|
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَصْحَابه مروا بِظَبْيٍ حَاقِف ، فهم أَصْحَابه بِأَخْذِهِ ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : دَعوه حَتَّى يَجِيء صَاحبه " . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي " الْمُوَطَّأ " ، وَالنَّسَائِيّ فِي " سنَنه " ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان ، وَالْحَاكِم فِي " صَحِيحَيْهِمَا " من حَدِيث الضمرِي [ عَن الْبَهْزِي ] ، واسْمه زيد بن كَعْب - عَلَى مَا قَالَه الْخَطِيب فِي مبهماته وَغَيره - " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج يُرِيد مَكَّة وَهُوَ محرم حَتَّى إِذا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ إِذا حمَار وَحشِي عقير ، فَذكر ذَلِك لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ رَسُول الله : دَعوه فَإِنَّهُ يُوشك أَن يَأْتِي صَاحبه . فجَاء الْبَهْزِي - وَهُوَ صَاحبه - إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، شَأْنكُمْ بِهَذَا الْحمار . فَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَبَا بكر فَقَسمهُ بَين الرفاق ، ثمَّ مَضَى حَتَّى إِذا كَانَ بالأثاية بَين الرُّوَيْثَة وَالْعَرج إِذا ظَبْي حَاقِف وَفِيه سهم ، فَزعم أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر رجلا يقف عِنْده لَا يرِيبهُ أحد من النَّاس حَتَّى يُجَاوِزهُ " . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " بِنَحْوِهِ . فَوَائِد : الأولَى : قَالَ الْخَطِيب فِي " مبهماته " : الرجل الْمَأْمُور [9/266] بِالْإِقَامَةِ عَلَيْهِ ليحفظه هُوَ أَبُو بكر الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . قلت : وَوَقع فِي " سنَن ابْن مَاجَه " من حَدِيث عِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله ، عَن أَبِيه طَلْحَة : " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أعطَاهُ حمَار وَحش ، وَأمره أَن يفرقه فِي الرفاق " ، قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي " أَطْرَافه " : قَالَ يَعْقُوب بن شيبَة : هَذَا الحَدِيث لَا أعلم رَوَاهُ هَكَذَا غير ابْن عُيَيْنَة ، وَأَحْسبهُ أَرَادَ أَن يختصره فَأَخْطَأَ فِيهِ ، وَقد خَالفه النَّاس فِي هَذَا الحَدِيث ، رَوَاهُ مَالك وجماعات من حَدِيث عِيسَى بن طَلْحَة ، عَن عُمَيْر بن سَلمَة ، عَن رجل من بهز ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَالُوا جَمِيعًا فِي حَدِيثهمْ : " فَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَبَا بكر أَن يقسمهُ فِي الرفاق وهم محرمون " ، وَلَعَلَّ ابْن عُيَيْنَة حِين اخْتَصَرَهُ لحقه الْوَهم ؛ لِأَن فِي إِسْنَاد الحَدِيث عِيسَى بن طَلْحَة فَقَالَ : عَن أَبِيه . والبهزي يُقَال : إِن اسْمه زيد بن كَعْب ، وَهُوَ من بني سليم ، وَهُوَ صَاحب الظبي الحاقف . قلت : وَقد رَوَاهُ كَمَا رَوَاهُ النَّاس أَحْمد فِي " مُسْنده " ، وَالْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " فِي آخر كتاب المناقب فِي تَرْجَمَة عُمَيْر بن سَلمَة الضمرِي قَالَ : " بَينا نَحن نسير مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ محرم إِذا نَحن بِحِمَار وَحش معقور ، فَذَكرته للنَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " فَقَالَ : دَعوه ، فَأَتَاهُ الَّذِي عقره وَهُوَ رجل من بهز . . . " الحَدِيث كَمَا سلف ، وَإِسْنَاده صَحِيح . ثمَّ اعْلَم أَنه وَقع فِي " الْمُهَذّب " للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ تَغْيِير فِي اسْم رَاوِي هَذَا [9/267] الحَدِيث الَّذِي أوردناه فَقَالَ : رجل من فهر بهاء مَكْسُورَة وَرَاء . قَالَ النَّوَوِيّ فِي " تهذيبه " : وَكَذَا نَقله بعض الْأَئِمَّة الْفُضَلَاء عَن خطّ المُصَنّف وَهُوَ غلط وتصحيف ، وَالصَّوَاب : رجل من بهز . بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالزاي . الْفَائِدَة الثَّانِيَة : " الروحاء " مَمْدُود : قَرْيَة جَامِعَة لمزينة عَلَى لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة ، بَينهمَا أحد وَأَرْبَعُونَ ميلًا . قَالَه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ . وَقَالَ الْمُحب فِي " أَحْكَامه " : الروحاء منهل مَعْرُوف قَرِيبا من الْمَدِينَة . الْفَائِدَة الثَّالِثَة : مَعْنَى " عقير " : معقور ، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى . الرَّابِعَة : فِي ضَبطه أَسمَاء الْأَمَاكِن الْوَاقِعَة فِيهِ : " الأُثاية " بِضَم أَولهَا ، ثمَّ مُثَلّثَة ، وبهاء فِي الْآخِرَة قبلهَا يَاء مثناة تَحت . كَذَا ضَبطهَا الْبكْرِيّ فِي " مُعْجَمه " بِضَم أَولهَا ، وَقَالَ الْحَازِمِي فِي " المؤتلف والمختلف " : أثاية رَوَاهُ قوم أَثَاثَة وأثانة بالثاء الْمُثَلَّثَة وبالنون ، وَالصَّحِيح هُوَ الأول بِفَتْح همزته وكسرتها مَوضِع فِي طَرِيق الْجحْفَة ، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة خَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخًا . وَعبارَة الْمُحب فِي " أَحْكَامه " أَنه مَوضِع مَعْرُوف بغرب مَكَّة ، وَهِي مقَالَة بِالضَّمِّ وَبَعْضهمْ يكسرها . والرويثة : اسْم مَوضِع قريب مِنْهَا . و" العرج " بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء ، كَذَا ضَبطه الْحَازِمِي فِي " أَسمَاء الْأَمَاكِن " : عقبَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة عَلَى جادة الْحَاج ، وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي " مُعْجَمه " : هِيَ عقبَة بَينهَا وَبَين الرُّوَيْثَة أَرْبَعَة و [ عشر ] ميلًا ، وَبَين الرُّوَيْثَة وَالْمَدينَة أحد وَعِشْرُونَ فرسخًا ، وَمن [9/268] العرج إِلَى السقيا سَبْعَة عشر ميلًا ، وَالْعَرج من بِلَاد [ أسلم ] . قَالَ كثير : إِنَّمَا سمي العرج لتعريجه . وَعبارَة الْمُحب فِي " أَحْكَامه " : " العرج " - بِإِسْكَان الرَّاء ثمَّ جِيم - قَرْيَة جَامِعَة من عمل الْفَرْع عَلَى إِمَام الْمَدِينَة و" العرج " أَيْضا مَوضِع بِالطَّائِف ، وَإِلَيْهِ ينْسب العرجي من ولد عُثْمَان بن عَفَّان ؛ لشكاية من أجل مَال كَانَ لَهُ فِيهِ ، وَهُوَ الْقَائِل : أضاعوني . . . الْبَيْت . الْفَائِدَة الْخَامِسَة : " الحاقف " هُوَ المنحني الْعَاجِز عَن الِامْتِنَاع . قَالَه الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب ، وَعبارَة الْمُحب فِي " أَحْكَامه " : حَاقِف أَي : منحني كَأَنَّهُ قَائِم قد انحنى فِي نَومه لَا يرِيبهُ وَلَا يزعجه ، وَلَا يتَعَرَّض إِلَيْهِ . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب . وَذكر فِيهِ من الْآثَار أثرا وَاحِدًا وَقد سلف فِي أثْنَاء الحَدِيث التَّاسِع عشر .
|