الحَدِيث الرَّابِع
عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إِن صَدَقَة السِّرِّ تُطفئ غَضَبَ الرَّبِّ " .
هَذَا الحَدِيث يُروى من طرقٍ :
أَحدهَا : من طَرِيق مُحَمَّد بن عَلي بن الْحُسَيْن قَالَ : قُلْنَا لعبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب : حدِّثنا مَا سَمِعت من رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَأَيْت مِنْهُ ، وَلَا تحدِّثنا عَن غَيره وَإِن كَانَ ثِقَة . فذكر أَحَادِيث ؛ وَمِنْهَا : أَنه سمع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : " الصَّدَقَة فِي السِّرِّ تُطْفِئ غَضَبَ الرَّبِّ " .
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" فِي كتاب الْفَضَائِل مِنْهُ ، في تَرْجَمَة [7/408] عبد الله بن جَعْفَر ، وَإِسْنَاده مُنكر جدًّا ، كَمَا أوضحتُه فِي (بَاب) شُرُوط الصَّلَاة ، فِي الحَدِيث التَّاسِع عشر مِنْهُ .
الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "صلَة الرَّحِم تُزيد فِي الْعُمر ، وَصدقَة السِّرّ تُطْفِئ غضب الرب " .
رَوَاهُ صَاحب "الشهَاب" فِي مُسْنده من هَذَا الْوَجْه ، وَفِي إِسْنَاده من لَا أعرفهُ .
الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث عَمرو بن أبي سَلمَة عَن صَدَقَة بن عبد الله ، عَن الْأَصْبَغ (عَن) بهز بن حَكِيم ، عَن أَبِيه ، عَن جدِّه مَرْفُوعا : " إِن صَدَقَة السِّرّ تُطْفِئ غضب الرب" .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" و "صَدَقَة" هَذَا هُوَ : السمين ، وَبِه صرح ابْن طَاهِر ، وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ كَمَا سبق فِي أوّل الْكتاب .
الطَّرِيق الرَّابِع : من حَدِيث أبي أُمَامَة مَرْفُوعا : "صَدَقَة السِّرّ تُطْفِئ غضب الرب " .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" أَيْضا ، فِي جملَة حَدِيث طويلٍ ، وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن عبد الرَّحْمَن ، وَالظَّاهِر أَنه الدالاني ، وَفِيه خلف ، كَمَا سلف فِي الْأَحْدَاث أَيْضا .
الطَّرِيق الْخَامِس : من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "شعب الْإِيمَان" وَفِيه الْوَاقِدِيّ ، وحالته مَعْلُومَة .
[7/409] الطَّرِيق السَّادِس : من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "شعبه" أَيْضا فِي أثْنَاء حديثٍ طويلٍ ، ثمَّ قَالَ : الحَمْل فِيهِ عَلَى إِسْمَاعِيل بن بَحر العسكري أَو إِسْحَاق بن مُحَمَّد العميِّ .
وَفِي "جَامع التِّرْمِذِيّ" من حَدِيث أنس رَفعه : " إِن الصَّدَقَة لتطفئ غضب الرب ، وتدفع ميتَة السوء " .
ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حسن غريبٌ من هَذَا الْوَجْه .
قلت : وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن عِيسَى الخزاز - بخاء مُعْجمَة ، ثمَّ زَاي مكررة - : يُعْرف بـ "صَاحب الْحَرِير" سُئِلَ عَنهُ أَبُو زرْعَة فَقَالَ : مُنكر الحَدِيث .
وَقال ابْن طَاهِر : وصف بِأَنَّهُ يروي عَن الثِّقَات مَا لَا يُتَابع عَلَيْهِ .
وَقال الْعقيلِيّ : لَا يُتابع عَلَى أَكثر حَدِيثه .
وَقال أَبُو أَحْمد : يروي عَن يُونُس بن عبيد وَدَاوُد بن أبي هِنْد مَا لَا يُوَافقهُ عَلَيْهِ الثِّقَات ، وَلَيْسَ هُوَ ممَنْ يُحْتج بحَديثه .
وَقال ابْن الْقطَّان فِي "علله" : هُوَ مُنكر الحَدِيث عِنْدهم ، لَا أعلم لَهُ [ موثقًا ]
.
فالْحَدِيث عَلَى هَذَا ضَعِيف لَا حسن .
قلت : وَأما ابْن حبَان فَإِنَّهُ أخرجه فِي "صَحِيحه" من الطَّرِيق الْمَذْكُور ، وَفِيه النّظر الْمَذْكُور .
ثمَّ اعلمْ : أَن الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَن صرف الصَّدَقَة سرًّا أفضل بعد قَوْله - تَعَالَى - : (إِن تبدوا الصَّدقَات فنعمَّا هِيَ) .
[7/410] وَيغني عَنهُ حَدِيث صَحِيح ثَابت ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " سَبْعَة يُظِلهُّم الله في ظله ، يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظلُّه : إِمَام عَادل ، وَرجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه "
.