[8/507] كتاب دَعْوَى الدَّم والقسامة
[8/508] [8/509] كتاب دَعْوَى الدَّم والقسامة
ذكر فِيهِ - رحمه الله - حديثين :
أَحدهمَا :
عَن سهل بن أبي حثْمَة : " أَن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مَسْعُود خرجا إِلَى خَيْبَر ، فتفرقا لحاجتهما ، فَقتل عبد الله ، فَقَالَ محيصة للْيَهُود : أَنْتُم قَتَلْتُمُوهُ ، قَالُوا مَا قَتَلْنَاهُ ، فَانْطَلق هُوَ وَأَخُوهُ حويصة وعبد الرَّحْمَن بن سهل أَخُو الْمَقْتُول - رضي الله عنه - إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَذكرُوا لَهُ قتل عبد الله بن سهل ، فَقَالَ : تحلفون خمسين يَمِينا وتستحقون دم صَاحبكُم فَقَالُوا : يَا رَسُول الله لم نشْهد وَلم نحضر . فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : فتحلف لكم الْيَهُود ، فَقَالُوا : كَيفَ نقبل أَيْمَان قوم كفار ؟ فَذكر أَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فدَاه من عِنْده ، فَبعث إِلَيْهِم بمائة نَاقَة ، قَالَ سهل : لقد ركضتني مِنْهَا نَاقَة حَمْرَاء " . وَيروَى : " يقسم مِنْكُم خَمْسُونَ عَلَى رجل مِنْهُم فَيدْفَع برمتِهِ " وَفِي رِوَايَة " إِمَّا أَن تدوا صَاحبكُم ، وَإِمَّا أَن تأذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي " صَحِيحَيْهِمَا " من [8/510] حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة ، قَالَ : " انْطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مَسْعُود إِلَى خَيْبَر وَهِي يَوْمئِذٍ صلح فتفرقا ، فَأَتَى محيصة إِلَى عبد الله بن سهل وَهُوَ يَتَشَحَّط فِي دَمه قَتِيلا فدفنه ، ثمَّ قدم الْمَدِينَة فَانْطَلق عبد الرَّحْمَن بن سهل ومحيصة وحويصة ابْنا مَسْعُود إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَذهب عبد الرَّحْمَن يتَكَلَّم ، فَقَالَ : كبر كبر . وَهُوَ أحدث الْقَوْم فَسكت ، فتكلما ، فَقَالَ : أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أَو صَاحبكُم . قَالُوا : وَكَيف نحلف وَلم نشْهد وَلم نر ؟ قَالَ : فتبرئكم يهود بِخَمْسِينَ . قَالُوا : كَيفَ نَأْخُذ أَيْمَان قوم كفار ؟ فعقله النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - من عِنْده " ، وَفِي رِوَايَة لَهما قَالَ - عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - : " يقسم خَمْسُونَ مِنْكُم عَلَى رجل مِنْهُم فَيدْفَع برمتِهِ . قَالُوا : أمرٌ لم نشهده كَيفَ نحلف ؟ قَالَ : فتبرئكم يهود بأيمان خمسين مِنْهُم . قَالُوا : يَا رَسُول الله ، قوم كفار ! . قَالَ : فوداه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبله . قَالَ سهل : فَدخلت مربدًا لَهُم يَوْمًا ، فركضتني نَاقَة من تِلْكَ الْإِبِل ركضة برجلها " وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة ، عَن رجل من [8/511] كبراء قومه " أَن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إِلَى خَيْبَر من جهد أَصَابَهُم فَأَتَى محيصة فَأخْبر أَن عبد الله بن سهل قد قتل وَطرح فِي عين أَو فَقير فَأَتَى يهود فَقَالَ : أَنْتُم وَالله قَتَلْتُمُوهُ . فَقَالُوا : وَالله مَا قَتَلْنَاهُ . ثمَّ أقبل حَتَّى قدم عَلَى قومه فَذكر ذَلِك لَهُم ، ثمَّ أقبل هُوَ وَأَخُوهُ حويصة - وَهُوَ أكبر مِنْهُ - وَعبد الرَّحْمَن بن سهل ، فَذهب محيصة ليَتَكَلَّم - وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَر - فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - لمحيصة : كَبِّر ، كَبِّر - يُرِيد السِّنَّ - فَتكلم حويصة ثمَّ تكلم محيصة ، فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : إِمَّا أَن تدوا صَاحبكُم وَإِمَّا أَن تؤذنوا بِحَرب . فَكتب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَيْهِم فِي ذَلِك ، فَكَتَبُوا : إِنَّا وَالله مَا قَتَلْنَاهُ . فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لحويصة ومحيصة : فتحلفون وتستحقون دم صَاحبكُم ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فتحلف لكم يهود ؟ قَالُوا : لَيْسُوا مُسلمين . فوداه النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - من عِنْده ، فَبعث إِلَيْهِم رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة نَاقَة حَتَّى أدخلت عَلَيْهِم الدَّار . فَقَالَ سهل : فَلَقَد ركضتني مِنْهَا نَاقَة حَمْرَاء " .
هَذَا كُله لفظ مُسلم ، وَلَفظ البُخَارِي عَن سهل بن أبي حثْمَة " هُوَ وَرِجَال من كبراء قومه ... " الحَدِيث ، وَفِيه : " فَذهب محيصة ليَتَكَلَّم . " وَفِي آخِره " فوداه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من عِنْده بمائة نَاقَة حَتَّى أدخلت الدَّار ، قَالَ سهل : فركضتني مِنْهَا نَاقَة " وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِي : " تَأْتُونِي بِالْبَيِّنَةِ عَلَى من قَتله . قَالُوا : مَا لنا بَيِّنَة . قَالَ : فَيحلفُونَ . قَالُوا : لَا نرضى بأيمان الْيَهُود . فكره رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن يبطل [8/512] دَمه فوداه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة نَاقَة من إبل الصَّدَقَة " وَذكر مُسلم إِسْنَاده وَذكر بعضه وسَاق الحَدِيث ، وَقَالَ فِيهِ : " فكره ... " إِلَى آخِره .
فَائِدَة : حويصة ومحيصة : بتَشْديد الْيَاء عَلَى الْأَشْهر وَحكي تخفيفها . وَقَوله : " فوداه " هُوَ بتَخْفِيف الدَّال أَي دفع دِيَته وَقَوله : " من عِنْده " يحْتَمل أَنه من خَالص مَاله ، وَيحْتَمل أَنه من مَال بَيت المَال . وَقَوله : " من إبل الصَّدَقَة " قَالَ بَعضهم : إِنَّهَا غلط من الروَاة ؛ لِأَن الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة لَا تصرف هَذَا الْمصرف ، إِنَّمَا تصرف لأصناف سماهم الله . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي من أَصْحَابنَا : ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنه يجوز صرفهَا من إبل الصَّدَقَة . وتأوله جمهورهم عَلَى أَنه اشْتَرَاهَا من إبل الصَّدَقَة بعد أَن ملكوها ، ثمَّ دَفعهَا تَبَرعا إِلَى أهل الْقَتِيل . " والرُّمه " الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث ، المُرَاد بهَا : الْحَبل الَّذِي فِي رَقَبَة الْقَاتِل ، فَيسلم فِيهِ إِلَى ولي الْمَقْتُول . والمربد بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْبَاء ، الْموضع الَّذِي تجمع فِيهِ الْإِبِل وتجلس . " وَالْفَقِير " الْبِئْر الْقَرِيب القعر الواسعة الْفَم ، وَقيل : هُوَ الحفرة الَّتِي تكون حول الْمحل .
فَائِدَة : فِي " مُصَنف عبد الرَّزَّاق " أَنه أول من كَانَت فِيهِ الْقسَامَة فِي الْإِسْلَام .
تَنْبِيهُ : قَالَ الرَّافِعِي : فَإِن كَانَ الْوَارِث جمَاعَة فَقَوْلَانِ : [8/513] أَحدهمَا أَن كل وَاحِد مِنْهُم يحلف خمسين يَمِينا ، وأصحهما أَن الْأَيْمَان توزع عَلَيْهِم عَلَى قدر مواريثهم ؛ لِأَنَّهُ - عليه السلام - قَالَ : " يحلفُونَ خمسين يَمِينا " فَلم يُوجب عَلَى الْجَمَاعَة إِلَّا الْخمسين . هَذَا آخر كَلَامه وَالِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث عَجِيب ؛ لِأَن الْوَارِث إِنَّمَا هُوَ أَخُو الْقَتِيل وَهُوَ أَخُو عبد الرَّحْمَن بن سهل ، وحويصة ومحيصة أَعْمَامه ، والحالف إِنَّمَا هُوَ الْوَارِث ، إِنَّمَا عبر - عليه السلام - بقوله " تحلفون " لِأَن الْحلف وَإِن صدر من وَاحِد لَكِن بعد اتِّفَاق العمين فِي الْعَادة فَإِنَّهُمَا حضرا مَعَهُمَا فِي الْقِصَّة فَعبر عَن اتِّفَاقهم عَلَى الْحلف وَأَن صدر من وَاحِد مجَازًا ، وَهُوَ مجَاز شَائِع ، والغريب أَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ قد نبه عَلَى هَذَا كُله وَقد كَانَ يكثر من نَظِير كَلَامه
.