الحَدِيث الرَّابِع
[7/523] رُوِيَ أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "( إِذا) استنصح أحدكُم أَخَاهُ فلينصحه " .
هَذَا الحَدِيث ذكره البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه " فِي الْبيُوع تَعْلِيقا بِصِيغَة جزم ، فَقَالَ : وَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "إِذا استنصح أحدكُم أَخَاهُ فلينصح لَهُ" وأَسنده الأَئِمَة من طرق :
أَحدهَا : من طَرِيق جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " دعوا النَّاس يرْزق الله بَعضهم من بعض ؛ فَإِذا استنصح أحدكُم فلينصح " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْبيُوع من حَدِيث أبي حَمْزَة السكرِي ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر مَرْفُوعا بِهِ .
ثَانِيهَا : من طَرِيق حَكِيم (بن أبي) يزِيد ، عَن أَبِيه ، عَمَّن سمع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : " دعوا النَّاس فليصب بَعضهم من بعض ، وَإِذا استنصح رجل أَخَاهُ فلينصح لَهُ " رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي "كِتَابه" من حَدِيث جرير ، عَن عَطاء بن السَّائِب ، عَن حَكِيم بِهِ ، وَهُوَ حَدِيث فَرد غَرِيب ، مَدَاره عَلَى عَطاء ، وَلَيْسَ لأبي يزِيد سواهُ ، وَجَرِير رَوَى عَن عَطاء بعد الِاخْتِلَاط كَمَا تقدم فِي الْأَحْدَاث ، وَرَوَاهُ عبد بن حميد فِي "مُسْنده" وَالْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي "كناه" من حَدِيث جرير ، عَن عَطاء أَيْضا ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "دعوا النَّاس يُصِيب بَعضهم من بعض ؛ فَإِذا استنصح أحدكُم أَخَاهُ فلينصح لَهُ" وَرَوَاهُ [7/524] الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ ثمَّ اعْلَم أَن جمَاعَة رَوَوْهُ عَن عَطاء (أحدهم : أَبُو عوَانَة ، رَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" عَن عَفَّان عَنهُ ، عَن عَطاء) عَن حَكِيم بن أبي يزِيد عَن أَبِيه عَمَّن سمع النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول ... فَذَكَرَهُ بِلَفْظ الْحَاكِم الأول .
قال يَحْيَى بن معِين : سمع أَبُو عوَانَة من عَطاء فِي الْحَالين ، وَلَا يحْتَج بِهِ .
ثانيهم : حَمَّاد بن زيد ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من حَدِيث خَالِد بن خِدَاش عَنهُ ، عَن عَطاء ، عَن حَكِيم (بن) أبي يزِيد (عَن أَبِيه) رَفعه : "دعوا النَّاس يُصيب بَعضهم من بعض ، وَإِذا استنصحوا فانصحوهم" وخَالِد هَذَا : قَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره : صَدُوق .
وَقال ابْن الْمَدِينِيّ والسَّاجي : ضَعِيف .
وَقال يَحْيَى بن معِين : تفرد عَن حَمَّاد بِأَحَادِيث .
وَقد تقدم فِي الْأَحْدَاث الِاخْتِلَاف فِي سَماع حَمَّاد (من) عَطاء ؛ هَل هُوَ قبل الِاخْتِلَاط أم بعده ؟
ثالثهم : حَمَّاد بن سَلمَة ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي "أكبر معاجمه" [7/525] من حَدِيث عَلي بن الْجَعْد عَنهُ بِمثلِهِ ، إِلَّا أَنه قَالَ : "يرْزق" بدل "يُصِيب" وَقَالَ : "وَإِذا استنصح أحدكُم أَخَاهُ فلينصحه" وَرَوَاهُ الْخَطِيب فِي "غنية الملتمس فِي إِيضَاح الملتبس" من طرق عَن حَمَّاد ، وَلم يتَبَيَّن أهوَ ابْن زيد أَو ابْن سلمةَ .
وَأخرجه من حَدِيث جُنَادَة عَن حَمَّاد عَن عَطاء بِهِ بِلَفْظ "دعوا النَّاس يعِيش بَعضهم من بعض ؛ فَإِذا استنصح أحدكُم أَخَاهُ فلينصح لَهُ" وَمن حَدِيث يَحْيَى الْحمانِي عَن حَمَّاد بِهِ ، وَلَفظه كَلَفْظِ الرَّافِعِيّ سَوَاء ، وَمن حَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل ، عَن حَمَّاد بِهِ ، وَقَالَ : "فلينصح لَهُ" بدل "فلينصحه" .
رابعهم : إِسْمَاعِيل ابْن علية ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من حَدِيث عَنهُ بِهِ ، وَلَفظه : "دعوا النَّاس فليرزق (الله) بَعضهم من بعض ، وَإِذا استنصح الرجل الرجل فلينصح لَهُ" .
خامسهم : همام بن يَحْيَى ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِيهِ بِهِ ، وَلَفظه : "دعوا النَّاس يرْزق الله بَعضهم من بعض ، وَإِذا اسْتَشَارَ أحدكُم أَخَاهُ فلينصحه" وَرَوَاهُ الْخَطِيب فِي "غنية الملتمس" من هَذِه الطَّرِيق بِلَفْظ : "دعوا النَّاس يُصِيب (بَعضهم) من بعض" وَالْبَاقِي بِمثلِهِ .
سادسهم : مَنْصُور بن أبي الْأسود ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيثه عَنهُ (بِهِ) وَلَفظه : "دعوا النَّاس فليصب بَعضهم من بعض ، وَإِذا [7/526] استنصح الرجل أَخَاهُ فلينصح لَهُ" .
سابعهم : روح بن الْقَاسِم ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيثه عَنهُ بِنَحْوِهِ .
ثامنهم : عَلي بن عَاصِم رَوَاهُ الْخَطِيب فِي الْكتاب السالف ذكره ، من حَدِيثه عَنهُ بِهِ بِلَفْظ طَرِيق (همام) سَوَاء .
تاسعهم : وَالِد عبد الصَّمد ، قَالَ الإِمَام أَحْمد : ثَنَا عبد الصَّمد ، ثَنَا أبي ، ثَنَا عَطاء بن السَّائِب ، قَالَ : حَدثنِي حَكِيم بن أبي يزِيد ، عَن أَبِيه قَالَ : حَدثنِي أبي أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "دعوا النَّاس يُصِيب بَعضهم من بعض ... " الحَدِيث .
فَهَؤُلَاءِ عشرَة أنفس رَوَوْهُ عَنهُ ، وَرَوَاهُ - أَعنِي : عَطاء - (مرّة) عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "( دعوا النَّاس) يُصِيب بَعضهم من بعض ، وَإِذا استنصحك أَخُوك فانصح لَهُ " .
ذَكَرَهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي "معرفَة الصَّحَابَة" فِي تَرْجَمَة مَالك ، وَقَالَ : هُوَ أَبُو السَّائِب الثَّقَفِيّ جد عَطاء .
قلت : وَهَذَا طَرِيق غَرِيب .
الطَّرِيق الثَّالِث : من أصل طرق الحَدِيث من حَدِيث ميسرَة ، وَهُوَ أَبُو [7/527] طيبَة الْحجام "أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل السُّوق فَجَلَسَ فِي البزازين فَجعل يعرض رجلا مَتَاعا لَهُ ، فَقَالَ رجل للْمُشْتَرِي : هَذَا لَا يساوى بِمَا يسام . قال : فَأخذ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتلابيبه فَقَالَ : دع النَّاس فليصب بَعضهم من بعض ، وَإِذا اسْتَشَارَ أَخَاهُ فلينصح أَخَاهُ !" ذكره أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ أَيْضا فِي تَرْجَمَة ميسرَة هَذَا .
الطَّرِيق الرَّابِع : وَهُوَ أَحَق بالتقديم مَا أخرجه مُسلم فِي "صَحِيحه" من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "حق الْمُؤمن عَلى (الْمُؤمن) سِتَّة ... " فَذكرهَا ، وفيهَا : "وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ" .
وَسَيَأْتِي بِطُولِهِ فِي أثْنَاء كتاب السّير ، حَيْثُ ذكره الرَّافِعِيّ - إِن شَاءَ الله .
ويعضد مَا سلف من الطّرق أَيْضا حَدِيث جرير بن عبد الله البَجلِيّ قَالَ : "بَايَعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السّمع وَالطَّاعَة - فلقنني : فِيمَا استطعتَ - والنصح لكل مُسلم" أخرجه الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" وَحَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ - رَفعه - : "الدَّين النَّصِيحَة" رَوَاهُ مُسلم وَهُوَ من أَفْرَاده ؛ بل لَيْسَ لَهُ فِي "صَحِيحه" عَنهُ سواهُ .