الحَدِيث الثَّانِي عشر
ورد فِي الْخَبَر : النهْي عَن ضرب الزَّوْجَات .
هَذَا الْخَبَر صَحِيح ، رَوَاهُ : أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِي فِي " سُنَنهمْ " ، وَالْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " من رِوَايَة إِيَاس بن عبد الله بن أبي ذُبَاب قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لَا تضربوا إِمَاء الله ، فجَاء عمرُ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، ذئرن النساءُ عَلَى [8/51] أَزوَاجهنَّ ، فَرخص فِي ضربهن ، فأطاف بآل رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - نسَاء كثيرا يَشكونَ أزواجَهُنَّ ، لَيْسَ أُولَئِكَ بخياركم " .
قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَقَالَ الْبَيْهَقِي : بلغنَا عَن البُخَارِي أَنه قَالَ : لَا يُعْرف لإياسٍ صُحْبة .
قلت : ذكر ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه عَن أَبِيه وَأبي زُرْعة أَنَّهُمَا قَالَا : لَهُ صُحْبَة ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عمر فِي " استيعابه " ، وَذكره ابْن حبَان فِي الصَّحَابَة .
نَعَمْ قَالَ ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم : اخْتلف فِي صحبته
، قَالَ الْبَغَوِي : وَلَا أعلمهُ رَوَى غير هَذَا الحَدِيث .
تَنْبِيه : مَعْنَى : ذئرن النِّسَاء : اجْتَرَأن ونشزن ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِي : لَهُ تَأْوِيلَانِ : أَحدهمَا : البطر والأشرة ، وَالثَّانِي : الْبذاء والاستطالة .
وَفِي " حواشى السّنَن " عَن بَعضهم : الذاير : الغياظ عَلَى خَصمه المستعد للشر ، وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة ثمَّ مثناة تَحت ثمَّ رَاء مُهْملَة .
وَرُوِي : ذئرن بالنُّون وبحذفها ، وَهُوَ باللغة الْغَالِبَة ، وَالْأول لُغَة وَردت فِي الْكتاب والسُّنة وأشعار الْعَرَب .
[8/52] تَنْبِيه آخر : قَالَ الرَّافِعِي : أَشَارَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي هَذَا الْخَبَر وَشبهه إِلَى احْتِمَالَيْنِ :
أَحدهمَا : أَنه مَنْسُوخ ، إِمَّا بِالْآيَةِ ، وَهُوَ قَوْله - تعالى - : واضربوهن ، وَإِمَّا بالْخبر . أَي : كآخر هَذَا الْخَبَر ، وَبِحَدِيث جَابر الطَّوِيل الثَّابِت فِي " مُسلم " الَّذِي أسلفناه فِي الْحَج بِكَمَالِهِ : " فاضربوهن ضربا غير مبرِّح " .
وَفِي حَدِيث مَكْحُول عَن أم أَيمن : " أَنه - عليه السلام - أَوْصَى بعض أهل بَيته ... " . فَذكر حَدِيثا طَويلا ، فِيهِ : " وَلَا ترفع عصاك عَنْهُم " .
قَالَ الْبَيْهَقِي : فِي هَذَا إرْسَال ، مَكْحُول لم يدْرك أُمَّ أَيمن ، قَالَ أَبُو عبيد : فِي هَذَا الحَدِيث : قَالَ الْكسَائي وَغَيره : يُقَال : إِنَّه لم يرد الْعَصَا الَّتِي يضْرب بهَا ، وَلَا أَمر أحدا قَط بذلك ، وَلكنه أَرَادَ الأدبَ . قَالَ أَبُو عبيد : وأصل العصا : الِاجْتِمَاع والائتلاف .
وَالثَّانِي : حمل النَّهْي عَلَى الْكَرَاهَة ، أَو عَلَى أَن الأَوْلى التَّحَرُّز عَنهُ مَا أمكن ، وَقَالَ ابْن دَاوُد - من أَصْحَابنَا - فِي " شرح الْمُخْتَصر " : اخْتلف أَصْحَابنَا فِي أَن إِذْنه - عليه السلام - فِي الضَّرْب بعد أَن نهَى عَنهُ ، ووَرَدَتْ الآيةُ مُوَافقَة لإذنه ، فَيكون إِذْنه نَاسِخا لنَهْيه ، ثمَّ اسْتحبَّ تركَ الضَّرْب أَو منع مِنْهُ ، فَجَاءَت الآيةُ بِالْإِبَاحَةِ ، وأمْره موافقٌ لَهَا . وَهَذَا الِاخْتِلَاف مَبْنِي عَلَى جَوَاز نسخ الْكتاب بالسُّنَّة .
[8/53] هَذَا آخِرُ مَا ذكره الرَّافِعِي فِيهِ من الْأَحَادِيث .
وَذكر فِيهِ أثرا عَن علي ، وَقد سلف ، وأثرًا آخَرَ عَنهُ : " أَنه بعث حكمين ، وَقَالَ : تدريان مَا عَلَيْكُمَا ؟ إِن رأيتُما أَن تجمعَا فجمعا ، وَإِن رأيتُما أَن تفرِّقا ففرِّقا ، فَقَالَت الزَّوْجَة : رضيتُ بِمَا فِي كتاب الله - تعالى - علي ولي . فَقَالَ الرجل : أما الْفرْقَة فَلَا ، قَالَ علي : كذبتَ ، لَا واللَّهِ حَتَّى تقر بمثْل الَّذِي أقرَّت بِهِ " .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّافِعِي فَقَالَ : أبنا الثَّقَفِي ، عَن أَيُّوب ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن عُبَيْدَة " أَنه قَالَ فِي هَذِه الْآيَة : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ قَالَ : جَاءَ رجل وَامْرَأَة إِلَى عَلّي ، وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا فِئَام من النَّاس ، فَأَمرهمْ علي - رضي الله عنه - فبعثوا حكما من أَهله وَحكما من أَهلهَا ، ثمَّ قَالَ لِلْحكمَيْنِ : تدريان مَا عَلَيْكُمَا ، عَلَيْكُمَا إِن رَأَيْتُمَا أَن تجمِّعا أَن تُجَمِّعَا ، وَإِن رَأَيْتُمَا أَن تفَرقا أَن تفَرقا . فَقَالَت الْمَرْأَة : رضيتُ بِكِتَاب الله بِمَا فِيهِ عليَّ ولي ، فَقَالَ الرجل : أما الْفرْقَة : فَلَا . فَقَالَ علي : كذبتَ واللَّهِ حَتَّى تقر بِمثل الَّذِي أقرتْ بِهِ " .
وَرَوَاهُ أَيْضا الدَّارَقُطْنِي ، وَالْبَيْهَقِي فِي " سنَنه " ، وَرَوَاهُ النَّسَائِي فِي " سنَنه الْكُبْرَى " قبيل : إحْيَاء الْموَات ، مَعَ تخالفٍ فِي لفظٍ يسيرٍ .

[8/54]