وَأما آثاره فثمانية :
أَحدهَا : " أَن عبد الله بن عمر امْتنع من الْقَضَاء لما استقضاه عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه " من حَدِيث عبد الْملك - وَهُوَ ابْن جميلَة - عَن عبد الله بن موهب القَاضِي " أَن عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر : اذْهَبْ فَاقْض [ بَين النَّاس . قَالَ : أَو تعافيني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ؟ قَالَ : فَمَا تكره من ذَلِك وَقد كَانَ أَبوك يقْضِي ؟ قَالَ : إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من كَانَ قَاضِيا فَقَضَى ] بِالْعَدْلِ فبالحري أَن يَنْقَلِب مِنْهُ كفافًا . فَمَا أَرْجُو بعد ذَلِك ؟ ! " .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي بِمُتَّصِل ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : عبد الْملك بن أبي جميلَة ، و [ عبد الله ] بن موهب عَن عُثْمَان مُرْسل .
قلت : أما جَهَالَة عبد الْملك فَهِيَ كَمَا قَالَ ، لَكِن ابْن حبَان ذكره فِي (ثقاته) .
وَرَوَى عَن عبد الله بن موهب وَغَيره ، وَعنهُ مُعْتَمر بن أبي سُلَيْمَان .
وَأما الْإِرْسَال بَين عبد الله بن موهب فَلَا شكّ فِيهِ ، وَقد قَالَ [9/558] البُخَارِيّ أَيْضا : إِنَّه مُرْسل . وَأما ابْن حبَان فَخَالف وَأخرج الحَدِيث فِي " صَحِيحه " فَقَالَ : أَنا الْحسن بن سُفْيَان ، نَا أُميَّة بن بسطَام ، ثَنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان ، سَمِعت عبد الْملك بن أبي جميلَة يحدث ، عَن عبد الله بن وهب : " أَن عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر : اذْهَبْ وَكن قَاضِيا . قَالَ : أَو تعفيني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ؟ قَالَ : عزمت عَلَيْك إِلَّا ذهبت فَقضيت . قَالَ : لَا تعجل ، سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من عاذ بِاللَّه فقد عاذ بمعاذ ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فَإِنِّي أعوذ بِاللَّه أَن أكون قَاضِيا . قَالَ : وَمَا يمنعك وَقد كَانَ أَبوك يقْضِي ؟ قَالَ : لِأَنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : [ من كَانَ قَاضِيا فَقَضَى بِالْجَهْلِ كَانَ من أهل النَّار ] ، وَمن كَانَ قَاضِيا فَقَضَى بالجور كَانَ من أهل النَّار ، وَمن كَانَ قَاضِيا عَالما يقْضِي بِحَق أَو بِعدْل سَأَلَ التفلت كفافا . فَمَا أَرْجُو مِنْهُ بعد ذَا ؟ ! " .
ثمَّ قَالَ ابْن حبَان : ابْن وهب هَذَا هُوَ عبد الله بن وهب بن ربيعَة ابْن الْأسود الْقرشِي من أهل [ الْمَدِينَة ] رَوَى عَنهُ الزُّهْرِيّ .
هَذَا كَلَامه ، وَعَلِيهِ بعد تَسْلِيم ثِقَة عبد الْملك اعتراضان : أَحدهمَا : إرْسَاله ، كَمَا شهد بذلك التِّرْمِذِيّ وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم .
ثَانِيهمَا : يُخَالف التِّرْمِذِيّ فِي إِبْدَال عبد الله بن موهب بِعَبْد الله بن وهب ، وَيُمكن أَن يكون رَوَاهُ أَيْضا ؛ فَإِنَّهُ رَوَى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة .
وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر قَالَ أَحْمد فِي " مُسْنده " : نَا [ عَفَّان ] نَا حَمَّاد بن سَلمَة ، أَنا أَبُو سِنَان ، عَن يزِيد بن موهب أَن [9/559] عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر : " اقْضِ بَين النَّاس . فَقَالَ : لَا أَقْْضِي بَين اثْنَيْنِ وَلَا [ أؤم ] رجلَيْنِ ، أما سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من عاذ بِاللَّه فقد عاذ بمعاذ ؟ قَالَ عُثْمَان : بلَى . قَالَ : فَإِنِّي أعوذ بِاللَّه أَن تَسْتَعْمِلنِي . فأعفاه ، وَقَالَ : لَا تخبر بِهَذَا أحدا " .
قَالَ الرَّافِعِيّ : وهرب أَبُو قلَابَة من الْقَضَاء .
هُوَ كَمَا قَالَ ، قَالَ أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة : نَا مُسَدّد نَا ابْن علية ، عَن أَيُّوب : " لما توفّي عبد الرَّحْمَن بن أذينة ذكر أَبُو قلَابَة للْقَضَاء ، فهرب حَتَّى أَتَى الشَّام فَوَافَقَ ذَلِك عزل قاضيها ، فَذكر هُنَاكَ للْقَضَاء ، فهرب فَلَقِيَهُ بعد ذَلِك فَقَالَ : مَا وجدت القَاضِي الْعَالم إِلَّا مثل سابح وَقع فِي الْبَحْر كم عَسى أَن يسبح حَتَّى يغرق " .
قَالَ الرَّافِعِيّ : وهرب الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة مِنْهُ ، وَرُوِيَ أَن الشَّافِعِي أَوْصَى الْمُزنِيّ فِي مرض مَوته بِأَن لَا يتَوَلَّى الْقَضَاء ، وَفرض عَلَيْهِ كتاب الرشيد بِالْقضَاءِ ، فَلم يجبهُ الْبَتَّةَ ، وَانْتَهَى امْتنَاع أبي عَلّي بن خيران - من أَصْحَابنَا - لما استقضاه الْوَزير ابْن الْفُرَات حَتَّى ختمت دوره بالطين أَيَّامًا . وَهُوَ كَمَا ذكر فَلَا نطول بِهِ .
الْأَثر الثَّانِي : قَالَ الرَّافِعِيّ : ذكر أَن القَاضِي الْعَادِل إِذا استقضاه أَمِير بَاغ أَجَابَهُ إِلَيْهِ ، فقد سُئِلت عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَن ذَلِك لمن استقضاه زِيَاد فَقَالَت : " إِن لم يقْض لكم خياركم قَضَى لكم شِرَاركُمْ " .
وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ .
[9/560] الْأَثر الثَّالِث : أَن الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أحالوا فِي الْفَتَاوَى بَعضهم عَلَى بعض مَعَ مشاهدتهم التَّنْزِيل .
وَهَذَا مَشْهُور عَنْهُم فِي عدَّة وقائع قد يطول بهَا .
الْأَثر الرَّابِع : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما " أَنه سُئِلَ عَمَّن [ قتل أَله ] تَوْبَة ؟ [ فَقَالَ مرّة : لَا ، وَقَالَ مرّة : نعم . ] فَقيل لَهُ فِي ذَلِك ، فَقَالَ : رَأَيْت فِي عَيْني الأول أَنه يقْصد الْقَتْل فقمعته ، وَكَانَ الثَّانِي صَاحب وَاقعَة يطْلب الْمخْرج " .
وَهَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ ، وتكرر ذكره فِي تصانيف آدَاب الْمُفْتِي والمستفتي .
الْأَثر الْخَامِس وَالسَّادِس وَالسَّابِع وَالثَّامِن فِي التَّحْكِيم وَقد أسلفناه قَرِيبا فَرَاجعهَا مِنْهُ .