الحَدِيث الثَّانِي
قَالَ الرَّافِعِي : تَعْلِيق الظِّهَار صَحِيح ، وَاحْتج لَهُ بِمَا رُوي : " أَن سَلمَة بن صَخْر - رضي الله عنه - جعل امْرَأَته عَلَى نَفسه كظهْر أُمِّه إِن غشيها حَتَّى ينْصَرف رمضانُ ، فَذكر ذَلِكَ لرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : أعْتِقْ رَقَبَة " .
هَذَا الحَدِيث كَذَا ذكره الرَّافِعِي هُنَا ، وَرَوَاهُ بعد ذَلِكَ بِلَفْظ : " أَن سَلمَة بن صَخْر ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ حَتَّى يَنْسَلِخ رمضانُ ، ثمَّ وَطئهَا فِي [8/152] المدَّةِ ، فَأمره النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - بتحرير رقبةٍ " وَهُوَ حَدِيث جيدٌ مذكورٌ باللفظين المذكورَيْن :
أما الأوَّل : فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِي من حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان ، وَأبي سَلمَة : " أَن سَلمَة بن صَخْر البياضي جعل امْرَأَته عَلَيْهِ كظهْر أُمِّه إِن غشيها حَتَّى يمْضِي رمضانُ ، فلمَّا مَضَى النِّصْفُ من رَمَضَان سمنت المرأةُ وتربعت ، فأعْجَبَتْهُ ، فغشيها لَيْلًا ، ثمَّ أَتَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَذكر ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : أعْتِقْ رَقَبَة . فَقَالَ : لَا أجد . فَقَالَ : صُمْ شَهْرَيْن مُتَتَابعين . قَالَ : لَا أَسْتَطِيع . قَالَ : أطعِمْ سِتِّينَ مِسْكينا قَالَ : لَا أجد . قَالَ : فأُتي النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا أَو سِتَّة عشر صَاعا ، فَقَالَ : تصدَّقْ بِهَذَا عَلَى سِتِّينَ مِسْكينا " .
وَأما اللَّفْظ الثَّانِي : فَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار ، عَن سَلمَة بن صَخْر البياضي قَالَ : " كنتُ امْرَءًا أُصيبُ من النِّسَاء مَا لَا يُصيب غَيْرِي ، فلمَّا دخل شهرُ رَمَضَان خِفْتُ أَن أُصيبَ مِنِ امْرَأَتي شَيْئا تتايع بِي حَتَّى أصبح ، فظاهرتُ مِنْهَا حَتَّى يَنْسَلِخ شَهْرُ رَمَضَان ، فَبينا هِي تخدمني ذَات لَيْلَة إِذا [8/153] تكشف لي مِنْهَا شَيْء ، فَمَا لَبِثت أَن نزوتُ عَلَيْهَا ، فَلَمَّا أصبحتُ خرجتُ إِلَى قومِي فأخبرتُهُم الخَبَرَ ، قَالَ : فقلتُ : امْشُوا معي إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - . قَالُوا : لَا واللهِ . فانطلقتُ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتُه . فَقَالَ : أَنْت بِذَاكَ يَا سَلمَة ؟ قلت : أَنا بِذَاكَ يَا رَسُول الله - مرَّتَيْنِ - وَأَنا صابرٌ لأمْر الله ، فاحْكُمْ في بِمَا أَرَاك الله . قَالَ : حَرِّرْ رَقَبَة . قلت : وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ ؛ مَا أَمْلُكُ رَقَبَة غَيرهَا ، وضربتُ صفحةَ رقبتي . قَالَ : فَصُمْ شَهْرَيْن مُتَتَابعين . قَالَ : وَهل أصبتُ الَّذِي أصبتُ إِلَّا من الصّيام . قَالَ : فأطعمْ وَسْقاً من تمرٍ بَين سِتِّينَ مِسْكينا . قلت : وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ ؛ لقد بتنا وحشين ، مَا أمْلِكُ لنا طَعَاما . قَالَ : فانْطَِقْ إِلَى صَاحب صَدَقَة بني زُرَيْق ، فليدفَعْهَا إِلَيْك . قَالَ : فأطعمْ سِتِّينَ مِسْكينا وَسْقًا من تمرٍ ، وكُلْ أَنْت وعيالُك بَقِيَّتَهَا . فرجعتُ إِلَى قومِي فقلتُ : وجدتُ عنْدكُمْ الضيقَ وسوءَ الرَّأْي ، ووجدتُ عِنْد النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - السعَة وحُسْنَ الرَّأْي ، وقد أَمرنِي - أَو - أَمر لي بصدقتكم " .
قَالَ ابْن إِدْرِيس : وَبَنُو بياضة بطن من بني زُرَيْق .
هَذَا لفظ أبي دَاوُد ، وَهُوَ من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن مُحَمَّد بن عَمرو بن عَطاء ، عَن سُلَيْمَان بن يسَار ، عَن سَلمَة بن صَخْر بِهِ ، وَلَفظ [8/154] التِّرْمِذِي ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن سلمَان بن صَخْر " أَنه جعل امْرَأَته عَلَيْهِ كَظهر أمه حَتَّى يمْضِي رَمَضَان ، فَلَمَّا مَضَى نصف من رَمَضَان وَقع عَلَيْهَا لَيْلًا ، فَأَتَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَذكر ذَلِكَ لَهُ ... " . ثمَّ ذكر الْبَاقِي نَحوه ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حسن .
وَلَفظ ابْن مَاجَه كطريق أبي دَاوُد : " لما دخل رَمَضَان ظَاهَرت من امْرَأَتي حَتَّى يَنْسَلِخ رَمَضَان ... " . وَالْبَاقِي نَحوه .
وَرِوَايَة أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه مُنْقَطِعَة ، قَالَ البُخَارِي فِيمَا نَقله التِّرْمِذِي : سُلَيْمَان بن يسَار لم يسمع عِنْدِي من سَلمَة بن صَخْر . وَكَذَا نقل غَيره عَنهُ أَن سُلَيْمَان لم يدْرك سلمةَ ، لَا جرم قَالَ عبد الْحق فِي " أَحْكَامه " : إِنَّه مُنْقَطع . وَأما الْحَاكِم فَأخْرجهُ فِي " مُسْتَدْركه " من طَرِيق أبي دَاوُد وابْنِ مَاجَه ، وَفِيه عنعنة ابْن إِسْحَاق أَيْضا ، وَلم يذكر تأقِيْتَ الظِّهَار ، بل قَالَ : " فلمَّا دخل رَمَضَان ظاهَرَ من امْرَأَته ؛ مَخَافَة أَن يُصِيب مِنْهَا شَيْئا من اللَّيْل ... " الحَدِيث إِلَى آخِره .
ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . أَي : فِي الشواهد لَا فِي الْأُصُول ؛ لِأَن مُسلما لم يحْتَج بابْنِ إِسْحَاق ، وَإِنَّمَا ذكره مُتَابعَة ، كَمَا نَبَّهنا عَلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ .
قَالَ الْحَاكِم : وَله شَاهد من حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بِهِ .
[8/155] ثمَّ رَوَاهُ عَن ابْن خُزَيْمَة ، أبنا هِشَام بن علي ، ثَنَا عبد الله بن رَجَاء ، ثَنَا حَرْب بن شَدَّاد ، عَن ابْن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن : " أَن سَلْمان بن صَخْر الْأنْصَارِي جعل امْرَأَته كظهْر أُمِّه ... " .
فَذكر الحديثَ بِنَحْوِهِ مِنْهُ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
تَنْبِيهَات : أَحدهَا : " سلمَان بن صَخْر " هُوَ " سَلمَة بن صَخْر " ، يُقَال فِيهِ هَذَا وَهَذَا ، كَمَا سلف ، وَقد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ التِّرْمِذِي وغيرُه ، و" سَلمَة " أصح وَأشهر ، كَمَا قَالَه ابْن الْأَثِير وَالنَّوَوِي فِي " تهذيبه " وغَيْرُهما ، وَهُوَ أَيْضا أنصاري خزرجي ، وَيُقَال لَهُ : " بياضي " لِأَنَّهُ حَلِيف بني بياضة .
ثَانِيهَا : فِي أَلْفَاظه : قَوْله : " تتايع " هُوَ بمثناة تَحت قبل الْعين ، فَقَالَ : تتايع فِي الْخَيْر وتتايع فِي الشَّرّ ، قَالَ صَاحب " التنقيب " فِي كَلَامه عَلَى " المهذَّب " بعد أَن ضبط تتايع بِمَا ضبطته التتايع عبارَة عَن المسارعة إِلَى الشَّيْء والتهافت عَلَيْهِ .
قَالَ : وَلم تسْتَعْمل هَذِه اللَّفْظَة فِي المسارعة إِلَى الْخَيْر إِلَّا عَلَى وجْه شَاذ .
[8/156] وَأما " التَّتَابُع " بباء مُوَحدَة قبل الْعين ، فَلَا يُسْتعمل عِنْد الْجُمْهُور إِلَّا فِي الْمُتَابَعَة إِلَى الْخَيْر .
وَقَوله : " نزوتُ " : هُوَ بِفَتْح النُّون ، ثمَّ زَاي مُعْجمَة ، ثمَّ وَاو سَاكِنة ، أَي : وَثَبْتُ عَلَيْهَا أَرَادَ الْجِمَاع .
وَقَوله : " أَنْت بِذَاكَ " مَعْنَاهُ : أَنْت الملم بِذَاكَ ، والمرتكب لَهُ .
وَقَوله : " وَحْشين " : هُوَ بِفَتْح الْوَاو ، ثمَّ حاء مُهْملَة سَاكِنة ، ثمَّ شين مُعْجمَة ، ثمَّ يَاء مثناة تَحت ، ثمَّ نون ، أَي : مقفرين لَا طَعَام لنا ، يُقَال : رجل وَحْش - بِسُكُون الْحَاء - وَقوم أوحاش .
وَبَنُو زُريق : بِضَم الزَّاي ، ثمَّ رَاء مُهْملَة مَفْتُوحَة ، ثمَّ مثناة تَحت ثمَّ قَاف ، وَكَذَا ضَبطه النَّوَوِي فِي " تهذيبه " ، وهُمْ بطن من الْأَنْصَار .
ثَالِثهَا : اعْترض ابْن الرّفْعَة عَلَى الرَّافِعِي فِي استدلاله بِهَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : اسْتدلَّ الرَّافِعِي عَلَى صِحَة تَعْلِيق الظِّهَار بِمَا ذكره من حَدِيث سَلمَة ، وَالَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي : " أَنه ظاهَرَ حَتَّى يَنْسَلِخ رمضانُ " : فَهُوَ ظِهَار مُؤَقّت لَا معلَّق ، قَالَ : فَلَعَلَّ تِلْكَ رِوَايَة أُخْرَى .
وَقَالَ فِي " مطلبه " : الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة فِيهِ غير هَذِه ، وَلَا حُجَّة فِيهَا عَلَى جَوَاز التَّعْلِيق .
هَذَا مَا ذكره فِي كِتَابيه ، وَرِوَايَة الْبَيْهَقِي السالفة طبْقَ مَا ذكره الرَّافِعِي ، فَلَا اعْتِرَاض إِذن .