الحَدِيث الثَّانِي
" أنَّه - صلى الله عليه وسلم - خير غُلَاما بَين أَبِيه الْمُسلم وَأمه المشركة ، فَمَال إِلَى الْأُم ، فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : اللَّهُمَّ اهده . فَمَال إِلَى الْأَب " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " ، وَعبد الرَّزَّاق فِي " مُصَنفه " وَالنَّسَائِي فِي " سنَنه " ، من حَدِيث عبد الحميد بن جَعْفَر الْأنْصَارِي ، عَن أَبِيه عَن جده " أَن جَده أسلم ، وأبت امْرَأَته أَن تسلم فجَاء بِابْن لَهَا صَغِير لم يبلغ ، قَالَ : فأجلس النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أَبَاهُ هَاهُنَا وَالأُم هَاهُنَا ، ثمَّ خَيره ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اهده . فَذهب إِلَى أَبِيه " .
وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا ، وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الحميد بن جَعْفَر الْأنْصَارِي ، قَالَ : أَخْبرنِي أبي ، عَن جدي رَافع بن سِنَان " أَنه أسلم وأبت امْرَأَته أَن تسلم فَأَتَت النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَت : ابْنَتي وَهِي فطيم - أَو شبهه - وَقَالَ [8/319] رَافع : ابْنَتي . فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : اقعد نَاحيَة . وَقَالَ لَهَا : اقعدي نَاحيَة . وأقعد الصَّبِي بَينهمَا ، ثمَّ قَالَ : ادعواها . فمالت إِلَى أمهَا ، فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : اللَّهُمَّ اهدها . فمالت إِلَى أَبِيهَا فَأَخذهَا " وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه ، من حَدِيث عبد الحميد بن سَلمَة ، عَن أَبِيه ، عَن جده " أَن أَبَوَيْهِ اخْتَصمَا إِلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أَحدهمَا كَافِر وَالْآخر مُسلم فخيره فَتوجه إِلَى الْكَافِر ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اهده . فَتوجه إِلَى الْمُسلم فَقَضَى لَهُ بِهِ " .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " كَمَا رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَلم يخرجَاهُ .
وَقَالَ عبد الْحق فِي " أَحْكَامه " : اخْتلف فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث . وَلم يُبينهُ ، وَبَينه ابْن الْقطَّان فَقَالَ : الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور : هُوَ أَنه من رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس وَأبي عَاصِم وَعلي بن غراب ، كلهم عَن عبد الحميد بن جَعْفَر ، عَن أَبِيه ، عَن جده رَافع بن سِنَان قَالَ عبد الحميد بن جَعْفَر بن عبد الله بن الحكم بن رَافع بن سِنَان ، [8/320] وعبد الحميد ثِقَة ، وَأَبوهُ جَعْفَر كَذَلِك ، قَالَه الْكُوفِي . ذكر رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس هَذِه أَبُو دَاوُد ، وَرِوَايَة أبي عَاصِم وَعلي بن غراب فِي " سنَن الدَّارَقُطْنِيّ " وَسميت الْبِنْت الْمَذْكُورَة من رِوَايَة أبي عَاصِم " عميرَة " - أَي : بنت أبي الحكم - كَمَا فِي " الْمعرفَة " لأبي نعيم .
قلت : وَاخْتلف أَيْضا فِي مَتنه فَرَوَاهُ عُثْمَان البَتِّي ، عَن عبد الحميد بن سَلمَة ، عَن أَبِيه ، عَن جده " أَن أَبَوَيْهِ اخْتَصمَا فِيهِ إِلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أَحدهمَا مُسلم وَالْآخر كَافِر ، فخيره ، فَتوجه إِلَى الْكَافِر ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اهده . فَتوجه إِلَى الْمُسلم ، فَقَضَى بِهِ " .
هَكَذَا ذكره أَبُو بكر بن أبي شيبَة ، عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم - هُوَ ابْن علية - عَن عُثْمَان ، وَكَذَا رَوَاهُ يَعْقُوب الدَّوْرَقِي عَن إِسْمَاعِيل أَيْضا . وَرَوَاهُ يزِيد بن زُرَيْع ، عَن عُثْمَان البتي ، وَقَالَ فِيهِ : عَن عبد الحميد بن يزِيد بن سَلمَة " أَن جده أسلم وأبت امْرَأَته أَن تسلم وَبَينهمَا ولد صَغِير " فَذكر مثله .
رَوَاهُ عَن يزِيد بن ذريع يَحْيَى بن عبد الحميد من رِوَايَة ابْن أبي خَيْثَمَة عَنهُ . ذكر [8/321] هَذَا كُله قَاسم بن أصبغ فِيمَا حَكَاهُ ابْن الْقطَّان ، قَالَ - أَعنِي : ابْن الْقطَّان - : إِلَّا أَن هَذِه الْقِصَّة هَكَذَا تجْعَل الْمُخَير غُلَاما وجدًّا لعبد الحميد بن يزِيد بن سَلمَة لَا يَصح ؛ لِأَن عبد الحميد وأباه وجده لَا يعْرفُونَ وَلَو صحت لم يَنْبغ أَن يَجْعَل خلافًا لرِوَايَة أَصْحَاب عبد الحميد بن جَعْفَر فَإِنَّهُم ثِقَات ، وَهُوَ وَأَبوهُ ثقتان ، وجده رَافع بن سِنَان مَعْرُوف . بل كَانَ يجب أَن يُقَال : لعلهما قصتان خَيَّر فِي أَحدهمَا غُلَاما فِي الْأُخْرَى جَارِيَة . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِي فِي " جَامعه " : إِن رِوَايَة من رَوَى أَنه كَانَ غُلَاما أصح
.
تَنْبِيهَات :
أَحدهَا : عبد الحميد بن جَعْفَر وَإِن ضعفه يَحْيَى بن سعيد من جِهَة الْقدر ، وسُفْيَان كَانَ يحمل عَلَيْهِ بِسَبَب خُرُوجه مَعَ عبد الله ، فَلَا يقْدَح ذَلِك فِيهِ ، وَقد زكَّاه المزكُّون : أَحْمد وَابْن معِين وَالنَّسَائِي ، [8/322] وَأخرج لَهُ مُسلم ، وَقَالَ صَاحب " الْمُغنِي " الْحَنْبَلِي - بعد أَن ذكر الحَدِيث ، وَأَن الْمُخَير كَانَت بِنْتا - : قد رُوِي هَذَا الحَدِيث عَلَى غير هَذَا الْوَجْه وَلَا يُثبتهُ أهل النَّقْل ، وَفِي إِسْنَاده مقَال ، قَالَه ابْن الْمُنْذر .
ثَانِيهَا : ذكر الطَّحَاوِي هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر ، وَفِيه أَنه - عليه السلام - قَالَ لَهما : " هَل لَكمَا أَن تخيراه ؟ فَقَالَا : نعم " .
ثَالِثهَا : قَالَ أَبُو نعيم الْحَافِظ : ذكر بعض الْمُتَأَخِّرين - يَعْنِي ابْن مَنْدَه - أَن هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بعض الْمُتَأَخِّرين عَن شيخ ، عَن أبي مَسْعُود ، عَن عبد الرَّزَّاق وَقَالَ فِيهِ : " عَن جده حوط أَنه أسلم " وَهُوَ وهم ظَاهر ، وَإِنَّمَا جده رَافع بن سِنَان .
رَابِعهَا : اسْم هَذِه الْجَارِيَة " عميرَة " كَمَا سلف ، وَكَذَا وَقع فِي الدَّارَقُطْنِي .
خَامِسهَا : احْتج الْإِصْطَخْرِي من أَصْحَابنَا بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَنه يثبت للكافرة حق الْحَضَانَة ، وَأجَاب غَيره من الْأَصْحَاب عَنهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخ أَو مَحْمُول عَلَى أَنه - عليه السلام - عرف أَنه يُسْتَجَاب دعاؤه وَأَنه يخْتَار الْأَب الْمُسلم وقصده بالتخيير استمالة قلب الْأُم . كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ [8/323] عَنْهُم ، وَهُوَ أولَى من قَول ابْن الصّباغ وَالْمَاوَرْدِي ، وتبعهما صَاحب الْمطلب فَقَالَ : إِنَّه حَدِيث ضَعِيف عِنْد أهل الحَدِيث .
وَادَّعَى الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِي نسخه بِإِجْمَاع الْأمة عَلَى أَنه لَا يسلَّم إِلَى الْكَافِر .
قَالَ القَاضِي مُجَلِّي : وَلَعَلَّ نَسْخَه وَقع بقوله - تعالى - : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا قَالَ الْمَاوَرْدِي : ولِأَنَّهُ - عليه السلام - دَعَا بهدايته إِلَى مُسْتَحقّ كفَالَته لَا إِلَى الْإِسْلَام لثُبُوت إِسْلَامه بِإِسْلَام أَبِيه ، فَلَو لأمه حق لأقرها وَلما دَعَا بهدايته إِلَى مُسْتَحقّه . وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : هَذَا الْخَبَر كَانَ فِي مَوْلُود غير مميزٍ .
قلت : قد سلف ذَلِك فِي الحَدِيث وَهُوَ قَوْله : " وَهِي فطيم أَو شبهه " .