[7/394] الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين
قال الرَّافِعِيّ : وَيكرهُ الوسم فِي الْوَجْه ، وَقد ورد النَّهْي عَنهُ فِي رِوَايَة جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - .
هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أخرجه مُسلم مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : "أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَيْهِ حمارٌ وَقد وُسِمَ فِي وَجهه ، فَقَالَ : لعن الله الَّذِي وسمه " .
وَله فِي لفظٍ آخرٍ : قَالَ : " رَأَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمارا قد وُسِمَ فِي وَجهه يدخن مَنْخرَيْهِ ، فَقَالَ : لعن الله من فعل هَذَا ، ألم أَنْه أَنَّه لَا يسم أحدٌ الْوَجْه ، وَلَا يضْرب أحدٌ الْوَجْه " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظ : "أَنه مُرَّ عَلَيْهِ بحمارٍ وَقد وسم فِي وَجهه ، فَقَالَ : أما بَلغَكُمْ أَنِّي لعنتُ مَنْ وسم الْبَهِيمَة فِي وَجههَا ، أَو ضربهَا فِي وَجههَا .
فنَهَى عَن ذَلِك " .
إِذا علمتَ ذَلِك ، فَلَا يَنْبَغِي التَّعْبِير عَن مثل هَذَا الحَدِيث بلفظٍ ورد ، وَإِن كَانَ فِي عنعنة (أبي) الزبير عَن جَابر وَقْفَة لبَعض الْحفاظ ، عَلَى أَنه قد رُوي من حَدِيث جمَاعَة من الصَّحَابَة ، أحدهم : ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : "رَأَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمارا مَوْسُوم الْوَجْه ، فَأنْكر ذَلِك قَالَ : فوَاللَّه لَا أُسَمِّهِ إِلَّا [ فِي أقْصَى ] شَيْء من الْوَجْه ، فَأمر بحمارٍ لَهُ فكوي فِي [7/395] جَاعِرَتَيْهِ ، فَهُوَ أوّل من كوى الْجَاعِرَتَيْنِ " .
رواه مُسلم مُنْفَردا بِهِ أَيْضا .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" بِلَفْظ : " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لعن من يسم فِي الْوَجْه " .
ثانيهم : طَلْحَة بن عبيد الله : " أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (نهَى عَن الوسم أَن يوسم فِي الْوَجْه ، قَالَ : ومُرَّ عَلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بِبَعِير قد وُسِمَ في وَجهه ، فَقَالَ : نحّوا النَّار عَن وَجه هَذِه الدَّابَّة ، فَقلت : لأَسَمِنَّ فِي أبعد مَكَان ، فوسمت فِي عجب الذَّنب " .
رَوَاهُ الْبَزَّار فِي "مُسْنده" ثمَّ قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ يُروى عَن طَلْحَة إِلَّا من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد .
ثالثهم ورابعهم وخامسهم : الْعَبَّاس ، وجنادة بن [ جَراد ] ، ونقادة ، رواهن الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" ، قَالَ ابْن مَنْدَه فِي "مستخرجه" ورُوي أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَعبادَة .
فَائِدَتَانِ :
الأولَى : الْمَحْفُوظ في الوسم الإهمال ، وَبَعْضهمْ حَكَى الإعجام أَيْضا ، وَبَعْضهمْ فرَّق فَقَالَ : هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ فِي الْوَجْه وبالمعجمة [7/396] فِي سَائِر الْجَسَد ... ذكره كلَّه القَاضِي عِيَاض وَغَيره .
وَالجاعرتان هما حرفا الورك المشرفان مِمَّا يلى الدبر .
الثَّانِيَة : الْقَائِل فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس : "فواللَّهِ لَا أُسَمِّهِ إِلَّا [ فِي أقْصَى ] شَيْء من الْوَجْه" هُوَ : الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ، كَذَا ذكره أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" وصرَّح بِهِ البُخَارِيّ فِي "تَارِيخه" .
وَكَذَا صرَّح بِهِ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" قَالَ القاضى عِيَاض : وَهُوَ فِي رِوَايَة مُسلم مُشكل يُوهم أَنه من قَول رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالصَّوَاب أَنه العبَّاس .
وَاعْترض عَلَيْهِ النووى فَقَالَ فِي "شَرحه" : قَوْله "يُوهم" : ذَلِك لَيْسَ بِظَاهِر (بل ظَاهِرَة) أَنه من كَلَام ابْن عَبَّاس ، وَحِينَئِذٍ يجوز أَن يكون جرت الْقِصَّة للْعَبَّاس ولابنه .
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب
.