|
وَأما آثاره فَأَرْبَعَة عشر أثرا : الأول : " أَن أَبَا بكر - رضي الله عنه - قَاتل مانعي الزَّكَاة " . وَهَذَا أثر صَحِيح ، وَقد سلف بِطُولِهِ فِي " الزَّكَاة " . قَالَ الرَّافِعِي : وَسَببه أَن بعض مانعي الزَّكَاة قَالُوا لأبي بكر : أمرنَا بِدفع الزَّكَاة إِلَى من صلَاته سكن لنا وَهُوَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَا قَالَ - تعالى - : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ إِلَى قَوْله سَكَنٌ لَهُمْ ، وصلوات غَيره لَيست سكنًا لنا . الْأَثر الثَّانِي : " أَن عليًّا - رضي الله عنه - قَاتل أَصْحَاب الْجمل ، وَأهل الشَّام بالنهروان ، وَقَاتل أهل الْبَصْرَة ، وَلم يتبع بعد الِاسْتِيلَاء مَا أَخَذُوهُ من الْحُقُوق " . وَهَذَا مَعْرُوف عَنهُ وَلَا حَاجَة إِلَى الْخَوْض فِيهِ ، وَلَا فِيمَا قَالَه الرَّافِعِي بعدُ من أَن أهل الْجمل والنهروان ثَبت أَنهم بغاة وَلَا مَا ذكره فِي مُعَاوِيَة - رَضِي الله عَنْهُم ، وَعَن سَائِر الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ . و" النهروان " : مَكَان بِقرب بَغْدَاد ، وَهُوَ بِفَتْح النُّون [8/551] وَالرَّاء وَإِسْكَان الْهَاء ، كَذَا ضَبطه ثَعْلَب وَابْن قُتَيْبَة فِي " أدب الْكَاتِب " والجوهري فِي " صحاحه " وَآخَرُونَ ، وَهُوَ الْمَشْهُور فِي ضَبطه كَمَا قَالَه النَّوَوِي فِي " تهذيبه " . وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي : هُوَ بِضَم النُّون وَالرَّاء ، وَذكره الجواليقي فِي كِتَابه " المعرب " بِالْوَجْهَيْنِ فَقَالَ : النهروان - بِفَتْح النُّون ، وَالرَّاء - فَارسي مُعرب . قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو : سَمِعت من يَقُول : نهروان بضمهما . وَذكره السَّمْعَانِي فِي " أنسابه " بِالضَّمِّ فَقَط قَالَ : وَهِي بَلْدَة قديمَة لَهَا عدَّة نواحي خرب أَكْثَرهَا ، وَهِي بِقرب بَغْدَاد . ووهمه الذَّهَبِي فِي كِتَابه " سير النبلاء " . وَقَالَ الْبكْرِي فِي " مُعْجم مَا استعجم " النهروان ، بالعراق مَعْلُوم بِفَتْح أَوله ، وَإِسْكَان ثَانِيه ، وَفتح الرَّاء الْمُهْملَة وبكسرها أَيْضا نهروان ، وبضَمهَا أَيْضا نهروان ، وَيُقَال أَيْضا : بِضَم النُّون وَالرَّاء مَعًا ، أَربع لُغَات وَالْهَاء فِي جَمِيعهَا سَاكِنة . وَسُئِلَ الْأَصْمَعِي : هَل هُوَ بِضَم النُّون أَو [8/552] كسرهَا ؟ فَقَالَ : لَا أَدْرِي . وَأنْشد ابْن الطرماح :
| قل فِي شط نهروان اغتماضي | | وَدَعَانِي حب الْعُيُون المراض | فَأمْسك . الْأَثر الثَّالِث : " أَن الصَّحَابَة بَايعُوا أَبَا بكر فَأول من بَايعه عمر ، ثمَّ وَافقه الصَّحَابَة - رضي الله عنهم - " . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، وَقد أسلفناه بِطُولِهِ فِي أثْنَاء الحَدِيث السَّادِس . الْأَثر الرَّابِع : " أَن أَبَا بكر عهد إِلَى عمر - رضي الله عنهما - " . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح مستفيض وَفِي الْبَيْهَقِي بِإِسْنَادِهِ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ : " بَلغنِي أَن أَبَا بكر أَوْصَى فِي مَرضه فَقَالَ لعُثْمَان اكْتُبْ : بِسْمِ الَلّهِ الرّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ أَبُو بكر بن أبي قُحَافَة عِنْد آخر عَهده بالدنيا خَارِجا مِنْهَا ، وَأول عَهده بِالآخِرَة دَاخِلا فِيهَا حِين يصدق الْكَاذِب . وَيُؤَدِّي الخائن ، ويؤمن الْكَافِر ، إِنِّي اسْتخْلف بعدِي عمر بن الْخطاب ، فَإِن عدل فَذَاك ظَنِّي بِهِ ورجائي فِيهِ ، وَإِن بدل وجار فَلَا أعلم الْغَيْب ، وَلكُل امْرِئ مَا اكْتسب من الْإِثْم ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) . قَالَ الْبَيْهَقِي : وَرُوِي مُتَّصِلا عَن هِشَام [8/553] ابن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة . الْأَثر الْخَامِس : " أَن عمر - رضي الله عنه - جعل الْأَمر شُورَى بَين سِتَّة ، فاتفقوا عَلَى عُثْمَان - رضي الله عنه - " . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِي فِي " صَحِيحه " ، وَقد سلف بِطُولِهِ فِي " بَاب مَا يجب بِهِ الْقصاص " . الْأَثر السَّادس : عَن أبي بكر - رضي الله عنه - أَنه قَالَ : " أقيلوني من الْخلَافَة " . وَهَذَا غَرِيب ، لَا يحضرني من خرجه عَنهُ . الْأَثر السَّابع : " أَن عليًّا - رضي الله عنه - سمع رجلا من الْخَوَارِج يَقُول لَا حكم إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ ، وَتعرض بتخطئته فِي التَّحْكِيم . فَقَالَ عَلّي - رضي الله عنه - : كلمة حق أُرِيد بهَا بَاطِل ، لكم علينا ثَلَاث : لَا نمنعكم مَسَاجِد الله أَن تَذكرُوا فِيهَا اسْم الله وَلَا نمنعكم الْفَيْء مَا دَامَت أَيْدِيكُم مَعنا ، وَلَا نبدأ بقتالكم " وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي بلاغًا ، وَالْبَيْهَقِي مَوْصُولا " أَن عليًّا بَيْنَمَا هُوَ يخْطب إِذْ سمع من نَاحيَة الْمَسْجِد قَائِلا يَقُول : لَا حكم ... " إِلَى آخِره . وَرَوَى مُسلم فِي " صَحِيحه " صَدره من حَدِيث عبيد الله بن أبي رَافع " أَن الحرورية لما خرجت عَلَى عَلي بن أبي طَالب وَهُوَ مَعَه فَقَالُوا : لَا حكم إِلَّا لله . فَقَالَ علي بن أبي طَالب : كلمة حق أُرِيد بهَا بَاطِل ، إِن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وصف نَاسا إِنِّي لأعرف صفتهمْ فِي هَؤُلَاءِ ... " الحَدِيث ، وَهُوَ حَدِيث [8/554] طَوِيل . قَالَ الرَّافِعِي : والخوارج فرقة من المبتدعة خَرجُوا عَلَى عَلي حَيْثُ اعتقدوا أَنه يعرف قتلة عُثْمَان وَيقدر عَلَيْهِم وَلَا يقْتَصّ مِنْهُم لرضاه بقتْله ومواطأته إيَّاهُم ، ويعتقدون أَن من أَتَى كَبِيرَة فقد كفر ، وَاسْتحق الخلود فِي النَّار ، ويطعنون لذَلِك فِي الْأَئِمَّة ، وَلَا يَجْتَمعُونَ مَعَهم فِي الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات . أعاذنا الله من رُؤْيَتهمْ . قَالَ الشَّافِعِي : وَابْن ملجم الْمرَادِي قتل عليًّا - رضي الله عنه - متأولاً . قَالَ الرَّافِعِي : أَرَادَ الشَّافِعِي أَنه قَتله وَزعم أَن لَهُ شُبْهَة وتأويلاً بَاطِلا وَحكي أَن تَأْوِيله أَن امْرَأَة من الْخَوَارِج تسمى قطام ، خطبهَا ابْن ملجم ، وَكَانَ عَلي قتل أَبَاهَا فِي جملَة الْخَوَارِج ، فَوَكَّلَتْهُ فِي الْقصاص وهما يزعمان أَن عَلَيْهِ قصاصا وَأَن الْوَاحِد من الْوَرَثَة ينْفَرد بِالْقصاصِ ، وشرطت لَهُ مَعَ ذَلِك ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم وعبدًا وقينة لتحببه فِي ذَلِك ، وَفِي ذَلِك قيل :
| فَلَم أرَ مَهْرًا ساقَهُ ذُو سَمَاحَةٍ | | كَمَهَرِ قَطَامٍ من فَصَيحٍ وأعجَم | | ثَلاثَةُ آلافٍ وَعبدٍ وقَيْنَةٍ | | وَقتل علي بالحُسامِ المُصَمْصَم | هَذَا آخر مَا ذكره . أما مَا ذكره من كَونه قَتله متأولا فقد قَالَ الْبَيْهَقِي فِي " سنَنه " ، بَاب الرجل يقتل وَاحِدًا من الْمُسلمين عَلَى التَّأْوِيل ، ثمَّ ذكر عَن الشَّافِعِي مَا سَيَأْتِي . وَقَالَ ابْن حزم : لَا خلاف بَين أحد من الْأَئِمَّة فِي أَن ابْن ملجم [8/555] قتل عليًّا متأولا مُجْتَهدا مُقَدرا عَلَى أَنه صَواب وَفِي ذَلِك يَقُول عمرَان بن حطَّان :
| يَا ضَرْبَة من تَقِي مَا أَرَادَ بهَا إِلَّا | | ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا | | إني لأذكره حينا فأحسبه | | أَوْفَى الْبَريَّة عِنْد الله ميزانًا | وَقد أَجَابَهُ من الْمُتَقَدِّمين بكر بن حَمَّاد بِأَبْيَات ذكرهَا ابْن عبد الْبر فِي " استيعابه " ، وَمن الْمُتَأَخِّرين القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِي ببيتين فَقَالَ : | يَا ضَرْبَة من شقي مَا أَرَادَ بهَا | | إِلَّا ليهْدم الْإِسْلَام أركانا | | إِنِّي لأذكره يَوْمًا فألعنه | | كَذَاك ألعن عمرَان بن حطانا | وَفِي " الِاسْتِيعَاب " أَن ابْن ملجم قَالَ لشبيب الْأَشْجَعِي : هَل لَك أَن تساعدني عَلَى قتل عَلّي . فَقَالَ : وَيلك إِنَّه ذُو سابقةٍ فِي الْإِسْلَام ، فَقَالَ ابْن ملجم : إِنَّه حكم الرِّجَال فِي دين الله ، وَقتل إِخْوَاننَا الصَّالِحين . وَأَنه ضربه عَلَى رَأسه ، وَقَالَ : الحكم لله يَا عَلّي لَا لَك ، وَلَا [8/556] لأصحابكم . وَظَاهر هَذَا أَنه كَانَ مُسلما متأولاً ، وَذكر ابْن قُتَيْبَة فِي " كتاب السياسة " : أَن ابْن ملجم دخل الْمَسْجِد فِي بزوغ الْفجْر الأولَى ، فَدخل فِي الصَّلَاة تَطَوّعا ثمَّ افْتتح الْقِرَاءَة فَجعل يُكَرر هَذِه الْآيَة ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ) فَأقبل عَلّي وَبِيَدِهِ مخفقة يوقظ النَّاس للصَّلَاة ، فَمر بِابْن ملجم وَهُوَ يردد هَذِه الْآيَة ، فَظن أَنه تعيى فِيهَا فَفتح لَهُ ( وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) ثمَّ انْصَرف عَلّي فَتَبِعَهُ فَضَربهُ عَلَى قرنه ، فَقَالَ علي : احْبِسُوهُ ثَلَاثًا وأطعموه واسقوه ، فَإِن أعش أرَى فِيهِ رَأْيِي ، وَإِن أمت فَاقْتُلُوهُ ، وَلَا تمثلوا بِهِ . فَمَاتَ فَأَخذه عبد الله بن جَعْفَر فَقطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ ، فَلم يجزع ، وَأَرَادُوا قطع لِسَانه فجزع ، فَقيل لَهُ مَا هَذَا الْجزع عَلَى لسَانك وَحده ؟ فَقَالَ : إِنِّي أكره أَن تمر بِي سَاعَة من نَهَار لَا أذكر الله فِيهَا . ثمَّ قطعُوا لِسَانه ، وضربوا عُنُقه " . وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِي فِي " تهذيبه " : أهل السّير لَا تدافع عَنْهُم " أَن عليًّا أَمر بقتل قَاتله قصاصا ، وَنَهَى أَن يمثل بِهِ " . وَفِي كتاب " التَّجْرِيد " للقدوري الْحَنَفِي : أَنه لَو كَانَ مُرْتَدا لجازت الْمثلَة بِهِ ، وَقد قَالَ عَلّي : لَا تمثلوا بِهِ ، وَأَيْضًا مَا كَانَ عَلّي يقف قَتله عَلَى شَرط [8/557] الْمَوْت ، وَلَو قتل لسعيه فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ لم يجز الْعَفو عَنهُ أَي وَقد قَالَ عَلّي : " إِن شِئْت أَن أعفو عَنهُ " . كَمَا سَيَأْتِي . وَقَالَ الرَّافِعِي فِي " تذنيبه " : عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي ، كَانَ من الْخَوَارِج المارقين ، وَذكر أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - شهد عَلَيْهِ بالشقاوة . قلت : وَهَذَا الحَدِيث سَيَأْتِي فِي أثْنَاء الْأَثر الْحَادِي عشر ، وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب " التَّنْوِير " : لَا أعلم أحدا توقف فِي لعن ابْن ملجم ، إِلَّا مَا كَانَ من عمرَان بن حِطّان أصلاه الله النيرَان . وَأما الْقِصَّة الَّتِي ذكرهَا الرَّافِعِي فرواها بِنَحْوِ ذَلِك الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " فِي تَرْجَمَة عَلي - رضي الله عنه - بِإِسْنَادِهِ إِلَى إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن قَالَ : " كَانَ عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي عشق امْرَأَة من الْخَوَارِج من تيم الربَاب يُقَال لَهَا : قطام ، فنكحها وَأصْدقهَا ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم ، وَقتل عَلّي - رضي الله عنه - " وَفِي ذَلِك قَالَ الفرزدق ؛ فَلم أر مهْرا ... الْبَيْت . كَمَا ذكره الرَّافِعِي إِلَّا أَنه قَالَ : " بيّن غير مُعْجم " بدل : " من فصيح وأعجم " وَالْبَيْت الثَّانِي : كَمَا ذكره الرَّافِعِي سَوَاء وَزَاد بَيْتا ثَالِثا :
| فَلَا مهر أغلا من عَلّي وَإِن غلا | | وَلَا فتك إِلَّا دون فتك ابْن ملجم |
الْأَثر الثَّامِن : " أَن أَبَا بكر - رضي الله عنه - قَالَ للَّذين قَاتلهم بعد مَا تَابُوا : تدون قَتْلَانَا وَلَا ندي قَتْلَاكُمْ " . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِي من حَدِيث أبي [8/558] إِسْحَاق ، عَن عَاصِم بن ضَمرَة ، قَالَ : " ارْتَدَّ عَلْقَمَة بن علاثة عَن دينه بعد النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَأَبَى أَن يجنح للسَّلم ، فَقَالَ أَبُو بكر - رضي الله عنه - : لَا نقبل مِنْك إِلَّا بسلم مخزية أَو حَرْب مجلية ، فَقَالَ : مَا سلم مخزية ؟ قَالَ : تَشْهَدُون عَلَى قَتْلَانَا أَنهم فِي الْجنَّة وَأَن قَتْلَاكُمْ فِي النَّار وَلَا ندي قَتْلَاكُمْ فَاخْتَارُوا سلما مخزية " . قَالَ الْبَيْهَقِي : وروينا فِي هَذِه الْقِصَّة : " أَن عمر بن الْخطاب رَأَى أَن لَا يدوا قَتْلَانَا ، وَقَالَ : قَتْلَانَا قتلوا عَلَى أَمر الله فَلَا ديات لَهُم " . وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي بَاب قتال أهل الرِّدَّة وَمَا أُصِيب فِي أَيْديهم من مَتَاع الْمُسلمين ، عَن طَارق بن شهَاب قَالَ : " جَاءَ وَفد بزاخة - أَسد وغَطَفَان - إِلَى أبي بكر - رضي الله عنه - يسألونه الصُّلْح ، فَخَيرهمْ أَبُو بكر - رضي الله عنه - بَين الْحَرْب المجلية ، أَو السّلم المخزية ، قَالَ : فَقَالُوا : هَذَا الْحَرْب المجلية وَقد عَرفْنَاهُ ، فَمَا السّلم المخزية ؟ قَالَ أَبُو بكر - رضي الله عنه - : تؤدون الْحلقَة والكراع ، وتتركون أَقْوَامًا يتبعُون أَذْنَاب الْإِبِل حَتَّى يرَى خَليفَة نبيه وَالْمُسْلِمين أمرا يعذرونكم بِهِ ، وتدون قَتْلَانَا وَلَا ندي قَتْلَاكُمْ ، وقتلانا فِي الْجنَّة وَقَتلَاكُمْ فِي النَّار ، وتردون مَا أصبْتُم منا ونغنم مَا أصبْنَا مِنْكُم . فَقَالَ عمر - رضي الله عنه - : قد رَأَيْت أمرا وسنشير عَلَيْك ، أما أَن يؤدوا الحلقة والكراع فَنعما رَأَيْت ، وَأما أَن تتركوا أَقْوَامًا يتبعُون أَذْنَاب الْإِبِل حَتَّى يري الله خَليفَة نبيه وَالْمُسْلِمين أمرا يعذرونهم بِهِ فَنعما [8/559] رَأَيْت وَأما أَن قتلاهم فِي النَّار وقتلانا فِي الْجنَّة فَنعما رَأَيْت ، وَأما أَن يدوا قَتْلَانَا فَلَا ، قَتْلَانَا قتلوا عَلَى أَمر الله فَلَا ديات لَهُم . فَبَايع النَّاس عَلَى ذَلِك " . قَالَ الْبَيْهَقِي : وقَول عمر - رضي الله عنه - فِي الْأَمْوَال لَا يُخَالف قَوْله فِي الدِّمَاء ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ وَالله أعلم مَا أُصِيب فِي أَيْديهم من أَعْيَان أَمْوَال الْمُسلمين لَا تضمن مَا أتلفوه . فَائِدَة : " بُزَاخة " : الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْأَثر هِي - بِضَم الْبَاء ، وَفتح الزَّاي وَالْخَاء الْمُعْجَمَة - مَوضِع ، قَالَ صَاحب " الْمطَالع " : بِالْبَحْرَيْنِ قَالَ : وَقَالَ الْأَصْمَعِي : هُوَ مَاء لِطَيِّئٍ ، وَقَالَ النَّسَائِي : مَاء لبني أَسد . الْأَثر التَّاسِع : " أَن عليًّا - رضي الله عنه - نَادَى من وجد مَاله فليأخذه . قَالَ الرَّاوِي : فَمر بِنَا رجل فَعرف قدرا نطبخ فِيهَا فَسَأَلْنَاهُ أَن يصبر حَتَّى نطبخ فَلم يفعل " . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِي فِي " سنَنه " بِنَحْوِهِ من رِوَايَة عرْفجَة ، عَن أَبِيه : أَن عليًّا - رضي الله عنه - لما قتل أهل النهروان جال فِي عَسْكَرهمْ فَمن كَانَ يعرف شَيْئا أَخذه ، حَتَّى بقيت قدر ، ثمَّ رَأَيْتهَا أخذت بعد " وَفِي رِوَايَة لَهُ : " أَن عليًّا - رضي الله عنه - أُتِي برثة أهل النَّهر فعرفها ، فَكَانَ من عرف شَيْئا أَخذه ، حَتَّى بقيت قدر لم تعرف " . الْأَثر الْعَاشِر : " أُتِي عليا - رضي الله عنه - قَاتل أهل الْبَصْرَة ، وَلم يتتبع بعد [8/560] الِاسْتِيلَاء مَا أَخَذُوهُ من الْحُقُوق " . وَهَذَا لَا يحضرني . وَفِي الْبَيْهَقِي : " بَاب أهل الْبَغي إِذا غلبوا عَلَى بلد وَأخذُوا صدقَات أَهلهَا ، وَأَقَامُوا عَلَيْهِم الْحُدُود لم تعد عَلَيْهِم " اسْتِدْلَالا بِحَدِيث أبي ذَر : " أَمرنِي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن أسمع وأطع وَلَو لعبد حبشِي مجدع الْأَطْرَاف " . أخرجه مُسلم . الْأَثر الْحَادِي عشر : عَن الشَّافِعِي - رضي الله عنه - : " أَن عليًّا أَمر بِحَبْس ابْن ملجم وَقَالَ : إِن قَتَلْتُمُوهُ فَلَا تمثلوا بِهِ ، وَرَأَى عَلَيْهِ الْقَتْل ، فَقتله الْحسن - رضي الله عنه - " . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي " الْأُم " ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه " أَن عليًّا - رضي الله عنه - قَالَ فِي أَمر ابْن ملجم بعد مَا ضربه : أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره ، فَإِن عِشْت فَأَنا ولي دمي أعفو إِن شِئْت ، وَإِن شِئْت استقدت ، وَإِن قَتَلْتُمُوهُ فَلَا تمثلوا بِهِ " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِي فِي " سنَنه " عَنهُ ، وَرَوَى فِي " مَنَاقِب الشَّافِعِي " تأليفه فِي بَاب مَا جَاءَ فِي حسن مناظرة الشَّافِعِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي ثَوْر قَالَ : سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول : ناظرت ، بشر بن غياث المريسي فِي الْمَقْتُول لَهُ وَرَثَة صغَار وكبار يقتل الْقَاتِل دون بُلُوغ [8/561] الصغار ؟ قَالَ : لَا . فَقلت لَهُ : فَإِن الْحسن بن عَلّي قتل ابْن ملجم ، وَفِي الْوَرَثَة صغَار لم يبلغُوا . فَقَالَ : أَخطَأ الْحسن . فَقلت : مَا كَانَ عنْدك جَوَاب أحسن من هَذَا وهجرته يَوْمئِذٍ . قَالَ الْبَيْهَقِي : وَكَانَ الشَّافِعِي يذهب أَيْضا إِلَى أَنه لَا يقتل قصاصا قبل بُلُوغ الصغار ، وَيُشبه أَن يكون حمل قتل الْحسن بن عَلّي ابنَ ملجم عَلَى أَنه من الساعين فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ ، فَرَأَى قَتله بِالْولَايَةِ الْعَامَّة دون ولَايَة الْقصاص . وَقَالَ فِي " سنَنه " نقلا عَن بعض أَصْحَابنَا إِنَّمَا استبد بقتْله قبل بُلُوغ الصغار من ولد عَلّي ؛ لِأَنَّهُ فعله حدًّا لكفره لَا قصاصا . وَقَالَ فِي " الْمعرفَة " : يشبه أَن يكون الْحسن وقف عَلَى استحلال عبد الرَّحْمَن بن ملجم قتل أَبِيه فَقتله لأجل ذَلِك . وَاسْتدلَّ بعض من قَالَ ذَلِك من أَصْحَابنَا بِمَا روينَا عَن أبي سِنَان الدؤَلِي " أَنه عَاد عليًّا فِي شكوى لَهُ قَالَ : فَقلت لَهُ : لقد تخوفنا عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ . قَالَ : لكني وَالله مَا تخوفت ؛ لِأَنِّي سَمِعت رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم - الصَّادِق المصدوق يَقُول : " إِنَّك ستضرب ضَرْبَة هَاهُنَا ، وضربة هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى صدغيه - فيسيل دَمهَا حَتَّى تختضب لحيتك ، وَيكون صَاحبهَا أشقاها كَمَا كَانَ عَاقِر النَّاقة أَشْقَى ثَمُود " ، وَفِي " مُسْتَدْرك الْحَاكِم " بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي يَحْيَى ، قَالَ : " لما جَاءُوا بِابْن ملجم إِلَى عَلي ، قَالَ : اصنعوا بِهِ مَا صنع رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بِرَجُل جُعِلَ لَهُ عَلَى أَن يقْتله ، فَأمر أَن يُقتل ويُحرق بالنَّار " وَفِيه أَيْضا عَن أبي إِسْحَاق [8/562] الْهَمدَانِي قَالَ : " رَأَيْت قَاتل عَلّي بن أبي طَالب يحرق بالنَّار فِي أَصْحَاب الرماح " ، وَفِيه أَيْضا عَن الشّعبِي قَالَ : " لما ضرب ابْن ملجم عليًّا تِلْكَ الضَّرْبَة أَوْصَى فَقَالَ : قد ضَرَبَنِي ، فَأحْسنُوا إِلَيْهِ وألينوا لَهُ فرَاشه ، فَإِن أعش فعفو أَو قصاص ، وَإِن أمت فعاجلوه فَإِنِّي مخاصمه عِنْد رَبِّي - عز وجل - " . الْأَثر الثَّانِي عشر : " أَن عليًّا - رضي الله عنه - بعث ابْن عَبَّاس إِلَى أهل النهروان للْحَاجة والنصيحة فَرجع بَعضهم إِلَى الطَّاعَة بذلك " وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " فِي حَدِيث طَوِيل ، فِيهِ ذكر قصَّة الخارجين عَلَى عَلّي : " فَإِنَّهُ بعث إِلَيْهِم عبد الله بن عَبَّاس فناظرهم فَرجع مِنْهُم أَرْبَعَة آلَاف ، وَكَانُوا ثَمَانِيَة آلَاف " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِي أَيْضا كَذَلِك . " وَأَنه بَعثه إِلَيْهِم وَأَنه رَجَعَ مِنْهُم أَرْبَعَة آلَاف " وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِي فِي " أكبر معاجمه " ، " أَنه بَعثه إِلَى الحروراء فَرجع مِنْهُم عشرُون ألفا ، وَبَقِي مِنْهُم أَرْبَعَة آلَاف قتلوا " ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِي من حَدِيث أبي زُميل الْحَنَفِي عَنهُ " أَن ابْن عَبَّاس خرج إِلَى الحرورية وَأَنَّهُمْ سِتَّة آلَاف فحاجهم فَرجع مِنْهُم أَلفَانِ ، وَقتل الْبَاقِي " ، وَلَيْسَ فِيهَا أَنه بَعثه . وَفِي [8/563] الْبَيْهَقِي أَيْضا : " أَن عليًّا بعث الْبَراء بن عَازِب إِلَى أهل النَّهر إِلَى الْخَوَارِج فَدَعَاهُمْ ثَلَاثًا قبل أَن يقاتلهم " . الْأَثر الثَّالِث عشر : " أَنه نَادَى مُنَادِي علي - رضي الله عنه - يَوْم الْجمل أَلا لَا يتبع مدبرهم ، وَلَا يذفف عَلَى جريحهم " وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ، وَسَعِيد بن مَنْصُور وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِي . قَالَ الْحَاكِم : هُوَ صَحِيح ، قَالَ : وَصَحَّ مثله فِي وقْعَة صفّين . فَائِدَة : قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه " مرج الْبَحْرين " : كَانَت وقْعَة الْجمل فِي نصف جُمَادَى الْآخِرَة ، وَقيل : كَانَت فِي يَوْم الْخَمِيس لعشر ليالٍ خلت مِنْهُ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ ، أفرجت عَن ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ألفا . قَالَه ابْن شبة ، وَقيل : سَبْعَة عشر ألفا من أَصْحَاب عَائِشَة ، وَمن أَصْحَاب عَلّي نَحْو من ألف رجل ، وَقيل : أقل من ذَلِك ، وَكَانَت إِقَامَة علي ، وَمُعَاوِيَة بصفين تِسْعَة أشهر ، وَقيل : سَبْعَة . وَقيل : ثَلَاثًا . وَكَانَ بَينهمَا قبل الْقِتَال نَحْو من سبعين زحفًا . وَقيل : فِي ثَلَاثَة أَيَّام من أَيَّام الْبيض سَبْعُونَ ألفا من الْفَرِيقَيْنِ . وَفِي " المعجم الْكَبِير " للطبراني من حَدِيث ابْن شهَاب " أَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن العَاصِي شهد الْقِتَال يَوْم صفّين ، وَكَانَ أهل الشَّام يَوْم صفّين خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ومائة ألف ، وَكَانَ أهل الْعرَاق عشْرين أَو ثَلَاثِينَ ومائة ألف ، وَقطع عَلَى خطام جمل عَائِشَة [8/564] واسْمه عَسْكَر سَبْعُونَ يدا من بني ضبة ، كلما قطعت يَد رجل أَخذ الزِّمَام آخر ، وهم ينشدون :
| بني ضبة أَصْحَاب الْجمل | | تبَارك الْمَوْت إِذْ الْمَوْت نزل | | وَالْمَوْت أشهى عندنَا من الْعَسَل | الْأَثر الرَّابِع عشر " أَن عليًّا - رضي الله عنه - قتل لَيْلَة الهرير ألفا وَخَمْسمائة " . وَهَذَا قد سلف فِي صَلَاة الْخَوْف .
|
|
|