وَأما آثاره : فستة عشر :
أَحدهَا : " أَن رجلا عَلَى عهد عُمر - رضي الله عنه - قَالَ لامْرَأَته : حَبْلُكِ عَلَى غاربك ، فَلَقِيَهُ عمر - رضي الله عنه - فَقَالَ : أنْشدك الله وبهذه البنية هَل أردْت بِقَوْلِك حبلك عَلَى غاربك الطَّلَاق . فَقَالَ الرجل : أردْت الْفِرَاق ؟ ، فَقَالَ : هُوَ مَا أردتَ " .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن مَالك ، وَهُوَ فِي " الْمُوَطَّأ " : أَنه بلغه " أَنه كُتِبَ إِلَى عمر بن الْخطاب من الْعرَاق : أَن رجلا قَالَ لامْرَأَته : حَبْلُك عَلَى غاربك ، فَكتب عَمرُ إِلَى عَامله : أَن مُرْهُ فليوافيني فِي الْمَوْسِم ، فَبَيْنَمَا عمرُ بن الْخطاب يطوف بِالْبَيْتِ إذْ لقِيه الرجلُ فسلَّم عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَنْ أَنْت ؟ ؟ قَالَ : أَنا الذى أَمَرْتَ أَن يجلب عَلَيْك . قَالَ : أُنْشِدُكَ بربِّ هَذِه البِنْيَة ؛ هَل أردْت بِقَوْلِك حبلك عَلَى غاربك الطلاقَ ؟ فَقَالَ الرجل : لَو اسْتَحْلَفْتِنَي فِي غير هَذَا الْمَكَان مَا صَدَقْتُكَ ؛ أردتُ الفراقَ ، فَقَالَ عمر - رضي الله عنه - : هُوَ مَا أردتَ " .
وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ : " جَاءَ رجل إِلَى عمر بن الْخطاب فَقَالَ : إِنَّه قَالَ لامْرَأَته : حبْلك عَلَى غاربك ، فَقَالَ عمر - رضي الله عنه - : وافِ مَعنا الْمَوْسِم ، فَأَتَاهُ الرجلُ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام ، فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّة ، فَقَالَ : أَتَرَى ذَلِك الأصلع يطوف بِالْبَيْتِ ، اذهبْ إِلَيْهِ ، فَسَلْهُ ثمَّ ارجعْ فَأَخْبرنِي بِمَا رَجَعَ [8/115] إِلَيْك ، قَالَ : فذهبتُ إِلَيْهِ ، فَإِذا هُوَ علي - رضي الله عنه - فَقَالَ : مَنْ بَعثك إلي ؟ فَقَالَ : أَمِير الْمُؤمنِينَ ، قَالَ : إِنَّه قَالَ لامْرَأَته : حبْلُك عَلَى غاربك ، فَقَالَ : اسْتَقْبِلِِ الْبَيْت واحلف بِاللَّه مَا أردتَ طَلَاقا ، فَقَالَ الرجل : وَأَنا أَحْلف باللَّه مَا أردتُ إِلَّا الطَّلَاق ؟ فَقَالَ : بَانَتْ مِنْك امْرَأَتك " .
وَفَى رِوَايَة لَهُ أَيْضا : من حَدِيث سعيد بن مَنْصُور ، نَا هشيم ، أَنا مَنْصُور ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح : " أَن رجلا قَالَ لامْرَأَته : حبلك عَلَى غاربك - قَالَ ذَلِك مرَارًا - فَأَتَى عُمرَ بْنَ الْخطاب - رضي الله عنه - فاستحلفه بَين الرُّكْن وَالْمقَام مَا الذى أردتَ بِقَوْلِك ؟ ، قَالَ : أردتُ الطلاقَ ؛ ففرَّق بَينهمَا " .
قَالَ الْبَيْهَقِي : وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا استحلفه عَلَى إِرَادَة التَّأْكِيد بالتكرير دون الِاسْتِئْنَاف ، وَكَأَنَّهُ أقرَّ فَقَالَ : أردتُ بِكُل مَرَّةٍ إِحْدَاث طلاقٍ ففرَّق بَينهمَا .
قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم : وَذكر ابْن جريج ، عَن عَطاء : " أَن عمر بن الْخطاب رُفِعَ إِلَيْهِ رجلٌ قَالَ لامْرَأَته : حَبْلُك عَلَى غاربك ، فَقَالَ لعلي - رضي الله عنه - : انْظُرْ بَينهمَا " فَذكر مَعْنَى مَا روينَا ، إِلَّا أَنه قَالَ : " فأمضاه علي ثَلَاثًا " .
قَالَ : وذُكِرَ عَن سعيد ، عَن قَتَادَة ، عَن الْحسن عَن علي - رضي الله عنه - مِثْلَهُ .
قَالَ الْبَيْهَقِي : هَذَا لَا يُخَالف رِوَايَة مَالك ، وَكَأن عمر - رضي الله عنه - جعلهَا وَاحِدَة كَمَا قَالَ فِي الْبَتَّةَ ، وعلي - رضي الله عنه - جعلهَا ثَلَاثًا ، وَيحْتَمل أَنَّهُمَا جعلاه ثَلَاثًا لتكريره اللَّفْظ - فِي الْمَدْخُول بهَا - ثَلَاثًا ، وإرادته بِكُل مرّة إِحْدَاث طلاقٍ ، كَمَا قُلْنَا فِي رِوَايَة مَنْصُور عَن عَطاء .