الْفَصْل الثَّانِي :
سَواد الْعرَاق ، قَالَ أَبُو إِسْحَاق : فتح صلحا . وَالصَّحِيح الْمَنْصُوص أَن عمر بن الْخطاب [ فتحهَا ] عنْوَة ، قسمه بَين الْغَانِمين ، ثمَّ استطاب قُلُوبهم واسترده ، وَقَالَ : الأول أَن عمر ردهَا عَلَيْهِم بخراج يؤدونه كل سنة .
وَاخْتلف الْأَصْحَاب فِيمَا فعله عمر عَلَى وَجْهَيْن ، الصَّحِيح الْمَنْصُوص أَنه وَقفهَا عَلَى الْمُسلمين وأجره لأَهله ، وَالْخَرَاج الْمَضْرُوب عَلَيْهِ أُجْرَة منجمة تُؤَدَّى كل سنة .
قَالَ جرير بن عبد الله البَجلِيّ : " كَانَت بجيلة ربع النَّاس يَوْم الْقَادِسِيَّة ، فقسم لَهُم عمر ربع السوَاد ، فاشتغلوا ثَلَاث سِنِين أَو أَرْبعا ، ثمَّ قدمت عَلَى عمر ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي قَاسم مسئول [ لنزكتكم ] عَلَى مَا قسم لكم ، وَلَكِنِّي أرَى أَن تردوا عَلَى النَّاس فغاصبني ثمن حَقي ، ونيفًا وَثَمَانِينَ دِينَارا ، وَكَانَ معي امْرَأَة يُقَال لَهَا : أم كرز ، فَقَالَت : إِن أبي شهد الْقَادِسِيَّة ، وَثَبت سَهْمه ، وَلَا أسلمه حَتَّى تملأ كفي دَنَانِير وكمي لآلئ ، وتركبني نَاقَة ذلولًا عَلَيْهَا قطيفة حَمْرَاء ، فَفعل [9/147] رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَتركت حَقّهَا " ، وَعَن عتبَة بن فرقد " أَنه اشْتَرَى أَرضًا من أَرض السوَاد ، فَأَتَى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَأخْبرهُ فَقَالَ : مِمَّن اشْتَرَيْتهَا ؟ فَقَالَ : من أَهلهَا ، فَقَالَ : فَهَؤُلَاءِ الْمُسلمُونَ أبعتموه شَيْئا ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَاذْهَبْ واطلب مَالك " .
وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه قَالَ : " جعل عمر السوَاد وَقفا عَلَى الْمُسلمين مَا تَنَاسَلُوا " .
وَعَن ابْن شبْرمَة أَنه قَالَ : لَا أُجِيز بيع أَرض السوَاد ، وَلَا هبتها ، وَلَا وَقفهَا .
فعلَى هَذَا لَا يجوز بَيْعه وَرَهنه وهبته ، وَيجوز لأَهله إِجَارَته بالِاتِّفَاقِ مُدَّة مَعْلُومَة ، وَلَا يجوز إِجَارَته مُؤَبَّدًا عَلَى الْأَصَح ، بِخِلَاف إِجَارَة عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مُؤَبَّدًا فَإِنَّهَا احتملت لمصْلحَة كُلية .
وَعَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : " لَوْلَا أخْشَى أَن يَبْقَى آخر الزَّمَان ببّانًا لَا شَيْء لَهُم لتركتكم وَمَا قسم لكم ، وَلَكِنِّي أحب أَن يلْحق آخر النَّاس أَوَّلهمْ .
وتلا قَوْله تَعَالَى : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ " قَوْله ببّانًا أَي : شَيْئا وَاحِدًا ، وَقيل : أَي متساوين فِي الْفقر .
وَعَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ أَنه قَالَ : أدْركْت النَّاس بِالْبَصْرَةِ وَإنَّهُ ليجاء بِالتَّمْرِ ، فَمَا يَشْتَرِيهِ إِلَّا أَعْرَابِي ، أَو من يتَّخذ النَّبِيذ . يُرِيد أَنهم كَانُوا يتجرون مِنْهُ ، وَأَن ذَلِك كَانَ مَشْهُورا فِيمَا بَينهم .
هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ مُلَخصا .
فَأَما أثر جرير فَرَوَاهُ الشَّافِعِي قَالَ : أَنا الثِّقَة ، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد ، عَن قيس بن أبي حَازِم ، عَن جرير ، فَذكره مثله سَوَاء .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِي : فِي هَذَا الحَدِيث دلَالَة إِذا أعْطى جرير البَجلِيّ عوضا من سَهْمه ، وَالْمَرْأَة عوضا من سهم أَبِيهَا ، أَنه [9/148] استطاب أنفس الَّذين أوجفوا عَلَيْهِ ، فتركوا حُقُوقهم مِنْهُ ، فَجعله وَقفا للْمُسلمين ، وَهَذَا حَلَال للْإِمَام أَن يفعل ذَلِك كَذَلِك .
وَأما أثر عتبَة بْن فرقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقين فِي " سنَنه " قَالَ الشَّافِعِي : وَهَذَا أولَى الْأُمُور بعمر بن الْخطاب عندنَا فِي السوَاد ، وَيتَوَجَّهُ إِن كَانَت عنْوَة .
فَائِدَة : قَوْله : " ببَّانا " هُوَ بباء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ، ثمَّ مثلهَا مُشَدّدَة ، ثمَّ ألف ، ثمَّ نون ، ثمَّ ألف ، كَذَا ضَبطه الْجَوْهَرِي فِي بَاب الْبَاء من " صحاحه " ، وَذكر فِيهِ قَول عمر فِي الْقسم ، وَكَانَ يفضل الْمُهَاجِرين وَأهل بدر فِي الْعَطاء .
قَالَ الْجَوْهَرِي : وَهَكَذَا سمع مِنْهُم ، وناس يجعلونه من هيَّان بن بيَّان ، وَمَا أرَاهُ بِمَحْفُوظ عَن الْعَرَب .
قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ " أَن عمر بن الْخطاب بعث عُثْمَان بن حنيف ماسحًا ، فَفرض عَلَى كل جريب شعير دِرْهَمَيْنِ ، وَعَلَى كل جريب حِنْطَة أَرْبَعَة دَرَاهِم ، وَعَلَى كل جريب الشّجر وقصب السكر سِتَّة دَرَاهِم ، وَعَلَى جريب النّخل عشرَة دَرَاهِم ، وَعَلَى جريب الزَّيْتُون اثْنَا عشر دِرْهَم " .
وَعَن رِوَايَة أبي مخلد " أَن ابْن حنيف فرض عَلَى جريب الْكَرم عشرَة دَرَاهِم ، وَعَلَى جريب النّخل ثَمَانِيَة دَرَاهِم " ، وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الزَّيْتُون ، وَالْبَاقِي كَمَا سبق .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ ، عَن قَتَادَة ، عَن لَاحق بن حميد قَالَ : " بعث عمر بن الْخطاب عمار بن يَاسر ، وَعبد الله بن مَسْعُود ، وَعُثْمَان بن حنيف رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم إِلَى الْكُوفَة ، وَبعث عمار بن يَاسر عَلَى الصَّلَاة وَعَلَى الجيوش ، وَبعث ابْن مَسْعُود عَلَى الْقَضَاء ، وَعَلَى بَيت [9/149] المَال ، وَبعث عُثْمَان بن حنيف [ عَلَى ] مساحة الأَرْض ، وَجعل بَينهم كل يَوْم شَاة شطرها وسواقطها لعمَّار بن يَاسر ، وَالنّصف بَين هذَيْن ، ثمَّ قَالَ : أنزلتكم وإياي من هَذَا المَال كمنزلة وَالِي الْيَتِيم : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَمَا أرَى قَرْيَة يُؤْخَذ مِنْهَا كل يَوْم شَاة إِلَّا (كَانَ ذَلِك [ سَرِيعا ] فِي خرابها ، قَالَ : فَوضع عُثْمَان بن حنيف عَلَى جريب الْكَرم عشرَة دَرَاهِم) ، وَعَلَى جريب النّخل أَظُنهُ قَالَ : ثَمَانِيَة ، وَعَلَى جريب الْقصب سِتَّة دَرَاهِم ، وَعَلَى جريب الْبر أَرْبَعَة دَرَاهِم ، وَعَلَى جريب الشّعير دِرْهَمَيْنِ ، وَعَلَى رُءُوسهم عَن كل رجل أَرْبَعَة وَعشْرين كل سنة ، وعطل من ذَلِك النِّسَاء وَالصبيان ، وَفِيمَا يخْتَلف فِيهِ من تجاراتهم نصف الْعشْر .
قَالَ : ثمَّ كتب بذلك إِلَى عمر بن الْخطاب ، فَأجَاز ذَلِك وَرَضي بِهِ ، وَقيل لعمر : كَيفَ [ نَأْخُذ ] من تجار الْحَرْب إِذا قدمُوا علينا ؟ فَقَالَ عمر : كَيفَ يَأْخُذُونَ مِنْكُم إِذا أتيتم بِلَادهمْ ؟ قَالُوا : الْعشْر . قَالَ : فَكَذَلِك خُذُوا مِنْهُم " .
وَفِي رِوَايَة لَهُ : " وَعَلَى كل جريب النّخل ثَمَانِيَة ، وَعَلَى جريب الْقصب سِتَّة - لم يشك " ، وَفِي رِوَايَة لَهُ ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن الحكم : " أَن عمر بن الْخطاب بعث عُثْمَان بن حنيف يمسح السوَاد ، فَوضع عَلَى كل جريب عَامر – أو غامر - حَيْثُ يَنَالهُ المَاء قَفِيزا أَو درهما .
قَالَ : وَكِيع : يَعْنِي الْحِنْطَة وَالشعِير - وَوضع عَلَى كل جريب الْكَرم عشرَة دَرَاهِم ، وَعَلَى جريب الرطاب خَمْسَة دَرَاهِم
" .
[9/150] وَهَذَا مُنْقَطع ؛ الحكم لم يدْرك عمر ، وَلَا يحضرني من خرجه من طَرِيق الشّعبِيّ عَن عمر ، كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ .
فَائِدَة : قَالَ الْحَازِمِي فِي " المعرب " : الْقصب المقطع من بَاب ضرب قَالَ : وَمِنْه الْقصب الإسفست ؛ لِأَنَّهُ يجز .
قَالَ : وَمِنْه حَدِيث الْجِزْيَة هَذَا . وحُنيف بِضَم أَوله تَصْغِير حَنيف ، بِمَعْنى المائل . قَالَ الرَّافِعِيّ .
وَيذكر أَن الْحَاصِل من أَرض الْعرَاق عَلَى عهد عمر بن الْخطاب كَانَ مائَة ألف ألف وَسَبْعَة وَثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم . وَقيل : مائَة ألف ألف ، وَسِتِّينَ ألف ألف ، ثمَّ كَانَ يتناقص حَتَّى عَاد فِي زمَان الْحجَّاج إِلَى ثَمَانِيَة عشر ألف ألف دِرْهَم ، فَلَمَّا ولي عمر بن عبد الْعَزِيز ارْتَفع فِي السّنة الأولَى إِلَى ثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم ، وَفِي الثَّانِيَة إِلَى سِتِّينَ ألف ألف دِرْهَم . وَقيل : فَوق ذَلِك . قَالَ : لَئِن عِشْت لأبلغنه إِلَى مَا كَانَ فِي أَيَّام عمر . فَمَاتَ فِي تِلْكَ السّنة .