[8/157] الحَدِيث الثَّالِث
" أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لرجلٍ ظاهَرَ من امْرَأَته وواقعها : لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ " .
ويُرْوى : " اعْتَزِلْهَا حَتَّى تكفِّر " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أصحابُ " السّنَن " الْأَرْبَعَة د ، وت ، وق ، وس ، وَالْحَاكِم فِي " الْمُسْتَدْرك " من حَدِيث ابْن عَبَّاس - رضي الله عنه - : " أَن رجلا أَتَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قد ظَاهر من امرأتِهِ فَوَقع عَلَيْهَا ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي ظاهرتُ من امْرَأَتي فوقعتُ عَلَيْهَا قبل أَن أكفِّر ، قَالَ : وَمَا حملك عَلَى ذَلِكَ - يَرْحَمك الله - ؟ قَالَ : رأيتُ خُلخْالَهَا فِي ضوء الْقَمَر . فَقَالَ : لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تفعل مَا أَمر الله - عز وجل - " .
هَذَا لفظ ت ، وس .
وَرَوَاهُ النَّسَائِي أَيْضا عَن عِكْرِمَة مُرْسلا ، وَقَالَ فِيهِ : " رأيتُ خُلْخَالَهَا - أَو ساقَهَا - فِي ضوء الْقَمَر " . وَفِي رِوَايَة لَهُ : " اعْتَزِلْهَا حَتَّى تقضي مَا عليكَ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عِكْرِمَة : " أَن رجلا ظَاهر من امْرَأَته ، ثمَّ وَاقعهَا قبل أَن يكفِّرَ ، فَأَتَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَأخْبرهُ ، فَقَالَ : مَا [8/158] حملك عَلَى مَا صنعتَ ؟ قَالَ : رَأَيْت بَيَاض ساقِهَا فِي الْقَمَر . قَالَ : فاعْتَزِلْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ عَنْك " .
وَفِي رِوَايَة لَهُ عَنهُ عَن ابْن عَبَّاس بِمَعْنَاهُ . وَقد رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس " أَن رجلا ظاهَرَ من امْرَأَته ، فغشيها قبل أَن يكفِّر ، فَأَتَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَذكر ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : مَا حملك عَلَى ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، رأيتُ بَيَاض حَجْلَيهَا فِي الْقَمَر ، فَلم أملك نَفسِي - يَعْنِي : أَن وقعتُ عَلَيْهَا - فَضَحِك رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَأمره أَن لَا يَقْرَبْهَا حَتَّى يكفِّر " .
قَالَ التِّرْمِذِي : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب .
وَقَالَ النَّسَائِي : الْمُرْسل أوْلى بِالصَّوَابِ من الْمسند .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ ، فَقَالَ : رَفْعُه خطأ ، وَالصَّوَاب أَنه مُرْسل ، بِإِسْقَاط ابْن عَبَّاس .
وَقَالَ الْحَاكِم : شاهدُ هَذَا الحديثِ حديثُ إِسْمَاعِيل بن مُسلم ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس : " أَن رجلا ظاهَرَ [8/159] مِنِ امرأتِهِ .. " الحديثَ ، وَفِي آخِرِه : " أمسكْ عَنْهَا حَتَّى تكفر " .
وَلم يحْتَج الشَّيْخَانِ بِإِسْمَاعِيل وَلَا بالحكم بن أبان - يَعْنِي : الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد الحَدِيث الأول - قَالَ : إِلَّا أَن " الحكم بن أبان " صَدُوق .
قلت : " إِسْمَاعِيل " واهٍ ، وَفِي إِسْنَاد رِوَايَة الْحَاكِم الأُولى " حَفْص بن عمر الْعَدنِي " : وَهُوَ ثِقَة ، قَالَ الْبَزَّار : لَا نعلمهُ يُرْوى بإسنادٍ أحسن من هَذَا ، عَلَى أَن " إِسْمَاعِيل بن مُسلم " قد تُكُلِّمَ فِيهِ ، ويَرْوي عَنهُ جماعةٌ كثيرةٌ من أهل الْعلم .
وَأما الْحَافِظ أَبُو بكر الْمعَافِرِي فَقَالَ : لَيْسَ فِي الظِّهَار حَدِيث صَحِيح يُعوَّل عَلَيْهِ . ونقضه الْمُنْذِرِي فِي " اختصاره للسنن " فَقَالَ : قد صَححهُ التِّرْمِذِي ، وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات ، وَسَمَاع بَعضهم من بعض مشهورٌ .
وترجمة عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس احْتج بهَا البخاري فِي غير موضعٍ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ . هَذَا آخر أَحَادِيث الْبَاب .
[8/160] وَأما أَثَره : فَهُوَ مَا رُوِي عَن عمر - رضي الله عنه - أَنه قَالَ : " إِذا ظَاهر الرجل من أَربع نسْوَة بِكَلِمَة وَاحِدَة ثمَّ أمسكهن فَعَلَيهِ كَفَّارَة وَاحِدَة " .
وَهُوَ أثر صَحِيح رَوَاهُ الْبَيْهَقِي بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح إِلَى مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن عمر " أَنه قَالَ فِي رجل ظَاهر من أَربع نسْوَة قَالَ : كَفَّارَة وَاحِدَة " .
قَالَ الْبَيْهَقِي : وَكَذَلِكَ رُوِي عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن عمر " أَنه قَالَ فِي رجل ظَاهر من ثَلَاث نسْوَة قَالَ : عَلَيْهِ كَفَّارَة وَاحِدَة " .
قَالَ الْبَيْهَقِي فِي " خلافياته " : وَهُوَ صَحِيح عَنهُ .
قلت : وَهَذَا مِنْهُ يدل عَلَى صِحَة سَماع سعيد مِنْهُ .
قَالَ : وَبِه قَالَ عُرْوَة بن الزبير وَالْحسن الْبَصْرِي وَرَبِيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن ، قَالَ مَالك : وَذَلِكَ الْأَمر عندنَا . وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم ، وَقَالَ فِي الْجَدِيد : عَلَيْهِ فِي كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ كَفَّارَة . وَهُوَ رِوَايَة قَتَادَة عَن الْحسن الْبَصْرِي . وَبِه قَالَ الحكم بن عتيبة .