الحَدِيث الثَّانِي
رُوِي أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " الْبَيِّنَة عَلَى من ادَّعَى وَالْيَمِين عَلَى من أنكر إِلَّا فِي الْقسَامَة " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي ، ثمَّ الْبَيْهَقِي من حَدِيث مُسلم بن خَالِد الزنْجِي ، عَن ابْن جريج ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء . وَلم يضعفاه ، وَمُسلم هَذَا فِيهِ مقَال . وَثَّقَهُ قوم وضعَّفه آخَرُونَ ، لَا جرم قَالَ ابْن عبد الْبر فِي " تمهيده " بعد أَن أخرجه من هَذِه الطَّرِيق : فِي إِسْنَاده لين .
[8/514] قلت : وَثمّ عِلّة أُخْرَى وَهِي أَن ابْن جريج لم يسمع من عَمْرو بن شُعَيْب كَمَا قَالَه البُخَارِي فِيمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِي عَنهُ فِي " سنَنه " فِي " بَاب وجوب الْفطْرَة عَلَى أهل الْبَادِيَة " .
وَعلة أُخْرَى وَهِي أَن مُسلم بن خَالِد قد خُولِفَ فِيهِ ، فَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق وحجاج ، عَن ابْن جريج ، عَن عَمْرو مُرْسلا ، ذكره الدَّارَقُطْنِي فِي " سنَنه " أَيْضا وَاخْتلف فِيهِ عَلَى مُسلم أَيْضا ، فَرَوَاهُ عُثْمَان بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الرَّازِي عَنهُ ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن أبي هُرَيْرَة ، مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء ، أخرجه الدَّارَقُطْنِي أَيْضا فِي " سنَنه " وَابْن عدي من هَذِه الطَّرِيق ، ثمَّ قَالَ : هَذَانِ الإسنادان - يَعْنِي هَذَا وَالَّذِي قبله - يعرفان بِمُسلم بن خَالِد .
وَذكر الرَّافِعِي أَيْضا فِي الْبَاب عَن " التَّتِمَّة " : أَنه لَو وجد قَتِيل بَين قريتين أَو قبيلتين وَلم يعرف بَينه وَبَين وَاحِد مِنْهُم عَدَاوَة فَلَا يَجْعَل قربه من إِحْدَاهمَا لوثًا ؛ لِأَن الْعَادة جرت بِأَن يبعد الْقَاتِل الْقَتِيل عَن فنائه وينقله إِلَى بقْعَة أُخْرَى دفعا للتُّهمَةِ عَن نَفسه وَمَا [8/515] رُوِي فِي الْخَبَر والأثر عَلَى خلاف مَا ذَكرْنَاهُ ، فَإِن الشَّافِعِي لم يثبت إِسْنَاده . هَذَا كَلَامه ، وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى حَدِيث أبي إِسْرَائِيل ، عَن عَطِيَّة الْعَوْفِي ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِي قَالَ : " وجد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَتِيلا بَين قريتين فَأمر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فذرع مَا بَينهمَا قَالَ : فَكَأَنِّي انْظُر إِلَى شبر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - " . رَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِي بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَفظه : " أَن قَتِيلا وجد بَين حيَّين ، فَأمر النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أَن يُقَاس إِلَى أَيَّتهمَا أقرب ، فَوجدَ أقرب إِلَى أحد الْحَيَّيْنِ بشبر ، فَقَالَ أَبُو سعيد : فَكَأَنِّي أنظر إِلَى شبر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَألْقَى دِيَته عَلَيْهِم " .
ترْجم عَلَيْهِ الْبَيْهَقِي فِي " سنَنه " " بَاب مَا رُوِي فِي الْقَتِيل يُوجد بَين قريتين " وَلَا يَصح . ثمَّ قَالَ بعد إِيرَاده : تفرد بِهِ أَبُو إِسْرَائِيل ، عَن عَطِيَّة الْعَوْفِي ، وَكِلَاهُمَا لَا يحْتَج بروايته .
وَأما الْأَثر فَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِي من طَرِيق الشَّافِعِي ، ثَنَا سُفْيَان ، عَن مَنْصُور ، عَن الشّعبِي ، أَن عمر بن الْخطاب : " كتب فِي قَتِيل وجد بَين قريتين - خيوان ووداعة - أَن يُقَاس مَا بَين القريتين فَإلَى أَيَّتهمَا كَانَ أقرب أخرج إِلَيْهِ مِنْهُم خمسين رجلا حَتَّى يوافونه مَكَّة فأدخلهم الحِجْر فأحلفهم ، ثمَّ قَضَى عَلَيْهِم بِالدِّيَةِ ، وَقَالُوا : مَا وَقت أَمْوَالنَا أَيْمَاننَا وَلَا أَيْمَاننَا أَمْوَالنَا . قَالَ عمر : كَذَلِك الْأَمر " .
قَالَ الشَّافِعِي : [8/516] لَيْسَ بِثَابِت ، إِنَّمَا رَوَاهُ الشّعبِي ، عَن الْحَارِث الْأَعْوَر وَهُوَ مَجْهُول .
قلت : عَجِيب هُوَ مَعْرُوف ، لكنه مِمَّن اخْتلف فِيهِ . وَقَالَ الشّعبِي : كَانَ الْحَارِث كذابا . قَالَ الْبَيْهَقِي : وَرُوِي عَن مجَالد ، عَن الشّعبِي ، عَن مَسْرُوق ، عَن عمر ، ومجالد غير مُحْتَج بِهِ . وَرُوِي عَن مطرف ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن الْحَارِث بن الأزمع ، عَن عمر ، وَأَبُو إِسْحَاق لم يسمعهُ من الْحَارِث . قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِي ، عَن أبي زيد ، عَن شُعْبَة قَالَ : سَمِعت أَبَا إِسْحَاق يحدث حَدِيث الْحَارِث بن الأزمع : " أَن قَتِيلا وجد بَين ودَاعَة وخيوان " فَقلت : يَا أَبَا إِسْحَاق من حَدثَك ؟ قَالَ : حَدثنِي مجَالد ، عَن الشّعبِي ، عَن الْحَارِث بن الأزمع فَعَادَت رِوَايَة أبي إِسْحَاق إِلَى حَدِيث مجَالد ، وَاخْتلف فِيهِ عَلَى مجَالد فِي إِسْنَاده ، ومجالد غير مُحْتَج بِهِ .
قلت : وَعَن الْعقيلِي الْحَافِظ : أَن حَدِيث " إِذا وجد الْقَتِيل بَين قريتين ضمن أقربهما " لَيْسَ لَهُ أصل
.