الحَدِيث الثَّالِث
أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " لَا رضَاع إلاّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي من حَدِيث أبي الْوَلِيد بن برد الْأَنْطَاكِي ، ثَنَا الْهَيْثَم بن جميل ، ثَنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " لَا يحرم من الرَّضَاع إلاّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ " ، ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِي : لم يسْندهُ عَن ابْن عُيَيْنَة غير الْهَيْثَم بن جميل وَهُوَ ثِقَة حَافظ .
[8/272] ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَقُول : " لَا رضَاع بعد حَوْلَيْنِ كَامِلين " .
وَقَالَ ابْن عدي : هَذَا الحَدِيث يعرف بالهيثم بن جميل مُسْندًا عَن ابْن عُيَيْنَة وَغير الْهَيْثَم لَا يرفعهُ عَن ابْن عَبَّاس ، والهيثم هَذَا سكن أنطاكية ، وَيُقَال : هُوَ الْبَغْدَادِي ويغلط الْكثير عَلَى الثِّقَات كَمَا يغلط غَيره وَأَرْجُو أَنه لَا يتَعَمَّد الْكَذِب ، وَذكر ابْن أبي حَاتِم الْهَيْثَم هَذَا ، وَقَالَ : وَثَّقَهُ أَحْمد بن حَنْبَل .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِي فِي " سنَنه " أَولا مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس من حَدِيث سعيد بن مَنْصُور ، ثَنَا سُفْيَان ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : " لَا رضَاع إلاّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ " ، ثمَّ قَالَ : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح مَوْقُوف ، ثمَّ أوردهُ مَرْفُوعا من طَرِيق الدَّارَقُطْنِي السالفة ، ثمَّ نقل كَلَام ابْن عدي السالف مُخْتَصرا إِلَى قولة ابْن عَبَّاس ، وَكَذَا فِي " الْمعرفَة " الصَّحِيح مَوْقُوف وأعل ابْن الْقطَّان رِوَايَة الرّفْع بِأبي الْوَلِيد الأنطَاكِي فَقَالَ : لَا يعرف وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ . فَهُوَ مَعْرُوف الْعين وَالْحَال .
ذكره النَّسَائِي فِي " كناه " فِيمَن كنيتهُ أَبُو الْوَلِيد فَقَالَ : مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْوَلِيد بن برد الْأَنْطَاكِي صَالح ، وَذكره ابْن أبي حَاتِم فَقَالَ : رَوَى عَن الْهَيْثَم [8/273] ابن جميل وَأَبِيهِ ، ورواد بن الْجراح ، وَمُحَمّد بن كثير المصِّيصِي أَدْرَكته وَلم أسمع مِنْهُ ، وَكتب إلي بِشَيْء يسير من فَوَائده .
وَفِي الدَّارَقُطْنِي هُنَا أَن أَبَا الْوَلِيد هَذَا رَوَى عَنهُ الْحسن بن إِسْمَاعِيل ، وَإِبْرَاهِيم بن دبيس بن أَحْمد وَغَيرهمَا ، فَزَالَتْ الْجَهَالَة العينية والحالية عَنهُ ، وَللَّه الْحَمد .
وَقَالَ الْبَيْهَقِي بعد أَن رَوَى عَن عمر وَابْن مَسْعُود التَّحْدِيد بالحولين : ورويناه عَن التَّابِعين سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير وَالشعْبِي .
قلت : ويحتج لَهُ أَيْضا بِحَدِيث فَاطِمَة بنت الْمُنْذر ، عَن أم سَلمَة قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لَا يحرم من الرَّضَاع إِلَّا مَا فتق الأمعاء فِي الثدي وَكَانَ قبل الْفِطَام " ، رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ : حسن صَحِيح ، وَعَزاهُ ابْن حزم إِلَى النَّسَائِي ثمَّ قَالَ : هَذَا خبرٌ مُنْقَطع ؛ لِأَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر لم تسمع من أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ ؛ لِأَنَّهَا كَانَت أسن من زَوجهَا هِشَام بِاثْنَي عشر عَاما ، وَكَانَ مولد هِشَام سنة سِتِّينَ ، فمولد فَاطِمَة عَلَى هَذَا سنة ثَمَان وَأَرْبَعين ، وَمَاتَتْ أم سَلمَة سنة تسع وَخمسين وَفَاطِمَة صَغِيرَة لم تلقها ، فَكيف أَن تحفظ عَنْهَا ، وَلم تسمع من خَالَة أَبِيهَا عَائِشَة [8/274] أم الْمُؤمنِينَ شَيْئا ، وَهِي فِي حجرها إِنَّمَا أبعد سماعهَا من جدَّتهَا أَسمَاء بنت أبي بكر .
وَتبع عبد الْحق ابْن حزم عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ فِي " أَحْكَامه " : تكلمُوا فِي سَماع فَاطِمَة بنت الْمُنْذر من أم سَلمَة ، ثمَّ ذكر بعض كَلَام ابْن حزم وَيَنْبَغِي أَن تحرر رِوَايَة النَّسَائِي ، فَلم أرَ أحدا من أَصْحَاب الْأَطْرَاف عزاهُ إِلَّا إِلَى التِّرْمِذِي خاصّة ، وَقَول ابْن حزم : أَنه مُنْقَطع ؛ لِأَن فَاطِمَة لم تسمع من أم سَلمَة وَذكر مولدها عَجِيب ؛ لِأَن عمر فَاطِمَة حِين مَاتَت أم سَلمَة عَلَى مَا ذكر إِحْدَى عشرَة سنة فَكيف لم تلقها وهما فِي الْمَدِينَة .
وَقد رُوِي عَن هِشَام أَيْضا أَن فَاطِمَة أكبر مِنْهُ بِثَلَاث عشرَة سنة فَيكون عَلَى هَذَا عمرها إِذْ ذَاك اثْنَي عشرَة سنة ، وَعَلَى قَول من يَقُول إِن أم سَلمَة توفيت سنة اثْنَيْنِ وسِتِّينَ ، خمس عشرَة سنة .
وَقد أخرج ابْن حبَان فِي " صَحِيحه " الحَدِيث الْمَذْكُور أَيْضا من هَذَا الطَّرِيق إِلَى قَوْله " الأمعاء " .
وَفِي الدَّارَقُطْنِي من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " لَا يحرم من [8/275] الرَّضَاع المصة وَلَا المصتان ، وَلَا يحرم إلاّ مَا فتق الأمعاء
" .