|
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " لَا تحرم المصّة وَلَا المصّتان ، وَلَا الرضعة وَلَا الرضعتان " . هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَله طرق : أَحدهَا : من حَدِيث عَائِشَة - رضي الله عنها - قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لَا تحرم المصّة وَلَا المصّتان " . رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ كَذَلِك من حَدِيث عبد الله بن الزبير عَنْهَا ، [8/276] وَرَوَاهُ النَّسَائِي بِلَفْظ : " لَا تحرم الْخَطفَة والخطفتان " . ثَانِيهَا : من حَدِيث أم الْفضل مَرْفُوعا : " لَا تحرم الإملاجة وَلَا الإملاجتان " . رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ أَيْضا وَذكر فِيهِ قصَّة ، وَفِي رِوَايَة لَهُ " أَن رجلا من بني عَامر بن صعصعة ، قَالَ : يَا نَبِي الله ، هَل تحرم الرضعة الْوَاحِدَة ؟ قَالَ : لَا " ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : " لَا تحرم الرضعة أَو الرضعتان أَو المصّة أَو المصّتان " . وَفِي لفظ : " والرضعتان والمصتان " من غير ألف . والملج : الرَّضَاع . قَالَ الرَّافِعِي : قيل المُرَاد بالمصّة هُنَا الجرعة يتجرعها وبالرضعة الرضعة الثَّانِيَة . ثَالِثهَا : من حَدِيث عبد الله بن الزبير أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " لَا تحرم المصّة وَلَا المصتان " رَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " ، وَالنَّسَائِي ، وَالتِّرْمِذِي ، وَقَالَ : الصَّحِيح عِنْد أهل الحَدِيث حَدِيث ابْن الزبير عَن عَائِشَة أَي كَمَا سلف عَن رِوَايَة مُسلم . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِي فِي " علله " ، قَالَ : لِأَنَّهُ زَاد ، وَأما ابْن حبَان فَأخْرجهُ فِي " صَحِيحه " . [8/277] رَابِعهَا : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَفعه " لَا يحرم من الرضَاعَة المصة وَلَا المصتان ، وَلَا يحرم مِنْهُ إلاّ مَا فتق الأمعاء من اللَّبن " رَوَاهُ النَّسَائِي ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر : لَا يَصح مَرْفُوعا ، وَصَححهُ غَيره . كَمَا قَالَ عبد الْحق ؛ لِأَن الَّذِي رَفعه حَمَّاد بن سَلمَة وَهُوَ ثِقَة ، وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَى عبد الْحق ، فَقَالَ : هُوَ من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَلم يُنَبه . تَنْبِيه : اعْترض ابْن جرير الطَّبَرِي عَلَى حَدِيثي عَائِشَة ، وَأم الْفضل قَالَ : إنَّهُمَا مضطربان حَيْثُ رُوِي الأول عَن ابْن الزبير تَارَة وَبَعْضهمْ عَنهُ عَن الزبير مَرْفُوعا ، وَبَعْضهمْ عَن عَائِشَة مَرْفُوعا ، وَبَعْضهمْ عَنْهَا مَوْقُوفا ، وَحَيْثُ رُوِي الثَّانِي عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة ، عَن صَالح أبي الْخَلِيل ، عَن عبد الله بن الْحَارِث ، عَن مُسَيْكَة ، عَن عَائِشَة مَوْقُوفا . وَهَذَا الِاضْطِرَاب عَن الْقَائِل لَا يقْدَح إِذْ يحْتَمل أَنه سَمعه من الشَّارِع مرّةً بِوَاسِطَة ومرّةً بِدُونِهَا ، فَحدث بِكُل مرّة عَلَى مَا سمع وَبسط تَارَة فَرَوَاهُ مَرْفُوعا وَلم يبسط أُخْرَى فَوَقفهُ ، وَمن جملَة طرق مُسلم لحَدِيث أم الْفضل من حَدِيث سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة ، عَن صَالح ، عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن أم الْفضل بِإِسْقَاط مسيْكة هَذِه ، وَكَذَا رَوَاهُ بإسقاطها حَمَّاد بن سَلمَة ، وَهَمَّام أخرجهُمَا مُسلم أَيْضا فَينْظر رِوَايَة مسيْكة من أخرجهَا فَإِن ثَبت حمل عَلَى أَن لسَعِيد بن أبي عرُوبَة فِيهِ [8/278] إسنادين ، وَقد أجَاب بِنَحْوِ مَا قُلْنَاهُ ابْن حبَان فِي " صَحِيحه " فَقَالَ : بعد أَن أخرجه من حَدِيث ابْن الزبير مَرْفُوعا عَن أَبِيه رَفعه : " لَا تحرم المصة والمصتان ، وَلَا الإملاجة وَلَا الإملاجتان " وَبعد أَن أخرجه من حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعا : " لَا تحرم المصة والمصتان " لست أنكر أَن يكون ابْن الزبير سمع هَذَا الْخَبَر من رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وسَمعه من أَبِيه وخالته فَمرَّة رَوَى مَا سمع ، وَمرَّة رَوَى عَنْهَا قَالَ : وَهَذَا شَيْء مستفيض فِي الصَّحَابَة . تَنْبِيه : بِأَن ورد حَدِيث يُخَالف هَذَا الحَدِيث لكنه ضَعِيف مُنْقَطع ذكره عبد الْحق من حَدِيث ابْن وهب ، عَن مسلمة بن عَلّي ، عَن رجال من أهل الْعلم ، عَن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل ، عَن أم الْفضل بنت الْحَارِث قَالَت : " سُئِلَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن مَا يحرم من الرَّضَاع ، فَقَالَ : الرضعة والرضعتان " ، ثمَّ قَالَ : مسلمة بن عَلّي ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ ، وَقد أنكر عَلَى ابْن وهب الرِّوَايَة عَنهُ ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ حَدِيث مُنْقَطع .
|