الحَدِيث الثَّامِن عشر ، وَالتَّاسِع عشر
قَالَ الرَّافِعِي : ذكر أَن بِالْمَدِينَةِ يُلَاعن عِنْد الْمِنْبَر ، وَهُوَ لفظ الشَّافِعِي فِي " الْمُخْتَصر " .
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : يُلَاعن عَلَى الْمِنْبَر . وَيروَى اللفظان عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - هُوَ كَمَا قَالَ .
وَقد ذكر الرَّافِعِي بعد ذَلِكَ فَذكر عَن أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " من حلف عِنْد منبري عَلَى يَمِين آثمة وَلَو بسواك وَجَبت لَهُ النَّار " .
وَعَن جَابر - رضي الله عنه - أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " من حلف عَلَى منبري [8/198] هَذَا بِيَمِين آثمة تبوأ مَقْعَده من النَّار " .
فَأَما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " ، وَابْن مَاجَه فِي " سنَنه " وَالْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " بِلَفْظ " لَا يحلف عِنْد هَذَا الْمِنْبَر عبد وَلَا أمة عَلَى يَمِين آثمة وَلَو عَلَى سواكٍ رطب إِلَّا وَجَبت لَهُ النَّار " .
وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
فَائِدَة : قَوْله : " رُطْب " هُوَ بِضَم الرَّاء ، وإسْكَان الطَّاء كَذَا قَيده الْجَوْهَرِي فِي " صحاحه " فِي فصل رطب ، قَالَ : وَهُوَ الْكلأ وَهُوَ مثل عُسْر وعُسُر ، أَي فَيجوز فِيهِ ضم الطَّاء ، وَكَذَا قَيده النَّوَوِي فِي " تهذيبه " فِي الْفَصْل الْمَذْكُور ، وصحف بعض شُيُوخنَا الْفُقَهَاء فِي كَلَامه عَلَى الرَّافِعِي وَالرَّوْضَة " سواك " بـ " شِرَاك " بالشين الْمُعْجَمَة ، ثمَّ رَاء مُهْملَة ، ثمَّ قَالَ : هُوَ السّير الَّذِي فِي أَعلَى النَّعْل تدخل فِيهِ الرجل للاستقرار . وهُوَ ذُهُول عَجِيب مِنْهُ فاحذره .
[8/199] وَأما حَدِيث جَابر : فَرَوَاهُ مَالك فِي " موطئِهِ " بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَكَذَا ابْن حبَان فِي " صَحِيحه " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " سنَنه " بِلَفْظ : " لَا يحلف أحد عِنْد منبري هَذَا عَلَى يَمِين آثمة وَلَو عَلَى سواك أَخْضَر إِلَّا تبوأ مَقْعَده من النَّار " وَرَوَاهُ النَّسَائِي بِلَفْظ مَالك ، وَابْن حبَان إِلَّا أَنه قَالَ : " عَلَى يَمِين " بدل " بِيَمِين " .
وَرَوَاهُ أَحْمد بلفظين أَحدهمَا : " لَا يحلف أحد عَلَى منبري كَاذِبًا إِلَّا تبوأ مَقْعَده من النَّار " .
ثَانِيهمَا : أَيّمَا امْرِئ من الْمُسلمين حلف عِنْد منبري هَذَا عَلَى يَمِين كَاذِبَة يسْتَحق بهَا حق مُسلم أدخلهُ الله النَّار وَلَو عَلَى سواك أَخْضَر " .
وَفِي سَنَده هَذَا مَجْهُول .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي " سنَنه " بِلَفْظ : " من حلف بِيَمِين آثمة عِنْد منبري هَذَا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَلَو عَلَى سواك أَخْضَر " .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " من طَرِيقين عَن جَابر مَرْفُوعا : [8/200] أَحدهمَا : كَلَفْظِ الرَّافِعِي " يتبوأ " إِلَّا أَنه قَالَ : " فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده " بدل " يتبوأ " .
ثَانِيهمَا : بِلَفْظ " من حلف عَلَى منبري هَذَا عَلَى يَمِين آثمة فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " وَقَالَ : " إِلَّا وَجَبت لَهُ النَّار ، وَلَو عَلَى سواك أَخْضَر " . قَالَ الْحَاكِم فِي هَذِه الطَّرِيق : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَقَالَ فِي الأولَى : رَوَاهَا مَالك بن أنس ، عَن هَاشم بن هَاشم ، عَن عبد الله بن نسطاس ، عَن جَابر .
وَرَوَاهُ ابْن زبالة بِلَفْظ : " أحد ساقي الْمِنْبَر عَلَى عقر الْحَوْض فَمن حلف عِنْده عَلَى يَمِين فاجرة يقتطع مَال امْرِئ مُسلم فَليَتَبَوَّأ يَمِينا من النَّار " وَقَالَ : عقر الْحَوْض : من حَيْثُ يصب المَاء فِي الْحَوْض .
قلت : وَرُوِي أَيْضا من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع ، وَأبي أُمَامَة الْحَارِث بن ثَعْلَبَة .
أما حَدِيث سَلمَة فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِي فِي " أكبر معاجمه " عَن مُوسَى بن هَارُون ثَنَا أَبُو مُوسَى الْأنْصَارِي ثَنَا عَاصِم بن عبد [8/201] الْعَزِيز الْأَشْجَعِي ، ثَنَا يزِيد بن أبي عبيد ، عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " لَا يحلف أحد عَلَى الْمِنْبَر عَلَى يَمِين كَاذِبَة إلاَّ تبوَّأَ مَقْعَده من النَّار " .
وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة الْحَارِث بن ثَعْلَبَة : فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِي أَيْضا فِي " مُعْجَمه " الْمَذْكُور ، عَن عَمْرو بن السَّرْح ، وَأَبُو بشر الدولابي فِي كِتَابه " الْأَسْمَاء والكنى " عَن أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب ، قَالَا : ثَنَا سعيد بن أبي مَرْيَم ، ثَنَا عبد الله بن الْمُنِيب بن عبد الله بن أبي أُمَامَة بن ثَعْلَبَة قَالَ : أَخْبرنِي أبي ، عَن عبد الله بن عَطِيَّة ، عَن عبد الله بن أنس ، عَن أبي أُمَامَة الْحَارِث بن ثَعْلَبَة - رضي الله عنه - أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " من حلف عِنْد منبري هَذَا بِيَمِين كَاذِبَة يسْتَحل بهَا مَال امْرِئ مُسلم بِغَيْر حق فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ عدلا وَلَا صرفا " .