الحَدِيث السَّابِع عشر
عَن أبي قَتَادَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " خرجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْم حُنَيْن ، فرأيتُ رجلا من الْمُشْركين عَلَى رجلٍ من الْمُسلمين ، فاستدرتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْته مِنْ وَرَائه ، فضربته عَلَى حَبْلِ عَاتِقه ضَرْبَة ، فَأقْبَلَ عليَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجدتُ مِنْهَا ريح الْمَوْت ، ثمَّ أدْركهُ الموتُ ، فأرسلني إِلَى أَن مَاتَ [ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : من قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه .
فقُمْت فَاقْتَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّة ، فَقَالَ رجل : صدق يَا رَسُول الله ، وسلب ذَلِك الْقَتِيل عِنْدِي ] .
فقال رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فأعْطِهِ إيَّاه .
فأعْطَانِيْهِ ، فابتعتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بني سَلمَة ؛ فَإِنَّهُ لأوَّلُ مالٍ تأثلته فِي الْإِسْلَام
" .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" مِنْ هَذَا الْوَجْه ، قَالَ : "خرجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَام حنين ، فلمَّا الْتَقَيْنَا كَانَ للْمُسلمين جَوْلَة ، قَالَ : فرأيتُ رجلا من الْمُشْركين قد علا رجلا من الْمُسلمين ، فابتدرتُ إِلَيْهِ حَتَّى أتيتَهُ مِنْ وَرَائه ، فضربتُه عَلَى حَبْلِ عَاتِقه ، فَأقبل عليَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجدتُ مِنْهَا ريح الْمَوْت ، ثمَّ أدْركهُ الموتُ [7/339] فأرسلني ، فلحقتُ عمرَ بْنَ الْخطاب ، فَقلت : مَا بالُ النَّاس ؟ فَقَالَ : أَمْرُ الله ، ثمَّ إِن الناسَ رجعُوا ، وَجلسَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَنْ قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلهُ سلبه .
فقُمْتُ فقلتُ : مَنْ يشْهد لي ؟ ثمَّ جلستُ ثمَّ قَالَ ذَلِك ثَلَاثَة ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَة ؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّة ، فَقَالَ رجل مِنْ الْقَوْم : صَدَقَ يَا رَسُول الله ؛ سَلَبُ ذَلِك الْقَتِيل عِنْدي ، فأرْضِهِ مِنْ حقِّه .
فقال أَبُو بكر الصّديق : لَاها الله إِذن ، لَا يعمدُ إِلَى أَسد من أَسد الله يُقَاتل عَن الله وَرَسُوله فيعطيك سلبه ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَدَقَ ، فأعْطِهِ إِيَّاه [ فَأَعْطَانِي : قَالَ ] فَبِعْت الدرْع وابتعتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بني سَلمَة ، فَإِنَّهُ لأوَّلُ مالٍ تأثلته فِي الْإِسْلَام" .
وَفِي رِوَايَة لَهما : "لمَّا كَانَ يَوْم حنين نظرتُ إِلَى رجلٍ من الْمُسلمين يُقَاتل رجلا من الْمُشْركين ، [ وَآخر ] من الْمُشْركين [ يختله ] مِنْ وَرَائه ليَقْتُلهُ ، فأسرعتُ إِلَى الَّذِي [ يختله ] فَرفع يَده ليضربني ، فَضربت يَده فقطعتها ، ثمَّ أَخَذَنِي فضمني ضمًّا شَدِيدا حَتَّى تخوفت ، ثمَّ بزك [ فتحلَّل ] ، ودفعتُه ثمَّ قَتَلْتُه ، وَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وانهزمتُ مَعَهم ؛ فَإِذا بعمر بن الْخطاب فِي النَّاس ، فقلتُ لَهُ : مَا شَأْن النَّاس ؟ قَالَ : أَمر [7/340] [ الله . ثُمَّ تراجع ] الناسَ إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ... " ثمَّ ذكر النَّاس بنَحْوِ مَا تقدم .
فَائِدَة : قَوْله : "كَانَ للْمُسلمين جَوْلَة" : أَي نُفُور وانكشاف .
"حَبْل العاتق" بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة : مَوضِع الرِّدَاء من العاتق .
قاله الأصمعيُّ ، يذكَّر ويؤنَّث .
وَقَوله : "لَاها الله إِذا" : هَكَذَا رُوي ، قَالَ الْخطابِيّ : وَالصَّوَاب : "لَاها الله ذَا" بِغَيْر ألف قبل الذَّال ، وَمَعْنَاهُ فِي كَلَامهم : لَا وَالله يكون ذَا ، يجْعَلُونَ الْهَاء مَكَان الْوَاو .
وَوَقع فِي "مُسْند أَحْمد" نَحْو هَذَا القَوْل من عمر فِي حق أبي قَتَادَة من حَدِيث أنس ، وَهُوَ وهم كَمَا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "جَامع المسانيد" وَإِنَّمَا قَالَه أَبُو بكر .
والمَخرف - بِفَتْح الْمِيم ، وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة ، وَفتح الرَّاء - حَائِط النّخل ، وَقيل : المَخرف : نَخْلَة وَاحِدَة أَو نخلات يسيرَة إِلَى عشر ، فَمَا فَوق ذَلِك فَهُوَ بُسْتَان أَو حديقة ، مَأْخُوذ من الخَرف - بِفَتْح الْخَاء - وَهُوَ الْقطع ؛ لِأَن الرطب و [ الثَّمر ] يقْطَعَانِ مِنْهُ ، والمخرفية - بِزِيَادَة الْيَاء - اسْم للبستان أَيْضا ، كَمَا قَالَه فِي "الصِّحَاح" والمِخْرَف - بِكَسْر الْمِيم - هِيَ مَا يجتنى فِيهِ الثِّمَار ، وَمِنْه الخريف للفصل الْمَعْرُوف ؛ لكَون الثِّمَار تُقْطع فِيهِ ، وبالمد مَعْنَاهُ : عللته .
وَالْحَبل : الْكر .
وَ "الجدع" و "حنين" : (واديين) بِمَكَّة ، والطائف وَرَاء عَرَفَات ، بَينه وَبَين مَكَّة بضعَة عشر ميلًا ، وَهُوَ مصروفٌ كَمَا نطق بِهِ الْقُرْآن الْعَزِيز .
وَقَوله : "فِي [7/341] بني سلِمة" : هُوَ بِكَسْر اللَّام .
قاله ابْن الْأَعرَابِي ، بني سَلمَة بِكَسْر اللَّام فِي الأزد ، وَبِفَتْحِهَا فِي يُسيْر
.