَة عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث الرَّاوِي عَن حَكِيم ، قَالَ أَحْمد : إِنَّه مَتْرُوك .
وَقَالَ أَبُو حَاتِم : شيخ .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بالقويّ .
وَقَالَ ابْن نمير : لَا أَقْدُمُ عَلَى ترك حَدِيثه
.

ثمَّ اعْلَم أَنه وَقع فِي "أَحْكَام عبد الْحق الْكُبْرَى" و "الْوُسْطَى" عَن حَكِيم بن [ حَكِيم ] قَالَ : "كتب عُمر ... " فَذكره ، فَسقط مِنْهُ ذكْرُ أبي أُمَامَة ، فَتنبه لَهُ .