|
[7/314] الحَدِيث الرَّابِع قال الرَّافِعِيّ بعد أَن قرر أَن سهم الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الخُمْس من الْفَيْء ، وَأَن هَذَا السهْم كَانَ لَهُ يعْزل مِنْهُ نَفَقَة أَهله ، وَمَا فضل جعله فِي الكراع كَمَا سلف : لم يكن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يملكهُ ، وَلَا ينْتَقل مِنْهُ إِلَى غَيره إِرْثا ، بل مَا يملكهُ الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم السَّلَام - لَا يورَّث عَنْهُم ، كَمَا اشْتهر فِي الْخَبَر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" من طرق : أَحدهَا : عَن أبي بكر الصدِّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَا نُورَّث ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة " . وَلابْن حبَان فِي "صَحِيحه" : "إِنَّا لَا نُورَّث ، مَا تركنَا صَدَقَة " . وَللترمذي فِي (غير) "جَامعه" بإسنادٍ عَلَى شَرط مُسلم ، عَن عُمر عَن أبي بكر ، رَفعه : " إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورَّث ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة " . وَلأَحْمَد عَن أبي بكر ، رَفعه : " أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يورَّث ، وَإِنَّمَا مِيرَاثه فِي فُقَرَاء الْمُسلمين وَالْمَسَاكِين " . ثَانِيهَا : عَن عُمر : " أَنه قَالَ لعُثْمَان وعَبْدِ الرَّحْمَن بن عَوْف والزبير [7/315] وَسعد وَعلي وَالْعَبَّاس : أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه الَّذِي تقوم السَّمَاوَات وَالْأَرْض بأَمْره ؛ أتعلمون أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا نورَّث ، مَا تركنَا صَدَقَة ؟ قَالُوا : نعم " . وللنسائي فِي "سنَنه الْكُبْرَى" من حَدِيث سُفْيَان ، عَن عَمرو بن دِينَار ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن مَالك بن أَوْس (بن الْحدثَان) قَالَ : " قَالَ عمر لعبد الرَّحْمَن وَسعد وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزبير : أنشِدُكم بِاللَّه الَّذِي قَامَت (لَهُ) السَّمَاوَات وَالْأَرْض ، سَمِعْتُمْ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : إِنَّا معشر الْأَنْبِيَاء لَا نورَّث ، مَا تركنَا (فَهُوَ) صَدَقَة ؟ قَالُوا : اللَّهُمَّ نعَمْ " . ثَالِثهَا : عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : " أَن أَزوَاج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِين تُوفِّي أردن أَن يَبْعَثْنَ عثمانَ إِلَى أبي بكر يسألنه ميراثهن ، فَقَالَت عَائِشَة : أَلَيْسَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا نورَّث ، مَا تركنَا صَدَقَة " . رَابِعهَا : عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لَا يقتسم ورثتي دِينَارا ، مَا تركتُ بَعْدَ نَفَقَة نسَائِي وَمؤنَة عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَة " . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد : "وَلَا درهما" . وَلأَحْمَد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، [7/316] وصحَّحه عَن أبي هُرَيْرَة : " أَن فَاطِمَة قَالَت لأبي بكر : مَنْ يرثكَ إِذا مت ؟ قَالَ : وَلَدي وَأَهلي . قالت : فَمَا لنا لَا نَرِثُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : سمعتُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : لَا نورَّث ، وَلَكِن أعول مَنْ كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعول ، وَأنْفق عَلَى مَنْ كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينْفق عَلَيْهِ " . وَفِي "علل الدَّارَقُطْنِيّ" : أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث فَاطِمَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَن أبي بكر ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَن الْأَنْبِيَاء لَا يُورَّثون ، مَا تَرَكُوهُ فَهُوَ صَدَقَة " قَالَ : هُوَ حَدِيث يرويهِ الْكَلْبِيّ ، فَاخْتلف عَنهُ ؛ فَقَالَ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش : عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح ، عَن أُمِّ هَانِئ ، عَن فَاطِمَة " أَنَّهَا دخلت عَلَى أبي بكر فَقَالَت : أرأيتَ لَو مت مَنْ كَانَ يَرِثُك ؟ " . وَخَالفهُ سُفْيَان الثَّوْريّ والمغيرة فروياه : عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن أُمِّ هَانِئ "أَن أَبَا بكر قَالَ لفاطمة " . فَائِدَة : قَوْله : "مَا تركنَا صَدَقَة" هُوَ فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ ، و "صَدَقَة" مرفوعٌ خبرٌ ، خلافًا للإمامية فِي قَوْلهم : إِنَّمَا هُوَ "يَرث" بِالْمُثَنَّاةِ تَحت . و "صَدَقَة" بِالْفَتْح ، أَي : مَا تركنَا صَدَقَة ؛ فَلَا نورَّث ، و "مَا" فِي مَوضِع الْمَفْعُول ، و "صَدَقَة" مَنْصُوب عَلَى الْحَال وَعَلَى التَّفْسِير ، وَهَذَا مُخَالف لما فهم مِنْهُ أهل اللِّسَان ، وَلما حمله عَلَيْهِ أئمةُ الصَّحَابَة من رِوَايَة هَذَا الحَدِيث ، وَمَا وَقع فِي سَائِر الرِّوَايَات (فِي) قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : "لَا نورّث ، (مَا تركنَا) فَهُوَ صَدَقَة" . [7/317] قال أَبُو جَعْفَر النّحاس : فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : "مَا تركنَا صَدَقَة" ثَلَاثَة أقوالٍ للْعُلَمَاء : أَحدهَا : أَنه بِمَنْزِلَة الصَّدَقَة ، أَي : لَا يورَّث ، إِنَّمَا هُوَ فِي مصَالح الْمُسلمين . ثَانِيهَا : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ تصدَّق بِهِ . ثَالِثهَا : أَن تكون الرِّوَايَة : "لَا نورَّث ، مَا تركنَا صَدَقَة" بِالنّصب ، وَتَكون "مَا" بِمَعْنى "الَّذِي" ، وَتَكون فِي مَوضِع جَرٍّ أَيْضا . قال : والمعاني فِي هَذَا مقاربة (لِأَن الْمَقْصُود) أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ لَا يورَّث .
|